الإنسان لا يكاد يفعل فعلاً خالياً عن القصد والداعي مع كونه عاقلاً مختاراً ، فلمّا خلف من بعدهم خلف أضاعوا حدود الأحكام وأهملوا حقائق شرائع الإسلام فنبّههم المتأخّرون على النيّة وقيودها ، وأوضحوا لهم أحكامها وحدودها ، وهي تكليف سهل وأمر هيّن محصّلها بعث الهمّة والقصد إلى فعل الصلاة المعيّنة لله تعالى ، وهذا القدر من القصد لا يتوقّف على مساعدة اللسان. وكيف يتوهّم العاقل أنّ العزم على شيء والقصد إلى فعله يتوقّف على التلفّظ به!؟ ولو كان الأمر كذلك ، لكان الخلق في غالب الأوقات يتكلّمون بمقاصدهم ؛ إذ لا ينفكّون عن المقاصد غالباً ، فخلاف ذلك صادر عن غلبة أمرٍ وهميّ ووسواس شيطانيّ لا يترتّب عليه أثر شرعيّ بحيث يغيّر ما هو الأمر الأصلي من قطع الهمزة عند الابتداء بها ، فلا جرم أنّ مَنْ أخلّ بقطع الهمزة فقد أخلّ بحرف من التكبيرة ، فتبطل الصلاة.
ويجب التلفّظ بها بالعربيّة مع القدرة وقوفاً مع المنقول عن صاحب الشرعُ ؛ لأنّه كذلك كبّر وقال : «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي» (١).
(والعاجز عن العربيّة يتعلّم واجباً) من باب المقدّمة. فإن تعذّر لضيق الوقت ، أحرم بلغته ، مراعياً في ذلك المعنى العربي ، فيقول الفارسي : «خداى بزرگتر» فلو ترك صفة التفضيل وهي «تر» لم يصحّ ، كما ذكره المصنّف في النهاية (٢).
(والأخرس) يأتي منها بالمقدور ، فإن عجز عن التلفّظ أصلاً ، وجب عليه أن (يعقد قلبه) بها محرّكاً لسانه (مشيراً بإصبعه).
أمّا الأوّل : فلأنّ الإشارة والتحريك لا اختصاص لهما بالتكبير ، فلا بدّ لمريده من مخصّص.
وأمّا تحريك اللسان : فلأنّه كان واجباً مع القدرة على النطق ، فلا يسقط بالعجز عنه ؛ إذ لا يسقط الميسور بالمعسور ، فهو أحد الواجبين ابتداءً.
وأمّا وجوب الإشارة بالإصبع : فذكره المصنّف (٣) في غير هذا الكتاب ، وبعض (٤)
__________________
(١) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٦٨٧ ، الهامش (٢).
(٢) نهاية الإحكام ١ : ٤٥٥.
(٣) تذكرة الفقهاء ٣ : ١١٧ ، الفرع «ج» ؛ نهاية الإحكام ١ : ٤٥٥.
(٤) كالشهيد في الذكرى ٣ : ٢٥٦.
![روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان [ ج ٢ ] روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1540_rozaljanan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
