غير الآخر ويفارقه لكن الصراط المستقيم يتحد مع كل منها في عين انه يتحد مع ما يخالفه ، كما يستفاد من بعض الآيات المذكورة وغيرها كقوله : « وَأَنِ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ » يس ـ ٦١ . وقوله تعالى : « قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا » الانعام ـ ١٦١ . فسمى العبادة صراطاً مستقيماً وسمي الدين صراطاً مستقيماً وهما مشتركان بين السبل جميعاً ، فمثل الصراط المستقيم بالنسبة الى سبل الله تعالى كمثل الروح بالنسبة الى البدن ، فكما ان للبدن اطواراً في حيوته هو عند كل طور غيره عند طور آخر ، كالصبي والطفولية والرهوق والشباب والكهولة والشيب والهرم لكن الروح هي الروح وهي متحدة بها والبدن يمكن ان تطرء عليه اطوار تنافي ما تحبه وتقتضيه الروح لو خليت ونفسها بخلاف الروح فطرة الله التي فطر الناس عليها والبدن معذلك هو الروح أعني الانسان ، فكذلك السبيل الى الله تعالى هو صراط المستقيم إلا ان السبيل كسبيل المؤمنين وسبيل المنيبين وسبيل المتبعين للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم او غير ذلك من سبل الله تعالى ، ربما اتصلت به آفة من خارج أو نقص لكنهما لا يعرضان الصراط المستقيم كما عرفت ان الايمان وهو سبيل ربما يجامع الشرك والضلال لكن لا يجتمع مع شيء من ذلك الصراط المستقيم فللسبيل مراتب كثيرة من جهة خلوصه وشوبه وقربه وبعده ، والجميع على الصراط المستقيم او هي هو .
وقد بين الله سبحانه هذا المعنى ، اعني : اختلاف السبل الى الله مع كون الجميع من صراطه المستقيم في مثل ضربه للحق والباطل في كلامه ، فقال تعالى : « أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ » الرعد ـ ١٧ . فبين : ان القلوب والافهام في تلقي المعارف والكمال مختلفة ، مع كون الجميع متكئة منتهية الى رزق سماوي واحد ، وسيجيء تمام الكلام في هذا المثل في سورة الرعد ، وبالجملة فهذا ايضاً نعت من نعوت الصراط المستقيم .
واذا تأملت ما تقدم من نعوت الصراط
المستقيم تحصل لك ان الصراط المستقيم
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

