وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ ، فاعطهم من عفوك وصفحك ، مثل الّذي تحبّ أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ، فإنّك فوقهم ، وولي الأمر عليك فوقك ، والله فوق من ولّاك ، وقد استكفاك أمرهم ، وابتلاك بهم ، ولا تنصبنّ نفسك لحرب الله ، فإنّه لا يدي لك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته ، ولا تندمنّ على عفو ، ولا تبجحنّ بعقوبة.
(... وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله ، فإن من صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم ، ولا صلاح لمن سواهم إلّا بهم ، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله ، وليكن نظرك في عمارة الأرض ، أبلغ من استجلاب الخراج ، لأن ذلك لا يدرك إلّا بالعمارة ، ومن طلب الخراج بغير عمارة ، أخرب البلاد ، وأهلك العباد ، ولم يستقم إلّا قليلا.
(.. وإيّاك والإعجاب بنفسك ، والثقة بما يعجبك منها ، وحبّ الإطراء ، فإنّ ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ، ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين.
(.. وإيّاك والمنّ على رعيتك ، أو التزيد فيما يكون من فعلك ، أو إن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك ، فإنّ المنّ يبطل الإحسان والتزيّد يذهب بنور الحقّ ، والخلف يوجب المقت عند الله والناس ، قال الله تعالى : (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (١).
هكذا كان الخلفاء الراشدون (رضياللهعنهم) لا تأخذهم في الله لومة لائم ، همّهم أن يكون الوالي قدوة حسنة ، لأنّ الوالي يمثّل الخليفة في ولايته ، فإذا كان الوالي لا يطبّق أحكام الله في ولايته ، فحريّ به أن يتنحّى عن الولاية ، وكان على الخليفة حريّ به أن يعزله.
__________________
(١) ومن أراد الإطلاع على النص الكامل لهذا الكتاب مراجعة ج ١٧ / ٣٠. شرح النهج لأبن أبي الحديد.
