والثاني لا يصحّ أيضا ، فإنّ رتبة الوصف متأخّرة عن ذات الموصوف دائما ، والمقدّم بالرتبة هاهنا عبارة عن المشروطيّة التي كانت وصفا للمعلوليّة ؛ إذ يتحقّق بها مورد المعلوليّة ، ورتبة المعلوليّة التي كانت موصوفة لها متأخّرة ، وهذا يكشف عن عدم تحقّق الاشتراط والمشروطيّة أصلا ، والمسلّم أنّ وجوب الواجب الغيري لا يتحقّق قبل تحقّق وجوب الواجب النفسي ، وهذا لا يستلزم أن يكون الوجوب النفسي شرطا لتحقّق الوجوب الغيري ولو فرضنا العلّيّة هاهنا ؛ إذ الشرطيّة أمر زائد على العلّيّة التامّة ، فليس في الواجب الغيري من الشرطين المذكورين أثر ولا خبر حتّى ينفى بأصالة الإطلاق ، فلا يصحّ التمسّك به لإثبات النفسيّة.
واختار استاذنا السيّد الإمام قدسسره (١) طريقا آخر لإثبات النفسيّة ، وهو أنّه : كما مرّ في البحث عن هيئة «افعل» أنّ البعث المتعلّق بشيء حجّة على العبد ، ولا يجوز له المخالفة اعتذارا بعدم إثبات كونه للوجوب أو الاستحباب ، وهذا لا يكون عذرا له لمخالفة العقلاء ، بل العقل والعقلاء يحكم بلزوم امتثال هذا الأمر ، وهذا يشبه بالاحتياط الوجوبي العقلي ، وهكذا فيما نحن فيه لا يكون احتمال كون الواجب مقدّمة للغير عذرا للمخالفة عند العقل والعقلاء ، بل المكلّف ملزم بالامتثال عند العقلاء ، ولكن لا يترتّب عليه أثر سوى لزوم الإتيان به ، ولا يثبت عنوان النفسيّة حتّى يثمر ثمرة عند حصول الوفاء بالنذر ونحو ذلك بإتيانه ، وهو جيّد.
وإذا دار الأمر بين النفسيّة والغيريّة مع فقدان أصل لفظي وحكم العقل تصل النوبة إلى الاصول العمليّة.
__________________
(١) مناهج الوصول إلى علم الاصول ١ : ٣٧٢ ، تهذيب الاصول ١ : ٢٤٣.
![دراسات في الأصول [ ج ٢ ] دراسات في الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3692_dirasat-fi-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
