تعالى « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا » المائدة ـ ٣ ، وسيجيء الكلام في معنى النعمة وتشخيص هذه النعمة التي يمتنّ بها الله سبحانه في الآية .
ونظير هاتين الآيتين في الإشتمال على عدة إتمام النعمة قوله تعالى « وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » المائدة ـ ٦ ، وقوله تعالى « كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ » النحل ـ ٨١ ، وسيجيء إنشاء الله شيءٌ من الكلام المناسب لهذا المقام في ذيل هذه الآيات .
قوله تعالى : كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم ، ظاهر الآية أن الكاف للتشبيه وما مصدرية ، فالمعنى : أنعمنا عليكم بأن جعلنا لكم البيت الذي بناه إبراهيم ، ودعا له بما دعا من الخيرات والبركات قبلة كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويعلمكم الكتاب والحكمة ويزكيكم مستجيبين لدعوة إبراهيم ، إذ قال هو وابنه إسمعيل ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم ، وفيهم امتنانٌ عليهم بالإرسال كالامتنان بجعل الكعبة قبلة ، ومن هنا يظهر أن المخاطب بقوله فيكم رسولا منكم ، هو الأمة المسلمة ، وهو أولياء الدين من الامة خاصة بحسب الحقيقة ، والمسلمون جميعاً من آل إسمعيل ، ـ وهم عرب مضر ـ بحسب الظاهر ، وجميع العرب بل جميع المسلمين بحسب الحكم .
قوله تعالى : يتلوا عليكم آياتنا ، ظاهرة آيات القرآن لمكان قوله يتلو ، فإن العناية في التلاوة إلى اللفظ دون المعنى ، والتزكية هي التطهير ، وهو إزالة الأدناس والقذارات ، فيشمل إزالة الاعتقادات الفاسدة كالشرك والكفر ، وإزالة الملكات الرذيلة من الأخلاق كالكبر والشحّ ، وإزالة الأعمال والأفعال الشنيعة كالقتل والزنا وشرب الخمر وتعليم الكتاب والحكمة ، وتعليم ما لم يكونوا يعلمونه يشمل جميع المعارف الأصلية والفرعية .
واعلم : أن الآيات الشريفة تشتمل على موارد من الالتفات ، فيه تعالى بالغيبة ولتكلم وحده ومع الغير ، وفي غيره تعالى أيضاً بالغيبة والخطاب والتكلم ، والنكتة فيها غير خفية على المتدبر البصير .
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

