قتيلة بنت الحارث :
|
ما كان ضرّك لو مننت وربما |
|
منّ الفتى وهو المغيظ المحنق |
ومن هذا الاستعمال تولّد معنى المصدرية في لو الشرطية ، فأثبته بعض النحاة في معاني لو ، وليس بمعنى لو في التحقيق ، ولكنه ينشأ من الاستعمال. وتقدير الكلام : لو آمنوا ما ذا الذي كان يتعبهم ويثقلهم ، أي لكان خفيفا عليهم ونافعا لهم ، وهذا من الجدال بإراءة الحالة المتروكة أنفع ومحمودة.
ثم إذا ظهر أنّ التفريط في أخفّ الحالين وأسدّهما أمر نكر ، ظهر أنّ المفرّط في ذلك
ملوم ، إذ لم يأخذ لنفسه بأرشد الخلّتين ، فالكلام مستعمل في التوبيخ استعمالا كنائيا بواسطتين. والملام متوجّه للفريقين : الذين يبخلون ؛ والذين ينفقون رئاء ، لقوله : (لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ) على عكس ترتيب الكلام السابق.
وجملة : (وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً) معترضة في آخر الكلام ، وهي تعريض بالتهديد والجزاء على سوء أعمالهم.
(إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠))
استئناف بعد أن وصف حالهم ، وأقام الحجّة عليهم ، وأراهم تفريطهم مع سهولة أخذهم بالحيطة لأنفسهم لو شاءوا ، بيّن أنّ الله منزّه عن الظلم القليل ، بله الظلم الشديد ، فالكلام تعريض بوعيد محذوف هو من جنس العقاب ، وأنّه في حقّهم عدل ، لأنّهم استحقّوه بكفرهم ، وقد دلّت على ذلك المقدّر أيضا مقابلته بقوله : (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً) ولمّا كان المنفي الظلم ، على أنّ (مثقال ذرّة) تقدير لأقلّ ظلم ، فدلّ على أنّ المراد أنّ الله لا يؤاخذ المسيء بأكثر من جزاء سيّئته.
وانتصب (مِثْقالَ ذَرَّةٍ) بالنيابة عن المفعول المطلق ، أي لا يظلم ظلما مقدّرا بمثقال ذرّة ، والمثقال ما يظهر به الثّقل ، فلذلك صيغ على وزن اسم الآلة ، والمراد به المقدار.
والذّرة تطلق على بيضة النملة ، وعلى ما يتطاير من التراب عند النفخ ، وهذا أحقر ما يقدر به ، فعلم انتفاء ما هو أكثر منه بالأولى. وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر (حَسَنَةً) ـ بالرفع ـ على أنّ (تك) مضارع كان التامّة ، أي إن توجد حسنة. وقرأه الجمهور ـ بنصب
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٤ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2908_altahrir-wal-tanwir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
