الاجتماع المطلق يقضي الاجتماع الإنساني بحسنها المطلق ويعد مقابلاتها رذائل ويقضي بقبحها .
فقد تبين بهذا البيان : أن في الاجتماع المستمر الإنساني حسناً وقبحاً لا يخلو عنهما قط وأن أُصول الأخلاق الأربعة فضائل حسنة دائماً ، ومقابلاتها رذائل قبيحة دائماً ، والطبيعة الإنسانية الاجتماعية تقضي بذلك ، وإذا كان الأمر في الاصول على هذا النحو فالفروع المنتهية بحسب التحليل إليها حكمها في القبول ذلك ، وإن كان ربما يقع اختلاف ما في مصاديقها من جهة الانطباق على ما سنشير إليه .
إذا عرفت ما ذكرنا ظهر لك وجه سقوط ما نقلنا من قولهم من أمر الأخلاق وهاك بيانه .
أما قولهم : إن الحسن والقبح المطلقين غير موجودين ، بل الموجود منهما النسبي من الحسن والقبح وهو متغيّر مختلف باختلاف المناطق والأزمنة والاجتماعات ، فهو مغالطة ناشئة من الخلط بين الإطلاق المفهومي بمعنى الكلية والإطلاق الوجودي بمعنى إستمرار الوجود ، فالحسن والقبح المطلقان الكليان غير موجودين في الخارج لوصف الكلية والإطلاق ، لكنهما ليسا هما الموجبين لما نقصده من النتيجة ، وأما الحسن والقبح المطلقان المستمران بمعنى استمرارهما حكمين للاجتماع ما دام الاجتماع مستمراً باستمرار الطبيعة فهما كذلك ، فإن غاية الاجتماع سعادة النوع ، ولا يمكن موافقة جميع الأفعال الممكنة والمفروضة للاجتماع كيفما فرض ، فهناك أفعال موافقة ومخالفة دائماً فهناك حسن وقبح دائماً .
وعليهذا فكيف يمكن أن يفرض اجتماع كيف
ما فرض ولا يعتقد أهله أن من الواجب أن يعطي كل ذي حق حقه أو أن جلب المنافع بقدر ما ينبغي واجب أو أن الدفاع عن مصالح الاجتماع بقدر ما ينبغي لازم أو أن العلم الذي يتميز به منافع
الانسان من غيرها فضيلة حسنة ؟ وهذه هي العدالة والعفة ، والشجاعة ، والحكمة التي ذكرنا أن الاجتماع الإنساني كيفما فرض لا يحكم إلا بحسنها وكونها فضائل إنسانية ، وكذا كيف يتيسر لاجتماع أن لا يحكم بوجوب الانقباض والانفعال عن التظاهر بالقبيح
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

