الطبيعة : من التغيُّر والتبدل والتركيب وانحلاله ، والحيوة والموت الطبيعيتين ، فإذا شاء الله تعالى ظهورها ظهرت لحواسنا ، وإذا لم يشأ أو شاء ان لا تظهر لم تظهر ، مشيَّة خالصة من غير مخصص في ناحية الحواس ، أو تلك الاشياء .
وهذا القول منهم مبني على انكار العليَّة والمعلولية بين الاشياء ، ولو صحَّت هذه الامنية الكاذبة بطلت جميع الحقائق العقلية ، والأحكام العلمية ، فضلاً عن المعارف الدينية ولم تصل النوبة الى اجسامهم اللطيفة المكرمة التي لا تصل اليها يد التأثير والتأثر المادي الطبيعي ، وهو ظاهر .
فقد تبيَّن بما مرّ : أن الآية دالّة على الحيوة البرزخيَّة ، وهي المسمَّاة بعالم القبر ، عالم متوسط بين الموت والقيمة ، ينعم فيه الميَّت أو يعذّب حتى تقوم القيمة .
ومن الآيات الدالَّة عليه ـ وهي نظيرة لهذه الآية الشريفة ـ قوله تعالى : « وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ » آل عمران ـ ١٧١ ، وقد مرَّ تقريب دلالة الاية على المطلوب ، ولو تدبَّر القائل باختصاص هذه الايات بشهداء بدر في متن الايات لوجد أنّ سياقها يفيد اشتراك سائر المؤمنين معهم في الحيوة ، والتنعّم بعد الموت .
ومن الايات قوله تعالى : « حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ » المؤمنون ـ ١٠٠ ، والاية ظاهرة الدلالة على أن هناك حيوة متوسطة بين حيوتهم الدنيوية وحيوتهم بعد البعث ، وسيجيء تمام الكلام في الاية إنشا الله تعالى .
ومن الايات قوله تعالى : « وَقَالَ الَّذِينَ
لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا
كَبِيرًا يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ
» ( ومن المعلوم أن المراد به أول ما يرونهم وهو يوم الموت كما تدل عليه آيات أُخر ) « لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا
. وَقَدِمْنَا
إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا . أَصْحَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
. وَيَوْمَ
تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

