وخرج محمّد بن سليمان راكبا بغلته ، ومعه سوّار القاضي ، فاعترضهما مجنون كان بالبصرة يعرف (برأس النعجة) فقال يا محمّد : أمن العدل والإنصاف أن تكون وارداتك في اليوم مائة ألف درهم؟ وأنا أطلب نصف درهم فلا أحصل عليه؟! فأعطاه مائة درهم.
ولمّا أراد محمّد بن سليمان الذهاب ، وقف (رأس النعجة) أمام بغلته وقال (لقد كرّم الله منصبك ، وشرّف أبوتك ، وحسّن وجهك ، وعظّم قدرك ، وأرجو أن يكون ذلك لخير يريده الله بك ، ولئن يجمع الله لك الدارين) (١).
فدنا منه سوّار وقال له : يا خبيث ، لم لم تقل هكذا في البداية؟ فقال له رأس النعجة : (سألتك بالله ، وبحق الأمير عليك ، إلّا ما أخبرتني : في أي سورة هذه الآية : (فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) قال سوار : في سورة براءة. فقال المجنون : صدقت ، فبرئ الله ورسوله منك. فضحك محمّد بن سليمان ، وكاد أن يسقط عن دابته.
وكان محمّد بن سليمان يخطب في المسجد كلّ يوم جمعة ، ويعيد خطبته تلك في كلّ جمعة (حيث لا خطبة غيرها) حتّى حفظها الناس وهي : (الحمد لله ، أحمده وأستعينه ، وأستغفره ، وأؤمن به ، وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلّا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحقّ ، ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون (٢).
من اعتصم بالله ورسوله ، فقد اعتصم بالعروة الوثقى ، وسعد في الآخرة والأولى ، ومن لم يعتصم بالله ورسوله ، فقد ضلّ ضلالا بعيدا ، وخسر خسرانا مبينا ، أسأل الله أن يجعلنا وإيّاكم ممّن يطيعه ، ويطيع رسوله ، ويتّبع رضوانه ويجتنب سخطه. أوصيكم عباد الله ، بتقوى الله ، وأحثكم على
__________________
(١) المسعودي ـ مروج الذهب. ج ٣ / ٣٣٧.
(٢) سورة التوبة ـ الآية : ٣٣.
