كلّ بشر وجنّي وملك ، وكلّ قادر من المحدّثين ، وسلّم أيضا أنه من فعله تعالى على غاية اقتراحهم ، ما المنكر من أن يكون أنزل هذا الكتاب على نبيّ من الأنبياء غير من ظهر من جهته تغلبه عليه وقتله الظاهر من جهته ، وادعى الإعجاز به؟
ولسنا نعرف للقوم جوابا سديدا عن هذا السؤال ؛ لأنهم إذا ذكروا الاستفساد وغيره ممّا حكيناه عنهم في جواب سؤال الجنّ ، فقد تكلمنا بما فيه كفاية ، وإذا قالوا : إن العلم الضروري حاصل بأنه لم يسمع من غيره ، أو قالوا : نعلم ضرورة أن المظهر له لم يأخذه من غيره قلنا : أمّا العلم بأنه لم يأخذ من أحد ظهر على يده وعرفت أخباره وانتشرت ، فثابت لا محالة ، وهو على خلاف ما تضمنه السؤال ؛ لأنه تضمن أنه أخذه ممّن لم يظهر له حال ، ولا وقف له على خبر سواه ، وكذلك العلم بأنه لم يأخذه من غيره لا بدّ من أن يكون مشروطا بما ذكرناه ، وكيف يدعى إطلاقا أنه لم يأخذه من غيره ، وهو يذكر أن الملك نزل به عليه ، فيجب أن يقولوا : انه لم يؤخذ من أحد من البشر ، وإذا فرضنا أن المأخوذ منه ذلك من البشر لم يطلع على حاله سواه لحق البشر في هذا بالملك.
وقد ذكروا في هذا السؤال : أن تجويز ذلك يؤدّي إلى تجويز مثله في سائر المعجزات ، قالوا : فإذا قيل لنا : إن باقي المعجزات يعلم حادثه في الحال على وجه يوجب الاختصاص ، قلنا : أليس المستدلّ قبل أن ينظر فيعلم حدوثها في الحال يجوز ما ذكرتموه ، وتجويزه ذلك منفر له عن النظر فيها.
فالجواب عن هذا الوجه الضعيف : أن تجويز المستدلّ الناظر في المعجزات أن تكون غير حادثة ولا مختصّة ، لا يقتضي التنفير عن النظر فيها ، وكيف يكون ذلك ويحسن أن كلّ ناظر في علم من أعلام الأنبياء صلىاللهعليهوآلهوسلم يجوز قبل نظره فيه أن يكون مخرقة وشعبذة ولم يقتض ذلك تنفيره عن النظر فيه ، بل واجب نظره لثبوت الخوف وتعدم الأمان من أن يكون المدعي صادقا.
فكذلك حكم الناظر في الأعلام مع تجويزه أن يكون غير حادثة ولا مختصّة ، ولا يجب أن يكون منفرا عن النظر ؛ لأن الخوف الموجب للنظر ثابت مازال.
![تفسير الشريف المرتضى [ ج ١ ] تفسير الشريف المرتضى](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3793_nafaes-altawil-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
