التّفسير الحديث - ج ٢

محمّد عزّة دروزة

التّفسير الحديث - ج ٢

المؤلف:

محمّد عزّة دروزة


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الغرب الإسلامي ـ بيروت
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٧٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

الأسماء الحسنى والصفات الكاملة إنما تليق بالله وحده ربّ كل شيء وخالق كل شيء.

ومع أن تعبير (الْأَسْماءُ الْحُسْنى) يفيد معنى أحسن الأسماء إطلاقا فقد اعتاد المسلمون أن يحصروا أسماء الله في تسعة وتسعين اسما وصفة وهي ما ورد في القرآن من أسماء الله وصفاته سبحانه وتعالى وأن يصطلحوا على تسميتها بهذا التعبير.

ولقد روى الشيخان والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن لله تسعة وتسعين اسما من حفظها دخل الجنة وإن الله وتر يحب الوتر» (١) ، وروى الترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة أيضا قال : «قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة : هو الله الّذي لا إله إلّا هو الرّحمن الرّحيم. الملك القدوس السّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر الخالق البارئ المصوّر الغفّار القهّار الوهّاب الرّزاق الفتّاح العليم القابض الباسط الخافض الرّافع المذلّ المعزّ السّميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشّكور العليّ الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القويّ المتين الوليّ الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحيّ القيّوم الواجد الماجد الواحد الصّمد القادر المقتدر المقدّم المؤخّر الأوّل الآخر الظّاهر الباطن الوالي المتعالي البرّ التوّاب المنتقم العفوّ الرّؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغنيّ المغني المانع الضّار النّافع النّور الهادي البديع الباقي الوارث الرّشيد الصّبور» (٢).

وجميع هذه الأسماء مما ورد في القرآن.

ولقد أورد ابن كثير هذه الأحاديث أيضا. وذكر في سياق الحديث الطويل أن

__________________

(١) التاج ج ٥ ص ٨٤ ـ ٨٨.

(٢) المصدر نفسه.

٥٤١

الترمذي رواية قال هذا حديث غريب. ثم عقّب على ذلك قائلا : وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ورواه ابن حبان في صحيحه وابن ماجه في سننه. ثم قال وليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما أصاب أحدا قطّ همّ ولا حزن فقال اللهمّ إني عبدك ، ابن عبدك ، ابن أمتك. ناصيتي بيدك ، ماض فيّ حكمك. عدل فيّ قضاؤك. أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همّي. إلّا أذهب الله حزنه وهمّه وأبدل مكانه فرحا. فقيل يا رسول الله أفلا نتعلّمها؟ فقال بلى ينبغي لكلّ من سمعها أن يتعلّمها». وعقّب ابن كثير على هذا الحديث قائلا : «أخرجه الإمام أبو حاتم بن حبّان البستي في صحيحه وإن الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية ذكر في كتابه «الأحوذي في شرح الترمذي» أن بعضهم جمع من الكتاب والسنّة من أسماء الله ألف اسم فالله أعلم».

ولقد قال بعض العلماء : إن صيغة حديث الترمذي لا تعني انحصار الأسماء بما ورد فيها ولا تمنع أن يكون الله تعالى أسماء أخرى في القرآن والحديث. والقول وجيه يزول به الإشكال الذي يمكن أن يتبادر من صيغة الحديث مع وجود أسماء أخرى في القرآن غير ما ورد فيه.

هذا ، ولقد روى الطبري عن ابن زيد في سياق جملة (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ) أنها منسوخة بآيات القتال وهذا ما يتكرر من بعض أهل التأويل في سياق كل آية مماثلة فيها تعبير أو إمهال أو أمر بذلك. وقد قال الطبري إنه لا معنى لذلك لأن الجملة ليست أمرا من الله لنبيه بترك المشركين أن يقولوا ذلك حتى يأذن له بقتالهم وإنما هو تهديد من الله للملحدين بأسمائهم ووعيد منه ومثله قوله تعالى : (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر : ٣] و (لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) [النحل : ٥٥]. وقول الطبري سديد

٥٤٢

وجيه. ولقد تطرّقنا إلى هذا الموضوع في سياق سورة (الكافرون) وانتهى بنا البحث استنادا إلى الدلائل التي أوردناها أن القتال إنما يكون للكفار الأعداء المعتدين على الإسلام والمسلمين بأي أسلوب من أساليب الاعتداء بما في ذلك الصدّ عنه والطعن فيه وأذيّة معتنقيه. فنكتفي بهذا التنبيه في هذا المقام.

(وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)) [١٨١ ـ ١٨٦]

(١) يعدلون : هنا بمعنى يعملون أو يقضون.

(٢) سنستدرجهم : انظر شرحها في تفسير سورة القلم.

(٣) وأملى لهم إن كيدي متين : انظر شرحها أيضا في السورة المذكورة.

(٤) صاحبهم : كناية عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(٥) جنّة : هنا بمعنى الجنون.

(٦) ملكوت السموات والأرض : كناية عن الكون جميعه.

(٧) يعمهون : يعمون عن الحق أو يستغرقون في التعامي. ومما قيل إن العمه هو عمى القلب والعمى هو عمى البصر.

لا يذكر المفسرون رواية في مناسبة نزول الفصل. والمتبادر أنه استمرار للسياق السابق أيضا. وقد جاء معقبا بنوع خاص على الآيات السابقة له مباشرة لتوكيد ما تضمنته من تطمين وتثبيت وتنديد. وهي قوية في إنذارها وتنديدها وتطمينها :

٥٤٣

فليس كل الناس ضالين ومنحرفين ومكذّبين وغافلين ومن نصيب جهنم. فإن منهم من يدعون إلى الحق ويهدون إليه ويعملون به. ولا يغترّن الذين يكذبون بآيات الله بما هم فيه من عافية ونعمة. فإن ذلك استدراج وإمهال واختبار. وليعلموا أن بأس الله ونقمته شديدان قاصمان. والأجدر بهم أن يترووا في موقفهم ويتفكّروا ويتدبّروا فيما يسمعونه وحينئذ يرون أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي يبلغهم ما يبلغهم من آيات الله هو منذر ومحذّر ولا يمكن أن يكون مجنونا. والأولى بهم أن يتفكّروا في عظمة كون الله وما خلقه من كائنات فيروا أن الله سبحانه لا يمكن أن يكون في ذلك عابثا. والأفضل لهم أن يتذكروا أنهم ميتون حتما وأن الموت قد يكون قريبا جدا منهم. وأنهم إذا لم يؤمنوا بهذا الذي يبلّغهم إيّاه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فليس هناك حديث ومحدّث آخر يمكنهم أن يؤمنوا به. وقد يفوتهم الوقت والفرصة فيندمون ولات ساعة مندم. ومن أصرّ بعد هذا الإنذار واختار الضلال على الهدى فهو وشأنه حيث يذره الله مرتكسا في ضلاله وطغيانه حتى يستحق ما أعدّه الله له يوم القيامة من المصير الرهيب.

وما قلناه في سياق الفصول السابقة نقوله هنا. فإن مضمون الآيات وبخاصة ما فيها من نسبة التكفير والنظر والإيمان وقابلية الاهتداء يزيل ما يمكن أن يتبادر إلى الوهم من مضمون الآية الأخيرة ويجعل الوجه فيها هو ما وجهناه في سياق شرح الفصول الثلاثة جملة.

والفصل يحتوي تلقينا مستمر المدى أيضا كسابقيه. ففيه تنويه بالدعاة إلى الحق والعاملين به وبالدعوة إليه والحثّ على العمل به. وفيه تنديد بالاستغراق في الغواية وعدم التدبّر والتروي في الأمور والمكابرة في الحق وعدم المبالاة بالعواقب وبمن يرتكس في ذلك.

هذا ، ومضمون الآية [١٨٤] وأسلوبها يلهمان أن نفي الجنون عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس بسبيل الردّ على تهمة الكفار إيّاه بالجنون وإنما هو بسبيل الإنذار وتوكيد صدق الدعوة وجدّها.

٥٤٤

ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية الأولى حديثا عزاه إلى الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة. وفي رواية حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك وفي رواية وهم بالشام» (١). والمفسّر أورد الحديث للمناسبة الموضوعية. وقد جاريناه لأن فيه بشرى ربانية للأمة الإسلامية وتثبيت لمن يكون منهم على الحق حتى لا يبالوا بخلاف وخذلان من غيرهم.

(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)) [١٨٧ ـ ١٨٨]

(١) الساعة : في مقامها كناية عن وقت انتهاء الحياة الدنيا وقيام القيامة. وقد وردت في القرآن في معنى الساعة الزمنيّة كما جاء في آية سورة الأحقاف : (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ ...) [٣٥].

(٢) مرساها : قيل بمعنى منتهاها أي منتهى الحياة الدنيا التي تقوم الساعة عنده وقيل بمعنى قيامها وهذا مثل ذاك في النتيجة.

(٣) لا يجليها : لا يظهرها أو يكشفها.

(٤) ثقلت في السموات والأرض : قيل بمعنى ثقل وقعها وهولها في السموات والأرض أو بمعنى اشتدّ اختفاء وقت وقوعها أو بمعنى ثقل خبرها بحيث لا يعلمه أحد في السموات والأرض. وقد رجّح الطبري المعنى الأخير.

(٥) يسألونك كأنك حفي عنها : بمعنى يسألونك عنها وكأنك صديق حفيّ

__________________

(١) أورد مؤلف التاج هذا الحديث مرويا عن ثوبان عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بهذا النصّ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من يخذلهم حتى يأتي أمر الله». التاج ج ٥ ص ٣١٣.

الجزء الثاني من التفسير الحديث* ٣٥.

٥٤٥

بهم أو كأنهم يظنونك مولعا خبيرا بعلمها ، والحفيّ بمعنى الملحف في السؤال أو بمعنى المبالغ في إكرام الغير أو المهتمّ به.

احتوت الآية الأولى حكاية سؤال وجّهه بعضهم إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن وقت قيام القيامة وإلحاحهم عليه بذلك وأمرا له بإعلان انحصار علمها في الله سبحانه وتعالى الذي جعل لها موعدا معينا في علمه لا يعلمه غيره وكونها لا تأتي الناس إلّا بغتة ، وكونها عظيمة الخطر في السموات والأرض لما سوف يترتّب على حلولها من أمور عظيمة وأهوال جسيمة. واحتوت الآية الثانية أمرا للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بإعلان كونه لا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا إلّا ما شاء الله وأنه لو كان أمره غير هذا لمنع عن نفسه الضرّ ولاستكثر لنفسه الخير ، وأنه ليس إلّا نذيرا وبشيرا لمن يرغب في الهداية والإيمان.

والمتبادر أن الآية الثانية استمرار للجواب الذي أمر الله سبحانه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بإعلانه للناس على سؤالهم عن موعد قيام الساعة.

والآيتان ليستا منفصلتين عن السياق على ما يتبادر منهما وإن كان من المحتمل أنهما نزلتا لحدّتهما ، وبدتا كفصل مستقلّ مستأنف. فالآيات السابقة أنذرت الناس بالآخرة وحسابها وثوابها وعقابها فأخذ الناس يسألون النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن موعدها فنزلت الآيات جوابا على ذلك.

وليس هناك رواية صريحة عن هويّة السائلين. وقد تراوح تخمين المفسرين بين أن يكونوا يهودا أو عربا. وقد قال ابن كثير إن الأشبه أن يكونوا عربا لأن الآيات مكية. وهذا هو الأوجه والأرجح لأن احتكاك اليهود بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتوجيههم الأسئلة إليه إنما كان في العهد المدني.

تعليق على السؤال عن موعد القيامة

وما في الجواب من دلالة بليغة

وهذه المرة الأولى التي يرد فيها هذا السؤال ثم تكرر كثيرا فيما بعد.

٥٤٦

فالإنذار بيوم القيامة وأهوالها وحسابها قد تكرر كثيرا بل هو أكثر موضوع تكرر بأساليب متنوعة في القرآن وكان من أشدّ مواضيع الحجاج بين الكفار والنبي وأكثرها. وكان من أشدّ دعائم الدعوة والإنذار والتبشير. فمن الطبيعي أن يتكرر السؤال عنه. وكان السؤال على الأعمّ الأغلب يأتي من كفّار العرب. وأكثر ما كان أسلوب سؤالهم أسلوب إنكار وتحدّ وسخرية مثل ما جاء في آية سورة يونس هذه : (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨)) وقد تكرر السؤال بنفس الصيغة في آية سورة الأنبياء [٣٨] وفي آية سورة النمل [٧١] حيث لم يكونوا يؤمنون بالقيامة ويسخرون من الإنذار والتبشير بها على ما ورد في آيات عديدة مرّ بعضها ومن ذلك آيات سورة المؤمنون هذه : (قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)) ومثل آية سورة هود هذه : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)). على أن أسلوب الآية الأولى يلهم أن السؤال فيها ليس من هذا الباب وإنما هو سؤال المستعلم المستقصي ، حتى ليخطر بالبال أنه من غير الكفار وقد روى الطبري فيما روى أن قريشا قالوا للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة. وقد جاء الجواب بنفي ما يمكن أن يكون قد قام في أذهان السائلين من أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعلم الغيب ويعلم علم الساعة أو أنه يدّعي ذلك بأسلوب قويّ حاسم تتجلّي فيه صورة رائعة من الصميمية النبويّة بتبليغ كل ما يوحى إليه به ، ومن جملة ذلك أنه بشر مثل سائر البشر يمسّه من السوء مثل ما يمسّهم ويحرم من وسائل الخير المادية مثل ما يحرمون ولا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا إلا ما شاء الله ، وليس هو إلّا نذير وبشير وهاد لمن يريد أن يتّعظ ويؤمن ويهتدي. وقد تكررت هذه الصورة بأساليب ومناسبات عديدة مرّ منها بعض الأمثلة.

ولقد أورد البغوي حديثا رواه بطرقه عن أبي هريرة في سياق جملة (لا

٥٤٧

تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه. ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه. ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» والحديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة ولكن صحته محتملة وهو بسبيل بيان قيام الساعة بغتة. ولعل من الحكمة المنطوية فيه حث الناس على الاستعداد دائما للرحيل عن الدنيا بآجالهم أم بانتهاء أجل الدنيا وقد اتقوا الله وعملوا بما أمر ونهى وحدد وحكم ولم يشذوا ولم ينحرفوا حتى يلقوا الله وهو راض عنهم. وهذا منطو في حكمة تعمية وقتها والإيذان بأنها لا تأتي إلّا بغتة في هذه الآيات وأمثالها. وهناك أحاديث نبوية في أشراط الساعة أرجأنا إيرادها لمناسبة أكثر ملاءمة. غير أننا ننبه هنا إلى أمر هام وهو أن هذه الآيات وأمثالها صريحة بأن الله تعالى غيب علم وقوعها على جميع خلقه وأذن أنها لا تأتي إلّا بغتة مع توكيد مجيئها. فيجب الإيمان بكل ما جاء عنها في القرآن أو في الأحاديث الصحيحة والوقوف عندها بدون تزيد.

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا

٥٤٨

يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)) [١٨٩ ـ ١٩٨]

(١) فلما تغشّاها : كناية عن المضاجعة.

(٢) حملت حملا خفيفا : كناية عن دور الحمل الأول.

(٣) فلما أثقلت : كناية عن دور الحمل الثاني.

(٤) عباد أمثالكم : مخلوقات من مخلوقات الله مثلكم.

(٥) كيدوني : أنزلوا بي الأذى أو نيلوني بكيدكم إذا قدرتم.

(٦) فلا تنظروني : فلا تمهلوني.

لم يرو المفسرون مناسبة خاصة لنزول الآيات. والمتبادر أنها استمرار في السياق مع التفات في الخطاب للسامعين. وفيها تنديد بالجاحدين لنعمة الله والناقضين لعهودهم معه والمشركين به ، وتهوين لشأن الشركاء الذين يتخذونهم من دون الله والذين لا يملكون لهم ولا لأنفسهم نصرا ولا يخلقون شيئا ولا يسمعون ولا يبصرون ، وتحد لهم في صدّهم وسخرية بهم ، وإعلان بلسان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن وليّه الله الذي نزّل الكتاب وأنه وليّ كل مؤمن صالح. وعبارتها واضحة. وأسلوبها قوي نافذ شديد الإفحام من شأنه أن يسدّ منفذ أي منطق للمشركين ويحبط أي حجّة لهم في إشراك أي شيء من موجودات الكون وقواه مع الله في الدعاء والعبادة والاتجاه والشكر ، وفي أمل جلب الخير لهم ودفع الشرّ عنهم ونصرهم في الملمات ، وقوة الإفحام مستحكمة بنوع خاص بسبب ما احتوته الآية الأولى من حكاية اعترافهم بالله على أنه ربّهم الأكبر خالقهم ورازقهم ومدبّر الأكوان. وقد احتوت تحدّيا لاذعا وتبكيتا قارعا يزيدان في قوّة الإفحام أيضا. فالذين يشركونهم مع الله مخلوقون كسائر مخلوقات الله وعاجزون عن خلق أي شيء كما أنهم عاجزون عن حماية أنفسهم من أي طارئ فضلا عن عجزهم عن نصر الذين يتخذونهم شركاء. كذلك في أسلوب الآيات القويّ المتحدّي اللاذع ما يبعث الثقة والطمأنينة في نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمسلمين لأنه أسلوب الواثق بقوّة موقفه المستعلي على مجادله. وهذا

٥٤٩

مما استهدفته الآيات فيما هو المتبادر أيضا.

تعليق على الآية

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) والآيات

التسع التالية لها وما فيها من صور وتلقين

لقد روى الطبري وغيره عن أهل التأويل روايات مختلفة الصيغ متفقة المدى تفيد أن جملة (نَفْسٍ واحِدَةٍ) تعني آدم الذي كان أول من خلقه الله من البشر وجملة (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) تعني حواء التي خلقها الله منه وأنهما كان يسميان أولادهما بأسماء منسوبة إلى الله مثل عبد الرحمن وعبد الله فيموتون فوسوس لهما إبليس بتسميتهم بأسماء غير منسوبة إلى الله مثل عبد الحرث ففعلا فعاشوا. وهناك حديث رواه الترمذي والحاكم وصححه عن سمرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سمّيه عبد الحرث فسمّته عبد الحرث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» (١). غير أن هناك من توقف في هذه الروايات وفي الحديث ونعته بالمرفوع أو الموقوف بل وهناك من قال إنه مروي عن إسرائيليين ولا يجوز الأخذ به (٢). وروي عن الحسن أن الآيات هي في صدد رجل وامرأة من كفّار بني آدم ومشركيهم (٣) وهناك من روى أنها في صدد عربي وعربية من قريش من ولد قصي (٤). ولقد قال الذين تمسكوا بصحة الحديث إن الكلام في الآية الأولى فقط في صدد آدم وحواء. واستشكلوا في نسبة الشرك إليهما فقالوا إنه ليس شرك عبادة وإنما هو شرك طاعة. لأن هناك قاعدة عند أهل السنّة من المفسرين وهي التقيّد بالحديث النبوي إذا صحّ عندهم في تفسير الآيات.

__________________

(١) التاج ج ٤ ص ١٠٧.

(٢) انظر تفسير رشيد رضا والقاسمي وابن كثير.

(٣) انظر هذه الكتب وانظر الطبري والبغوي.

(٤) انظر الزمخشري.

٥٥٠

وهذا حق. غير أن الحالة هنا هي غير ذلك لأن الحديث ليس مجمعا عليه بل ومتوقفا فيه. وإذا أمعنّا في الآيات نراها أولا وحدة تامة منسجمة برغم انتقال الضمائر فيها من الجمع الغائب إلى الجمع المخاطب الذي هو مألوف في النظم القرآني (١) ونراها ثانيا مصبوبة على المشركين وأوثانهم وفيها تنديد بهم وتحدّ لهم. ونرى في صرفها أو صرف بعضها إلى آدم وحواء مشكلا وفي ما حاولوه من صرف نسبة الشرك إليهما تكلفا. وضمير الجمع المخاطب الذي انتقل إليه الكلام يجعلنا نرى القول إنها في صدد مشركين عرب هو الأوجه. بل وإنها موجهة إلى المشركين السامعين.

ولقد قال المؤولون والمفسرون الذين صرفوها إلى المشركين العرب إن ما عنته الآية الأولى هو ما كانوا يطلقونه على أولادهم من أسماء معبوداتهم مثل عبد اللاة وعبد مناة وعبد العزى وعبد يغوث وعبد ودّ. ومع احتمال الصواب في هذا ووجاهته فإنه يتبادر لنا أن الإشارة أعمّ شمولا وأنها تعني أيضا تسفيه عقيدتهم في كون شركائهم ذوي أثر فيما يتّم لهم من نعمة الولد وسلامته. وفيما يأخذون به من إشراك شركائهم مع الله بالشكر والدعاء والاتجاه.

وفي الآيات كما هو المتبادر صورة أوضح مما سبق لعقيدة الشرك عند العرب قبل الإسلام وشمولها وهدفها الدنيوي. ولقد علّقنا على هذه العقيدة وهدفها في سياق تفسير سورة المدثّر فلا نرى ضرورة للإعادة.

والوصف الذي احتوته الآيات للشركاء قد يدلّ على أن موضوع الكلام هو الأوثان الجامدة التي كان العرب يتخذونها رموزا لآلهتهم السماوية وبخاصة للملائكة ويقيمون عندها طقوسهم ويقربون قرابينهم على ما شرحناه في سياق سورة (النجم) ، وفي الآية [١٩٨] بخاصة دليل أو قرينة على أن هذه الأوثان كانت

__________________

(١) من أمثلة ذلك آية سورة يونس هذه : (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)).

٥٥١

مخلّقة. أي على صورة إنسان أو حيوان له عينان ولكن لا تبصران وأذنان ولكن لا تسمعان.

ويبدو من الوصف مع ذلك أن المشركين كانوا يعتقدون أن للأوثان تأثيرا مباشرا في جلب النافع ودفع الضارّ عنهم أيضا. ومن هنا تبدو قوة التبكيت اللاذع الذي احتوته الآيات.

هذا ، ونقف عند الآية الأولى لنقول إنها في ما قررته من كون الذكر والأنثى من نفس واحدة يلمح كون الجنسين زوجا واحدا جعل كل منهما مكملا للآخر وكونهما بناء على ذلك في مرتبة واحدة من حيث الحياة الإنسانية ووظائفها. وكل ما في الأمر أن لكل منهما وظيفة تناسلية مختلفة عن وظيفة الآخر وحسب. وفي هذا تدعيم لما نبهنا عليه من مبدأ التساوي بين الذكر والأنثى في سياق تفسير سورة الليل.

(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)) [١٩٩ الى ٢٠٢]

(١) العفو : جاءت الكلمة في القرآن بمعنى التجاوز عن السيئات وبمعنى الزائد من المال والميسور للصدقات منه. وقال المفسرون إنها هنا بهذا المعنى كما قالوا إنها بمعنى قبول ظواهر الناس وأعذارهم والتسامح والمياسرة معهم.

(٢) العرف : المعروف. وكل ما تعورف على أنه خير وبرّ وصلاح ومباح وإحسان وكل ما فيه ذلك داخل في معنى الكلمة.

(٣) الجاهلين : جاءت في القرآن بمعنى ضدّ العالمين وجاءت بمعنى الغافلين والجاحدين والسفهاء. وهنا هي بالمعنى الأخير. ومن المفسرين من قال

٥٥٢

إنها بمعنى ذوي المزاج الحديد الذي يهتاج لأقلّ سبب.

(٤) نزغ : وسوسة. وقيل إن معنى الكلمة في مقامها ثورة من غضب.

(٥) طائف : وسوسة أو خطرة من خطرات النفس السيئة أو ثورة غضب أو من شيطان أو اقتراف ذنب على اختلاف الأقوال. وأصل معنى الطائف الإلمام أو المسّ أو الطارئ.

(٦) وإخوانهم : الضمير في الكلمة عائد إلى الجاهلين على أوجه الأقوال.

شرح الآية

(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ)

والآيات الثلاث التي بعدها وتلقيناتها

الخطاب في الفصل موجّه إلى مخاطب قريب. وفحوى الآية الأولى منه يدلّ على أنه موجّه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقد احتوى بعض التعليمات والتنبيهات والتنديدات. ولا تبدو صلة ظاهرة تربطه بالسياق السابق حتى ليكاد يبدو مستقلا. ومع ذلك فليس فيه موضوع مناقض أو مغاير أو بعيد عمّا احتواه السياق. ولم يرو المفسرون رواية خاصة في مناسبة نزوله إلّا رواية رواها الطبري ليس فيها مناسبة أصلية وإنما فيها مناسبة فرعية وسنوردها بعد قليل. ولعل حكمة التنزيل اقتضت بإيحائه عقب الفصول السابقة ليتصرف النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفق ما احتواه. أو لعلّه أنزل لمناسبة أزعجت نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأثارته عقب نزول الفصول السابقة فدوّن في سياق واحد معها.

وقد أوجبت الآية الأولى على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يتسامح مع الناس ويقبل ميسورهم وظواهرهم وإعذارهم دون تشدّد ولا تزمّت. وأن يأمر بكل ما فيه الخير والصلاح وألّا يساجل الجاهلين في جهلهم وطيشهم وأن يعرض عنهم. ويغضي عمّا قد يسوؤه منهم.

ونبهته الآية الثانية إلى الرجوع إلى الله عزوجل والعياذ به كلما حاول شيطان

٥٥٣

أن يمسّه بنزغة من نزغاته ويلقي إليه بوسوسة من وساوسه. أما الآيتان الثالثة والرابعة فقد احتوتا استطرادا فيه تنويه بالمؤمنين المتقين وتنديد بالجاهلين الكافرين. فالأولون كلما ألمّ بهم شيء من ذلك تذكروا الله وعظمته وأوامره ونواهيه فتنبهوا واستقاموا وتخلصوا ، في حين أن الآخرين يخضعون لنزغات إخوانهم الشياطين الذين يظلون يوسوسون لهم ويورطونهم دون كلل أو تقصير.

وقد يكون نزغ الشيطان المذكور في الآية الثانية مطلقا وقد يكون في صدد ما أمر النبي به من خطة في الآية الأولى. ولقد روى الطبري عن ابن زيد أنه لما نزلت الآية الأولى قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فكيف بالغضب يا ربّ فنزلت الآية التي بعدها. فإذا صحت الرواية ولا مانع من صحتها فتكون الآية الأولى هي عمود الفصل وتكون الآيات تفريعا تنبيهيا لها ويستأنس بها على رجحان الاحتمال الثاني. على أن هذا وارد سواء أصحّت أم لم تصحّ.

ولئن وجّه الخطاب في الآيتين الأوليين للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لتحتويا على خطة له لمعالجة ما اقتضته ظروف الدعوة من شؤون ومواقف وحالات. فإن الاستطراد الذي نوّه فيه بالمتقين وندّد فيه بالجاهلين تسوغ القول إن الآيات الأربع قد انطوت على تلقينات جليلة مستمرة المدى سلوكية ونفسية وتثبيتية وتنديدية في آن واحد لتكون مستمد إلهام وتلقين لكل مسلم وبخاصة للذين يتولون القيادة في حركات النضال والدعوة والإصلاح. لأنهم بطبيعة مهمتهم مضطرون إلى الاحتكاك بمختلف طبقات الناس ومعرضون لكثير من المواقف والمشاهد والانفعالات والحالات التي يجب مواجهتها بمثل الخطة الحكيمة البليغة التي احتوتها الآية الأولى. وتلقين الآيتين الثالثة والرابعة قوي بليغ ، فالذين يتّقون الله ويبتغون رضاءه يسارعون حالا إلى كظم غيظهم والانتباه إلى ما أوشكوا أن يتورطوا فيه من الانفعالات ووساوس النفس ونزغات الشيطان ويعوذون بالله لتصفو نفوسهم وتهدأ انفعالاتهم وتنخسئ عنهم وساوس الشياطين ويعودون إلى ما هو الأولى بهم من السكون ورباطة الجأش والتجلّد والتزام الخطة المرسومة في الآية الأولى بعكس أضدادهم الذين فقدوا الإيمان والوازع الديني فيقعون تحت تأثير

٥٥٤

الوساوس والنزغات دائما ويرتكسون نتيجة لذلك في مختلف الانحرافات والآثام.

ولقد أورد الطبري في سياق الآية الأولى حديثا عن سفيان بن عيينة عن رجل سمّاه قال : «لما نزلت هذه الآية (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يا جبريل ما هذا؟ قال ما أدري حتى أسأل العالم قال ثم قال جبريل يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك» وروى الطبري هذا بطريق آخر عن أبيّ أيضا. والحديث لم يرد في كتب الأحاديث المعتبرة. ولكن صحته محتملة وفيه توضيح وتساوق مع تلقين الآية القرآنية كما هو واضح.

ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية الثانية حديثا جاء فيه : «إنّ رجلين تسابّا بحضرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمرّغ غضبا ، فقال رسول الله إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود بصيغة مقاربة عن سليمان بن صرد قال : «استبّ رجلان عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فجعل أحدهما تحمرّ عيناه وتنتفخ أوداجه فقال رسول الله إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال وهل ترى بي من جنون» (١). حيث ينطوي في الحديث تعليم نبوي متساوق مع التعليم القرآني.

تعليق على الأمر بالاستعاذة من نزغات

الشيطان ومدى هذه النزغات في النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم

وسائر الناس

والتعليم بالاستعاذة من نزغات الشيطان ووساوسه يأتي هنا للمرة الثانية. والمرة الأولى جاءت في سورة الناس وقد ذكر فيها الجنة بدلا من الشيطان هنا.

__________________

(١) التاج ج ٥ ص ٤٧.

٥٥٥

ولقد شرحنا هدف التعليم بالاستعاذة وما تبثّه في النفس من سكينة وطمأنينة. وأوردنا طائفة من الآيات والأحاديث في سياق تفسير سورة الفلق فنكتفي بهذا التنبيه بالنسبة للاستعاذة.

غير أن صيغة الآية [٢٠٠] التي نحن في صددها مختلفة نوعا ما. حيث تأمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالاستعاذة من الشيطان إذ أن نزغه منه الذي فسّره الجمهور على أنه الغضب. وهذه الصيغة تكررت في آية سورة فصلت هذه : (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)) وجاءت بصيغة أخرى في آيات سورة المؤمنون هذه : (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)) وقد كانت هذه الآيات موضوع بحث كلامي عما إذا كان يمكن أن يكون النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عرضة لنزغات وهمزات ووساوس الشياطين وتأثيرهم كسائر الناس وبما إذا كان هذا مما يخلّ في عصمته. وبما إذا كان هذا مما يصحّ أن يشمل ما يصدر عنه من أوامر وتعليمات وما يبلغه من وحي الله وقرآنه. وقد تطرق المفسّر الخازن إلى هذا الأمر في سياق تفسير آية الأعراف التي نحن في صددها فقال إن الآية بسبيل التعليم وليست بسبيل تقرير أمر وقع. أو أنها من باب (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر : ٦٥] والنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بريء من الشرك البتة. وإن الشيطان لو حاول الوسوسة له فإن الله عاصمه عن قبولها والتأثّر بها. وأورد بسبيل ذلك حديثا رواه ابن مسعود قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما منكم من أحد إلّا وقد وكّل به قرينه من الجنّ وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول الله قال وإيّاي إلّا أنّ الله أعانني عليه فأسلم من شرّه وفتنته» (١).

تطرق رشيد رضا في تفسيره لآية سورة الأعراف التي نحن في صددها إلى هذا الموضوع أيضا. وفنّد أي احتمال لتأثّر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بوسوسة الشيطان وأورد الحديث وقال إنه وارد في صحيح مسلم.

__________________

(١) انظر تفسير الآيات في الخازن.

٥٥٦

والمتبادر أن أسلوب الآيات ومداها لا يتحمل هذا البحث. وأن الآية الثانية من الآيات التي نحن في صددها ليست إلّا بسبيل التنبيه على ما يمكن أن يطرأ على نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من انفعالات وأزمات تجاه المواقف والحالات المثيرة وبسبيل تهدئته مما هو متصل بطبيعة البشر التي قرر القرآن أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيها مثل سائر البشر. على أن من المحتمل أن يكون الخطاب للسامع المسلم إطلاقا وهذا من أساليب القرآن المألوفة والمتكررة ، ويمكن أن يضاف إلى هذا وذاك أن القرآن قرر أنه ليس للشيطان سلطان على الذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكلون كما جاء في آية سورة النحل [٩٩] وأنه لا سبيل له على عباد الله المخلصين كما جاء في آيات سورة الحجر [٤٠ ـ ٤٢] وهذا ضابط من ضوابط القرآن المحكمة. والنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أول عباد الله المؤمنين الذين لا يمكن أن يكون للشيطان سبيل إليهم ولا سلطان عليهم. بل إن هذا المعنى مندمج في الآيات التي نحن في صددها كما يظهر للمتمعن فيها ، فإذا ما حاول الشيطان أن يمسّ المؤمنين المخلصين بنزغة من نزغاته تذكروا في الحال فنجوا منها.

تعليق على رواية نسخ آية

(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ)

هذا ، وقد قال بعض المفسرين إن الآية الأولى نسخت بالآيات التي تأمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقتال الكفار والمنافقين والإغلاظ لهم وهذا القول يتكرر في كل مناسبة مماثلة على ما نبهنا عليه قبل. ولسنا نرى هذا في محله. فالآية احتوت خطة ربانية للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمسلمين إزاء الناس جميعهم الذين يدخل فيهم المسلمون. وهذه الخطة مؤيدة بآيات عديدة مدنية ومكية مثل آية سورة آل عمران هذه : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)) وآية سورة النساء هذه : (أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)) وآية سورة

٥٥٧

فصلت هذه : (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)) وآية سورة الإسراء هذه : (وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (٥٣)) وآية سورة آل عمران هذه : (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)) بحيث يمكن أن يقال إن ما احتوته الآية من حثّ على أخذ الناس بالعفو من أخلاقهم وقبول الميسور منهم والتسامح في معاشرتهم والإغضاء عن طيش جاهليهم من مبادئ القرآن المحكمة.

وليس من تعارض بين هذا وبين معاملة من يستحق الشدّة والغلظة والقتال بما يستحق بطبيعة الحال حتى يصحّ القول بنسخ الآية. وقد قال الطبري الذي روى رواية النسخ عن بعض أهل التأويل من الصدر الإسلامي إنه ليس لديه دليل على نسخها ، وإن المراد منها تأديب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمسلمين جميعا وأمرهم بأخذ عفو أخلاق الناس. وتعليمهم صفة عشرة بعضهم بعضا وعشرة من لم يجب أخذه بالغلظة والشدّة.

ولقد أورد البغوي حديثا رواه بطرقه في سياق هذه الآية عن عائشة قالت : «لم يكن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فاحشا ولا متفحّشا ولا صخّابا في الأسواق. ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح». وحديثا آخر عن جابر قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إن الله بعثني لإتمام مكارم الأخلاق وإتمام محاسن الأفعال». ولم نطلع على هذين الحديثين في كتاب التاج الذي جمع أحاديث أئمة الحديث الصحيح الخمسة. وهذا لا ينفي صحتهما ولقد روى مؤلف التاج حديثا مقاربا للحديث الأول مرويا عن أنس قال : «لم يكن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فاحشا ولا لعانا ولا سبّابا» (١). وروى عن الترمذي وأبي داود حديثا عن أبي الدرداء عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن. وإن الله ليبغض الفاحش البذيء».

__________________

(١) التاج ج ٥ ص ٣٣.

٥٥٨

وروى عن الترمذي حديثا عن أبي ذرّ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» (١). وروى عن الترمذي ومسلم والبخاري حديثا عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «خياركم أحاسنكم أخلاقا» وفي رواية : «إنّ من أخيركم أحسنكم خلقا» (٢).

حيث ينطوي في الأحاديث صورة من أخلاق رسول الله واهتمامه بالحثّ على مكارم الأخلاق مما له صلة بالتأديب القرآني الذي تحتوي عليه الآية. وكفى ثناء على أخلاق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم آية سورة القلم (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)). وكان ذلك من أسباب اصطفاء الله إياه لرسالته العظمى (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) كما جاء في آية سورة الأنعام [١٢٤].

(وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)) [آية ٢٠٣]

(١) آية : قال ابن كثير إن المقصود من الآية في هذه الآية معجزة ، غير أن معظم المفسرين أوّلوها بآية قرآنية. وهذا أوجه وفي الآية قرينة على وجاهة هذا التأويل والآية القرآنية بمعنى جملة قرآنية.

(٢) لولا : جاءت في القرآن كثيرا بمعنى هلا للتحدي وهي هنا بهذا المعنى.

(٣) اجتبيتها : قال المفسرون إنها هنا بمعنى اختلقتها أو تقوّلتها. والاجتباء في الأصل الاصطفاء وهي من جبى بمعنى أخذ.

في الآية حكاية لبعض مواقف الكفار حيث كانوا يقترحون على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم الإتيان بآية. وحينما لا يلبيهم يلمزونه قائلين هلا اختلقت ما نطلب منك. وقد أمرت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالردّ عليهم بأنه إنما يتبع ما يوحى إليه به من ربّه وليس له إلّا التزام

__________________

(١) التاج ج ٥ ص ٥٧.

(٢) المصدر نفسه.

٥٥٩

حدود ذلك وإن ما يبلغه ليس تقوّلا على الله وإنما هو وحي رباني يوحيه الله ليكون هدى ورحمة للذين صدقت رغبتهم في الحق والإيمان والتبصّر.

ولم يذكر المفسرون رواية في نزول هذه الآية لمناسبة خاصة. ويتبادر لنا أن لها صلة بالفصل السابق. وضمير الجمع الغائب يمكن أن يكون قرينة على هذه الصلة لأنه يربط بينها وبين الآية الأخيرة السابقة التي تذكر إخوان الشياطين. ولا يبعد أن يكون الموقف الساخر الذي حكته الآية بقولهم للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (هلا اختلقتها) هو الذي أثار انفعال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فتقدمت الآيات السابقة بالخطة الحكيمة والتنويه والتنبيه والتنديد بين يديّ الباعث عليها.

وفحوى الآية يلهم أن الكفار قد طلبوا آية قرآنية وليس آية خارقة أي معجزة. فلما لم يجبهم إلى طلبهم وقال لهم إن القرآن وحي من الله يبلغه حينما يوحي الله به إليه غمزوه بما غمزوه وأثاروا انفعاله. وهكذا تكون الآية قد احتوت صورة جديدة من صور مواقف تحدّي الكفار.

وقد تكرر هذا منهم وتكرر نفس الجواب لهم على ما حكته آية سورة يونس هذه : (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)).

تعليق على جملة

(إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَ)

وفي هتاف النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأمر الله بأنه إنما يتبع ما يوحى إليه من الله وليس له إلّا تبليغه وبأن القرآن ليس ارتجالا وليس هو رهن الطلب والاقتراح وبسبيل الجدال والمماحكة وإنما هو بصائر وهدى ورحمة لمن صدقت نيته ورغبته في الإيمان والهدى تتجلّى صميميته الرائعة بإعلان الحق والحقيقة والتزام حدود الله ويتجلّى عمق إيمانه برسالته وصلته بالله واستغراقه فيهما. وفي الآية بعد تنويه جميل

٥٦٠