قال : (خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ). (١)
وفيه نظر ، فإنّ المراد هنا قد بيّنا أنّه الأوّل في الوجود والآخر فيه لتقوى الحجّة على المشركين الذين أثبتوا إلهية محدثة تعدم وتفنى والله تعالى قديم أزلي باق أبدي ، وليس المراد في الحديث لو سلم الأوّل والآخر في المكان ، فلم يبق إلّا في الوجود.
والاعتراض على الثاني بوجوه :
أ. الخلق هو المخلوق (٢) ، وذلك تارة يكون بالايجاد وتارة بالاحياء ، فلم قلتم : إنّ المراد هنا الإيجاد دون الإحياء؟
__________________
(١) الروم / ٤٠.
(٢) الخلق في اللغة : التقدير بمعنى المساواة بين شيئين. وأطلق على ايجاد شيء ، على تقدير. وأطلق على الجمع ، والقطع أيضا. وقد يطلق بمعنى الكذب والافتراء ، وعليه (وتخلقون إفكا) أي تكذبون كذبا. والخلق : مصدر مخالف لسائر المصادر ، فانّ معنى جميعها التأثير القائم بالفاعل المغاير له وللمفعول ، وأمّا الخلق فهو نفس المخلوق. راجع أبي البقاء ، الكليات ٢ : ٣٠٣ ـ ٣٠٤ ؛ لسان العرب ٤ : ١٩٤. وقد استعمل في القرآن لفظ الخلق بمعنى المخلوق ، مثل قوله تعالى : (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) إبراهيم / ١٩. وفي دعاء لمولانا أبي إبراهيم موسى بن جعفر الصادق عليهماالسلام مخاطبا الخالق تعالى : «لا يبيد عزك ولا تموت وأنا خلق أموت وأزول وأفنى» ابن طاوس ، مهج الدعوات ومنهج العبادات : ٢٨٤ (دعاء لسعة الرزق).
وقد وقع الخلاف ـ بما لا طائل تحته ـ بين المتكلّمين في حقيقة الخلق ، هل هو نفس المخلوق أو غيره أو لا نفسه ولا غيره بل هو صفة له؟ فذهب إلى الأوّل إبراهيم النظام والجبائي ، وإلى الثاني أبو الهذيل العلاف ومعمّر وبشر بن المعتمر وأبو موسى المردار ، وإلى الثالث هشام بن الحكم على ما حكى عنه. وكان عباد بن سليمان إذا قيل له : أتقول انّ الخلق غير المخلوق؟ قال : خطأ أن يقال ذلك ، لأنّ المخلوق عبارة عن شيء وخلق ، وكان يقول : خلق الشيء غير الشيء ولا يقول الخلق غير المخلوق ، وكان يقول : إنّ خلق الشيء قول كما يقول أبو الهذيل ولا يقول إنّ الله قال له «كن» كما كان أبو الهذيل يقول. فمن أراد التفصيل في ذلك فليراجع مقالات الإسلاميين : ٣٦٣ ـ ٣٦٥.
![نهاية المرام في علم الكلام [ ج ٣ ] نهاية المرام في علم الكلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3371_nihayat-almaram-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
