وقال الماتريدي بموافقة الجمهور فيما عدا المعرفة بالله تعالى عند إرادة إفحام الرسل خاصّة لأنّه رآه مبنى أصول الدّين ، كما يشير إليه قول صدر الشريعة في «التوضيح» «أي يكون الفعل صفة يحمد فاعل الفعل ويثاب لأجلها أو يذمّ ويعاقب لأجلها ؛ لأنّ وجوب تصديق النبي إن توقّف على الشرع يلزم الدور» وصرّح أيضا بأنّها تعرف بالشرع أيضا.
وقد ضايق المعتزلة الأشاعرة في هذه المسألة بخصوص وجوب المعرفة فقالوا : لو لم تجب المعرفة إلّا بالشرع للزم إفحام الرسل ، فلم تكن للبعثة فائدة. ووجه اللزوم أنّ الرسول إذا قال لأحد : انظر في معجزتي حتّى يظهر صدقي لديك ، فله أن يقول : لا انظر ما لم يجب عليّ ، لأنّ ترك غير الواجب جائز ، ولا يجب عليّ حتّى يثبت عندي الوجوب بالشرع ، ولا يثبت الشرع ما دمت لم انظر ، لأنّ ثبوت الشرع نظريّ لا ضروري. وظاهرهم الماتريديّة وبعض الشافعيّة على هذا الاستدلال.
ولم أر للأشاعرة جوابا مقنعا ، سوى أنّ إمام الحرمين في «الإرشاد» أجاب : بأنّ هذا مشترك الإلزام لأنّ وجوب التأمّل في المعجزة نظري لا ضروريّ لا محالة ، فلمن دعاه الرسول أن يقول : لا أتأمل في المعجزة ما لم يجب ذلك عليّ عقلا ، ولا يجب عليّ عقلا ما لم انظر ، لأنّه وجوب نظري ، والنّظري يحتاج إلى ترتيب مقدّمات ، فأنا لا أرتّبها. وتبعه على هذا الجواب جميع المتكلّمين بعده من الأشاعرة مثل البيضاوي والعضد والتفتازانيّ. وقال ابن عرفة في «الشامل» : إنّه اعتراف بلزوم الإفحام فلا يزيل الشبهة بل يعمّمها بيننا وبينهم ، فلم يحصل دفع الإشكال وكلام ابن عرفة ردّ متمكّن. والظاهر أنّ مراد إمام الحرمين أن يسقط استدلال المعتزلة لأنفسهم على الوجوب العقلي بتمحّض الاستدلال بالأدلة الشرعيّة وهو مطلوبنا.
وأنا أرى أن يكون الجواب بأحد طريقين :
أولهما : بالمنع ، وهو أن نمنع أن يكون وجوب سماع دعوة الرسول متوقّفا على الإصغاء إليه ، والنظر في معجزته ، وأنّه لو لم يثبت وجوب ذلك بالعقل يلزم إفحام الرسول ، بل ندّعي أنّ ذلك أمر ثبت بالشرائع الّتي تعاقب ورودها بين البشر ، بحيث قد علم كلّ من له علاقة بالمدنيّة البشرية بأنّ دعاة أتوا إلى النّاس في عصور مختلفة ، ودعوتهم واحدة : كلّ يقول إنّه مبعوث من عند الله ليدعو النّاس إلى ما يريده الله منهم ، فاستقرّ في نفوس البشر كلّهم أنّ هنالك إيمانا وكفرا ، ونجاة وارتباقا ، استقرارا لا يجدون في نفوسهم سبيلا إلى دفعه ، فإذا دعا الرسول النّاس إلى الإيمان حضرت في نفس المدعوّ
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٤ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2908_altahrir-wal-tanwir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
