(تَهْجُرُونَ) من الهجر بالفتح ، إمّا بمعنى القطيعة أو الهذيان ، أي : تعرضون عن القرآن ، أو تهذون في شأنه. أو الهجر بالضمّ ، أي : الفحش. ويؤيّد الثاني قراءة نافع : تهجرون ، من : أهجر في منطقه إذا أفحش.
روي : أنّهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون ، وكانت عامّة سمرهم ذكر القرآن ، وتسميته سحرا وشعرا ، وسبّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم.
ثمّ قال سبحانه ردّا عليهم : (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) أي : أفلم يتدبّروا القرآن ليعلموا أنّه الحقّ من ربّهم ، بإعجاز لفظه ومتانة معناه ووضوح مدلوله ، فيصدّقوا به ، أو ليخافوا عند تدبّر آياته (أَمْ جاءَهُمْ) بل أجاءهم (ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) من الرسول والكتاب ، فلذلك أنكروه واستبدعوه. أو من الأمن من عذاب الله ، فلذلك لم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون ، وهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان ، فآمنوا به وكتبه ورسله وأطاعوه.
وعن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا تسبّوا مضر ولا ربيعة ، فإنّهما كانا مسلمين. ولا تسبّوا قسّا ، فإنّه كان مسلما. ولا تسبّوا الحارث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم بن مرّ ، فإنّهم كانوا على الإسلام. وما شككتم فيه من شيء فلا تشكّوا في أنّ تبّعا كان مسلما».
(أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ) محمّدا بأمانته ، وصدقه ، وحسن خلقه ، وكمال علمه ، ووفور فضله ، مع عدم تعلّمه ، واتّسامه بينهم بأنّه خير فتيان قريش ، إلى غير ذلك ممّا هو صفة الأنبياء (فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) دعواه لأحد هذه الوجوه ، إذ لا وجه له غيرها ، فإنّ إنكار الشيء قطعا أو ظنّا إنّما يتمّ إذا ظهر امتناعه بحسب النوع أو الشخص ، أو بحث عمّا يدلّ عليه أقصى ما يمكن فلم يوجد.
(أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) جنون ، فلا يبالون بقوله ، وقد كانوا يعلمون أنّه أرجحهم عقلا ، وأدقّهم نظرا. وفي هذا دلالة على جهلهم ، حيث أقرّوا له بمتانة العقل ورزانة الرأي ، ثمّ نسبوه إلى الجنون.
![زبدة التّفاسير [ ج ٤ ] زبدة التّفاسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1714_zubdat-altafasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
