وممّا يمكن أن يتعلّقوا به : أن القرآن لو كان مأخوذا من نبيّ خصّه الله تعالى به لم يخل حاله من وجهين : إما أن يكون قد أدى الرسالة ، وظهر أمره وانتشر خبره أو لم يؤدّها ، وفي الوجه الأوّل استحالة أن يخفى خبره وينطوي حال من قتله وغلبه على كتابه ، لا سيّما مع البحث الشديد والتنفير الطويل ، وإن كان على الوجه الثاني وجب على الله تعالى أن يمنع من قتله وإلّا انتقض الغرض في بعثته.
والجواب عن ذلك : أنه غير ممتنع أن يكون ذلك النبيّ مبعوثا إلى الّذي قتله وأخذ الكتاب من يده ، فليس بمنكر بعثة نبي إلى واحد ، ونفرض أيضا أنه أوقع به القتل بعد أداء الرسالة حتّى لا يوجبوا على الله تعالى المنع من قتله.
فأمّا جواب أهل الصرفة عن هذا السؤال فواضح لا إشكال فيه ؛ لأنا قد بينا أن سبب تعذر المعارضة على العرب هو سلبهم في الحال العلوم بالفصاحة الّتي يتمكنون بها من المعارضة ، فلو كان مظهر القرآن غير مصدّق بهذا الكتاب وهو ناقل له عن نبيّ صدّق به ـ كما تضمنه السؤال ـ لم يحسن صرف من رام المعارضة ؛ لأن ذلك غاية التصديق والشهادة بنبوّته ؛ لأنه ما ادعى صلىاللهعليهوآلهوسلم علما له على نبوّته سوى الصرف عن معارضته ، فإذا وقع ذلك كان مطابقا لدعواه وتصديقا لها.
وقد كنا ذكرنا في كتابنا الموضح عن إعجاز القرآن جوابا سديدا عن هذا السؤال يمكن أن نجيب من ذهب فى القرآن إلى خرق العادة بفصاحته ، وان كنّا ما قرأناه لهم في كتاب ، ولا سمعناه في مناظرة ولا مذاكرة ، وإنّما أخرجناه فكرة ، وهو أن القرآن عند التأمّل له يدلّ على أن نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم هو المختصّ به والمظهر على يده دون غيره. ممّا تضمنه القرآن ممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى في قصّة المجادلة : (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ) إلى قوله تعالى : (وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١) ، وجاءت الرواية المستفيضة بأن جملة زوجة أوس
__________________
(١) سورة المجادلة ، الآيات : ١ ـ ٤.
![تفسير الشريف المرتضى [ ج ١ ] تفسير الشريف المرتضى](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3793_nafaes-altawil-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
