ما أعجب الأيام ، أعقب الله منها السلامة والسلام ، فيما يقضي ، وكيف يمضي ، تتعاقب بتلوين ، وتتراىء بين تقبيح وتحسين ، فهي تعتب وتعتب ، وتعتذر كما تذنب ، وتصدع وتشعب ، كما تجدّ وتلعب ، وإن صنيعها عندنا فيك وإن كان الأم ، فقد أخمد الدهر ما أوقد ، وعاد غيث على ما أفسد ، وإن يكن ـ حمى الله ذراك ، وحرس علاك ـ كشف إليك صفحة اعتداء ، وتخطّى بقدم أعداء ، فقد تراجع يمشي على استحياء ، متنصّلا مما اقترف ، متأسّفا على ما سلف ، وعند مثلك للقدر التسليم ، فأنت الخبير العليم ، أنه ما اختلف الليل والنهار ، إلا بنقض وإمرار ، ولا دار الفلك المدار ، إلا لأمر واختيار. كنت في الأرض من أسنى مطالعها مشرق الأنوار ، فلا غرو أن يدركك ما يدرك القمر من الأفول حينا والسّرار ، فقد يخسف البدر ثم يعاوده الإضاءة والنور ، والحمد لله الذي أخرجك من ظلمائك الغمّاء خروج السيف من الجلاء والبدر بعد الانجلاء ، نقيّ الأثواب من تلك الطّخياء. ومن نظمه قوله (١) : [البسيط]
|
ساروا فودّعهم طرفي وأودعهم |
|
قلبي فما بعدوا عني ولا قربوا (٢) |
|
هم الشموس ففي عيني إذا طلعوا |
|
في القادمين وفي قلبي إذا غربوا |
وقوله في رثاء ابن عمار (٣) : [البسيط]
|
قد طالما (٤) عمّر المرء ابن عمّار |
|
ممتدحا (٥) بأمانيّ وأخطار |
|
يملى له ويملّي (٦) كلّ ما وطر |
|
وللمقادير فيه أيّ أوطار |
|
استدرجته لما قد أدرجته به |
|
حتى أتى لمناياه بمقدار |
|
مكاره (٧) خفيت عنه مصادرها |
|
والحين ما بين إيراد وإصدار |
|
مستوزر لم يؤل منها إلى وزر |
|
وكم (٨) تحمّل من أعباء أوزار |
|
تأتي الأمور إذا أقبلن مشكلة |
|
لكن تفاسيرها تغري بإدبار |
__________________
(١) البيتان في الذخيرة (ج ١ / ق ٣ / ص ٤٥٤) والمسالك (ج ١١ / ص ٤٤٩).
(٢) في الذخيرة : قرب.
(٣) الأبيات في الذخيرة (ج ١ / ق ٣ / ص ٤٥٦ ، ٤٥٧).
(٤) في الذخيرة : طال ما.
(٥) في الذخيرة : مستدرجا.
(٦) في الذخيرة : وتملّى.
(٧) في الذخيرة : موارد.
(٨) في الذخيرة : كم بدون واو.
![المغرب في حلى المغرب [ ج ٢ ] المغرب في حلى المغرب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2304_almaghreb-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
