وثانيهما : تأثير الشفاعة في جميع أنواع العقاب وأوقاته بأن تقلعه من أصله قلعاً .
فلو قيل : ان الطائفة الفلانية من الناس أو كل الناس لا يعاقبون على ما أجرموا ولا يؤاخذون فيما أذنبوا أبداً ، أو قيل إن الذنب الفلاني لا عذاب عليه قط كان ذلك باطلا من القول ولعباً بالأحكام والتكاليف المتوجهة الى المكلفين ، وأما اذا أبهم الأمر من حيث الشرطين فلم يعين أن الشفاعة في أي الذنوب وفي حق أي المذنبين أو ان العقاب المرفوع هو جميع العقوبات وفي جميع الأوقات والأحوال ، فلا تعلم نفس هل تنال الشفاعة الموعودة أولا فلا تتجرى على هتك محارم الله تعالى ، غير أن ذلك توقظ قريحة رجائها فلا يوجب مشاهدة ما يشاهدها من ذنوبها وآثامها قنوطاً من رحمة الله ، ويأساً من روح الله ، مضافاً إلى قوله تعالى : « إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ » النساء ـ ٣١ ، فإن الآية تدل على رفع عقاب السيئات والمعاصي الصغيرة على تقدير اجتناب المعاصي الكبيرة فإذا جاز أن يقول الله سبحانه : إن إتقيتم الكبائر عفونا عن صغائركم ، فليجز أن يقال : إن تحفظتم على إيمانكم حتى أتيتموني في يوم اللقاء بايمان سليم قبلت فيكم شفاعة الشافعين ، فإنما الشأن كل الشأن في حفظ الإيمان والمعاصي تضعف الإيمان وتقسي القلب وتجلب الشرك ، وقد قال تعالى : « فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ » الأعراف ـ ٩٩ ، وقال : « كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ » المطففين ـ ١٤ ، وقال : « ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ » الروم ـ ١٠ ، وربما أوجب ذلك إنقلاعه عن المعاصي ، وركوبه على صراط التقوى ، وصيرورته من المحسنين ، واستغنائه عن الشفاعة بهذا المعنى ، وهذا من اعظم الفوائد ، وكذا إذا عين المجرم المشفوع له او الجرم المشفوع فيه لكن صرح بشموله على بعض جهات العذاب أو بعض أوقاته فلا يوجب تجري المجرمين قطعاً .
والقرآن لم ينطق في خصوص المجرمين وفي خصوص الذنب بالتعيين ولم ينطق في رفع العقاب إلا بالبعض كما سيجيء فلا اشكال أصلاً .
الاشكال
الخامس : ان العقل لو دل فإنما يدل على إمكان
وقوع الشفاعة لا على
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

