الرضا حيث وضع في مقابل الاعطاء يفيد معنى آخر نظير إغناء الفقير بما يشكو فقده ، وإرضاء الجائع بإشباعه فهو الإرضاء بالإعطاء من غير تحديد ، وهذا أيضاً مما وعد الله ما يشابهه لفريق من عباده . قال عزّ من قائل : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ » البينة ـ ٨ ، وهذا أيضاً لموقع الإمتنان والإختصاص يجب أن يكون أمراً فوق ما للمؤمنين وأوسع من ذلك ، وقد قال تعالى : في حق رسوله : « بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ » التوبة ـ ١٢٨ ، فصدّق رأفته وكيف يرضى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ويطيب نفسه أن يتنعم بنعيم الجنة ويرتاض في رياضه وفريق من المؤمنين متغلغلون في دركات السعير ، مسجونون تحت أطباق النار وهم معترفون لله بالربوبية ، ولرسوله بالرسالة ، ولما جاء به بالصدق ، وإنما غلبت عليهم الجهالة ، ولعب بهم الشيطان ، فاقترفوا معاصي من غير عناد واستكبار . والواحد منا إذا راجع ما أسلفه من عمره ونظر إلى ما قصَّر به في الاستكمال والارتقاء يلوم نفسه بالتفريط في سعيه وطلبه ثم يلتفت إلى جهالة الشباب ونقص التجارب فربما خمدت نار غضبه وانكسرت سورة ملامته لرحمة ناقصة أودعها الله فطرته ، فما ظنك برحمة رب العالمين في موقف ليس فيه إلا جهالة إنسان ضعيف وكرامة النبي الرؤوف الرحيم ورحمة أرحم الراحمين . وقد رأى ما رأى من وبال أمره من لدن نشبت عليه أظفار المنية إلى آخر مواقف يوم القيامة ؟ .
وفي تفسير القمي في قوله تعالى : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له الآية ، عن أبي العباس المكبَّر قال : دخل مولى لإمرأة علي بن الحسين يقال له : أبو أيمن فقال : يا أبا جعفر تغرون الناس وتقولون : شفاعة محمد ، شفاعة محمد ؛ فغضب أبو جعفر حتى تربَّد وجهه ، ثم قال : ويحك يا أبا أيمن أغرّك أن عفّ بطنك وفرجك ؟ أما لو قد رأيت أفزاع القيمة لقد احتجت الى شفاعة محمد ، ويلك فهل يشفع إلا لمن وجبت له النار ؟ قال : ما من أحد من الأولين والآخرين إلا وهو محتاج إلى شفاعة محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم القيامة ، ثم قال أبو جعفر : إن لرسول الله الشفاعة في امته ، ولنا شفاعة في شيعتنا ، ولشيعتنا شفاعة في أهاليهم ، ثم قال : وإن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر ، وإن المؤمن ليشفع لخادمه ويقول : يا رب حق خدمتي كان يقيني الحر البرد .
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

