قال الحارث للناس : (يرحمكم الله ، إنّ لها أهل ملّة ، هم أولى بها منكم) ، فعظّمه الناس بعد ذلك واحترموه. (١) وعند ما جاءت الخوارج إلى الكوفة (في أيّام إمارته) لم يستعد الحارث ويتهيأ لملاقاتهم ، خوفا منه وجبنا ، فلامه الناس ، ثمّ شجعه إبراهيم بن مالك الأشتر لمحاربتهم ، فخرج الحارث متثاقلا حتّى وصل إلى (النخيلة). وفيه قال الشاعر : (٢)
|
إنّ القباع سار سيرا نكرا |
|
يسير يوما ويقيم شهرا |
ثمّ أخذ القباع يحث الناس ويعدهم بأنّه سيخرج على أثرهم ، والخوارج يعبثون ، حتّى أنّهم أخذوا امرأة وقتلوا أباها بين يديها ، ثمّ لحقوها بأبيها ، ثمّ جاءوا بامرأة أخرى ، والقباع على مقربة منهم ، والنهر ما بينهم وعليه جسر ، فأخذت تنهزم إلى جانب الخوارج ، عندها قطع القباع الجسر ، وأقام (هو) ما بين (دباها ودبيري) (٣) خمسة أيّام ، وهو يقول للناس في كل يوم : (إذا لقيتم العدو غدا فثبّتوا أقدامكم ، واصبروا فإنّ أوّل الحرب الترامي ، ثمّ أشراع الرماح ، ثمّ سلّ السيوف ، فثكلت رجلا أمّه فرّ من الزحف).
فقال بعضهم : أما الصفة فقد سمعناها ، فمتى يقع الفعل؟ وقال الراجز : (٤)
|
إنّ القباع سار سيرا ملسا (٥) |
|
بين دباها ودبيري خمسا |
وبعد أن عاث الخوارج في الكوفة فسادا ، رحلوا عنها ، فرجع القباع اليها.
__________________
(١) ابن منظور ـ مختصر تاريخ دمشق. ج ٦ / ١٥٩.
(٢) المبرد ـ الكامل. ج ٣ / ٣٣٩.
(٣) دباها ودبيري : قريتان من قرى بغداد.
(٤) المبرد ـ الكامل. ج ٣ / ٢٤٠.
(٥) ملسا : السير السريع.
