التّفسير الحديث - ج ٢

محمّد عزّة دروزة

التّفسير الحديث - ج ٢

المؤلف:

محمّد عزّة دروزة


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الغرب الإسلامي ـ بيروت
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٧٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

نزلت في مناسبة مشهد من مشاهد الجدل والحجاج بين النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبعض زعماء الكفار.

ولقد انطوى فيها تلقينات جليلة مستمرة المدى ، منها تقبيح المماراة في الحق اندفاعا وراء الهوى واعتدادا بالنفس وتعمدا للشقاق والمعارضة ، ومنها تقبيح التمسك بالتقاليد الموروثة على علاتها ، ومنها إيجاب مقابلة كل فكرة أو دعوة جديدة بالتدبّر والتروي واتباع ما يكون فيه حقّ وخير وصلاح مهما كان مغايرا للقديم.

تعليق على مدى ما انطوى في جملة

(أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا)

والمعنى المنطوي في جملة (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا) تكرر في آيات أخرى بأسلوب آخر حيث حكت إحدى آيات سورة فاطر أن من المشركين من كان يحلف أنهم إذا ما جاءهم نذير منهم يتبعونه حتى يكونوا أهدى من الأمم الأخرى ثم استكبروا لما بعث محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم نذيرا كما ترى في هذه الآيات : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) [فاطر : ٤٢ ـ ٤٣] وحيث حكت آيات في سورة الزخرف قولهم إن القرآن كان يجب أن ينزل على أحد زعماء مكة أو الطائف واستكبارهم لما نزل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما ترى في هذه الآيات : (وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [الزخرف : ٣٠ ـ ٣٢] وحيث يبدو أن اختصاص النبي بالوحي ولم يكن من الزعماء والأغنياء كان من العوامل الهامة في حمل الزعماء أو بعضهم على الأقل على مناوأته والصدّ عن دعوته.

٣٠١

(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١) (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) وَما يَنْظُرُ (٢) هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (٣) (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا (٤) قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)) [١٢ ـ ١٦].

(١) ذو الأوتاد : الراجح أن المقصود منها الأهرام التي كانت كالجبل.

والقرآن استعمل الكلمة في معنى الجبال ، ومن ذلك آية في سورة النبأ : (وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧)).

(٢) ينظر : ينتظر.

(٣) فواق : رجوع.

(٤) قطنا : قسطنا ونصيبنا.

الآيات متصلة بالسياق اتصال تعقيب وتذكير وإنذار كما هو واضح حيث ذكرت بعض الأقوام الذين أشارت الآيات السابقة إشارة خاطفة إليهم وكيف أن الله أهلكهم دون أن يجدوا مغيثا ولا مهربا وقررت أن كل من كذّب في السابق استحقّ عذاب الله وأن مكذبي النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لن يلبثوا حتى تأخذهم الصيحة التي لا فواق لهم بعدها ولا رجوع. أما الآية الأخيرة فقد حكت قولا ساخرا من أقوالهم ، فيه استخفاف وتحدّ ، جوابا على ما ينذرهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من العذاب ، فطلبوا من الله أن يعجّل بعذابهم في الدنيا قبل الآخرة ، وهذه صورة جديدة من مواقفهم تكررت منهم وتكررت حكايتها عنهم في القرآن كما جاء في آية سورة الرعد هذه : (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦)) وفي آية سورة الحج هذه : (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)).

٣٠٢

ومع هذا التأويل للآية الذي قال به غير واحد من المفسرين فهناك من أوّلها بأنها حكاية لطلبهم جميع حظوظهم وما يبشرون به من الجنة الأخروية في الدنيا وحسب بأسلوب السخرية والتحدي من حيث إنهم يجحدون الحياة الأخروية (١). ولا يخلو هذا التأويل من وجاهة أيضا.

ولقد روى الطبري في سياق الآية [١٥] حديثا عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم رواه أبو هريرة أن الصيحة تعني النفخ بالصور. وقد أوردنا هذا الحديث في سياق تفسير سورة المدّثر وعلّقنا عليه بما فيه الكفاية فنكتفي بهذه الإشارة.

والأقوام المذكورون في الآيات قد ذكروا في السور السابقة ذكرا عابرا حينا وبشيء من البيان حينا ، والأسلوب هنا كما هو في السابق أسلوب إنذار وتذكير ، وهو الهدف الجوهري في القصص القرآنية على ما قررناه في المناسبات السابقة ، التي ذكرنا فيها ما اقتضاه المقام من تعريف وبيان. وليس في ما جاء عنهم هنا ما يتحمل تعليقا جديدا.

(اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ (١) إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (٢) (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٣) (٢٠) وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ (٤) إِذْ تَسَوَّرُوا (٥) الْمِحْرابَ (٦) (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ (٧) وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها (٨) وَعَزَّنِي (٩) فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ (١٠) نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ (١١) لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ (١٢) داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ (١٣) فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى (١٤) وَحُسْنَ مَآبٍ (١٥) (٢٥) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً

__________________

(١) انظر الطبري.

٣٠٣

فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)) [١٧ ـ ٢٩].

(١) ذا الأيد : ذا القوّة.

(٢) كل له أوّاب : كل مسبّح معه منقاد ومطيع له.

(٣) فصل الخطاب : بمعنى القول الفصل المصيب أو القضاء العادل المصيب.

(٤) الخصم : المتخاصمون أو المتنازعون في قضية.

(٥) تسوروا : صعدوا من على السور.

(٦) المحراب : مكان الاعتكاف والعبادة. ومما قيل إن معنى الكلمة المكان الذي يحارب دونه لعزّته أو قداسته.

(٧) لا تشطط : لا تبتعد ولا تنحرف عن الحق.

(٨) أكفلنيها : ضعها تحت يدي أو تحت كفالتي والمقصود تخلّ لي عنها.

(٩) عزني : شدّد عليّ وغلبني.

(١٠) سؤال : هنا بمعنى طلب.

(١١) الخلطاء : الشركاء.

(١٢) ظنّ : هنا بمعنى أدرك وتيقن.

(١٣) فتنّاه : امتحنّاه.

(١٤) زلفى : مكانة أو قربى.

(١٥) حسن مآب : حسن مقام ومرجع.

وجّه الخطاب في أول هذه الآيات إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم تأمره بتحمل ما يقول الكفار

٣٠٤

والصبر عليه وبذكر عبد الله داود الذي آتاه الله القوة والملك والحكمة وفصّل الخطاب وسخّر له الجبال والطير يسبّحن معه وكلّ طائع منقاد له وهو مع ذلك أوّاب مطيع لله عزوجل. ثم قصّت قصة الخصم الذي دخل على داود من فوق السور ليتقاضوا عنده في قضية فيها امتحان رباني لداود وعقّبت عليها بتعقيبات واضحة العبارة لا تحتاج إلى بيان آخر.

تعليق على سلسلة قصص الأنبياء وهدفها

وهذه الآيات حلقة من سلسلة طويلة ذكر فيها عدا داود عليه‌السلام أنبياء الله سليمان وأيوب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذو الكفل عليهم‌السلام دون أقوامهم. وقد ذكر بعضهم باقتضاب وبعضهم بشيء من التفصيل حسب ما اقتضته حكمة التنزيل.

والآية الأولى تصل بين هذه الآيات والآيات السابقة لها سياقا وموضوعا. فصور التكذيب واللجاج التي احتوتها الآيات السابقة من شأنها أن تحدث في نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم مرارة وحزنا فأعقبتها أولا إشارة خاطفة في معرض الإنذار والتذكير إلى الأقوام الذين كذّبوا أنبياءهم ، ثم جاءت هذه السلسلة لتسلي النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتخفف عنه ما يجده ، فتحثّه على الصبر على ما يقول الكفار من جهة ، وتخبره مذكرة أنه إذا وقف هؤلاء من دعوته هذا الموقف المرّ المحزن فإن هناك أناسا أخلصوا لله كل الإخلاص وأنابوا إليه كل الإنابة في حالات سرّائهم وضرّائهم وقوّتهم وضعفهم. ومنهم من وصل إلى ذرى القوة والملك كداود وسليمان فلم تبطرهم القوة. ومنهم من وصل إلى أشدّ حالات البلاء ، كأيوب فلم يزغه البلاء. وقد صبروا على امتحان الله الصبر الجميل وكانوا في كل امتحان يبادرون إليه نادمين منيبين مستغفرين فاستحقوا برّه ورحمته وتكريمه والمزيد من نعمه ومنحه. وهي تدعوه إلى الصبر على ما يلقاه من عناد ومناوأة وتكذيب والتأسي بمن سبقه من أنبياء الله وتبشيره بما سوف يكون له من برّ الله ورحمته وتكريمه والمزيد من نعمه ومنحه مثل ما كان

٣٠٥

لهم. وقد انتهت الحلقة الأولى بالتنويه بالقرآن الكريم المبارك وكون الله قد أنزله على نبيه ليتدبّر السامعون آياته ويتذكّر أولو الألباب منهم فيهتدوا وينيبوا.

وهكذا يتسق هدف القصص القرآنية الذي نبهنا عليه سواء أكان قصص أنبياء مع أقوامهم أم قصص أنبياء لحدّتهم ، وهو التدعيم والعظة والعبرة والدعوة إلى التأسي. وقد جاءت هذه السلسلة بعد حكاية ما كان من مواقف الكفار والمكذبين وعنادهم. وهو ما جرى عليه النظم القرآني على ما ذكرناه في مناسبات سابقة.

وداود يذكر لأول مرة هنا. وقد تكرر ذكره بعد ذلك ، كما أن سيرته واردة بشيء من الإسهاب في بعض أسفار العهد القديم (١). وهناك سفر خاص منها يعرف بالمزامير ، فيه استغفار وتمجيد وتقديس وابتهالات لله يعزى أكثر فصوله إلى داود. والراجح أنها هي الزبور الذي اقترن في القرآن باسم داود وذكر أن الله آتاه إياه كما جاء في آيات قرآنية عديدة منها آية النساء [١٦٣] التي فيها هذه الجملة : (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣)).

أما ملخص ما ورد في أسفار العهد القديم المتداولة اليوم من سيرته فهو أن جدته لأبيه مؤابية وأنه كان بارعا في الضرب على الكنارة وأنه بارز جالوت قائد الفلسطينيين وقتله وصار من رجال الملك طالوت وأن هذا خاف منه على ملكه وصار يطارده ويتربص به ليقتله فالتجأ إلى الفلسطينيين وكان يحارب معهم. ولما مات طالوت بايعه فريق من بني إسرائيل ملكا في حبرون ثم صار ملكا على جميع بني إسرائيل واتخذ بيت المقدس التي كانت تسمّى أورشليم وكانت من قبل تسمى (يبوس) عاصمة له ونشبت بينه وبين الفلسطينيين الذين كان لهم ممالك عديدة في جنوب فلسطين وبينه وبين العمونيين والمؤابيين في شرق الأردن وبينه وبين الآراميين في سورية حروب انتصر فيها وصار سلطانه واسعا قويا في الشطر الأول

__________________

(١) هي سفر صموئيل الأول وصموئيل الثاني والملوك الأول وأخبار الأيام الأولى في الطبعة البروتستانتية وأسفار الملوك الأول والثاني والثالث وأخبار الأيام الأولى في الطبعة الكاثوليكية.

٣٠٦

من عهده. وتمرد عليه ابن له كما تمرد عليه متمردون آخرون فأدى ذلك إلى اضطراب حالة ملكه وانكماشه في الشطر الثاني من عهده (١).

تعليق على قصة الخصم الذي تقاضى

أمام داود وتلقيناتها

وقصة صاحب الغنم الكثيرة الذي طمع في النعجة الوحيدة التي يملكها فقير والتي وردت الإشارة إليها في الآيات ، قد وردت في سفر صموئيل الثاني (الطبعة البروتستانتية) وخلاصة ما جاء في هذا السفر أن داود عليه‌السلام رأى زوجة أحد رجال جيشه واسمه أوريا عارية على سطح بيتها المجاور لبيته فأعجبته فأحضرها واضطجع معها وكان زوجها في جبهة حربية فلما عاد وشعر بذلك امتنع عنها فأرسله داود إلى الجبهة ثانية وأوعز للقائد بأن يجعله في وجه الموت حتى يقتل فلما قتل ، وأرسل القائد يخبر داود بذلك تزوج بامرأته ؛ وقد ذكر السفر أن الله أرسل نبيا اسمه ناتان إلى داود فحكى له قصة طمع الرجل الغني الكثير البقر والغنم في نعجة الفقير ، فقال داود إن هذا الرجل يستحق الموت فقال له ناتان أنت هو هذا الرجل ، لأنك قتلت أوريا وتزوجت بامرأته وعاتبه عتابا شديدا بلسان الله على خطيئته البشعة برغم ما يسّره له وأغدقه عليه من نعمه الكثيرة وأنذره بإثارة الشرّ من بيته ودفع أزواجه إلى غيره فيدخل عليهن جهارا في عين الشمس وعيون بني إسرائيل فقال داود قد خطئت للرب ، فقال له ناتان إن الربّ أيضا قد نقل عنك خطيئتك فلا تموت أنت ولكن الابن الذي يولد لك يموت.

والآيات وإن كانت خلت من هذه التفاصيل فإن فيها إشارات خاطفة متسقة معها حيث ذكرت أن داود قد أدرك أن الله امتحنه بسبب خطيئة له فاستغفر ربّه وخرّ راكعا وأناب فغفر الله له.

والمرجح أن من سامعي القرآن العرب ، من كان يعرف قصص داود كليا أو

__________________

(١) انظر تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ص ١٠٠ ـ ١١٣.

٣٠٧

جزئيا ، لأن أسفار العهد القديم التي وردت فيها كانت متداولة بين أيدي الكتابيين وبخاصة اليهود الذين كان منهم جالية كبيرة في الحجاز في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ما ذكرناه في مناسبات سابقة ولقد أورد المفسرون في سياق هذه الآيات بيانات كثيرة عن داود وملكه وخطيئته وتوبته في بعضها تطابق مع ما جاء في الأسفار وفي بعضها مباينة له وفي بعضها إغراب عجيب (١) ومما يؤيد على كل حال ما قلناه من معرفة أهل بيئة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قصص داود وما كان يضيفه اليهود إليها من حواش. وربما كان عندهم أسفار وقراطيس أخرى فيها تفصيلات وزوائد لم ترد في الأسفار المتداولة اليوم.

وننبه على أمر هام بالنسبة للأسلوب القرآني في قصص الأنبياء. فإنه جرى بصورة عامة على ذكر الأنبياء السابقين بأسلوب تكريمي وتنويهي وعتابي ولم يحتو ما احتوته بعض أسفار العهد القديم عن بعض الأنبياء المذكورين فيها مثلا من تهم وقصص فاحشة. وعلى المسلم أن يحتذي هذا الحذو ولا يتجاوز نطاقه لأن الإيمان بأنبياء الله واحترامهم وتنزيههم ركن من أركان العقيدة الإسلامية على ما جاء في آيات كثيرة منها آية سورة البقرة هذه : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ ...) [١٧٧] وقد وصف الأنبياء المذكورون في القرآن ومنهم طائفة أخرى ذكروا في سورة (ص) التي نحن في صدد تفسيرها بوصف عباد الله والصالحين والصابرين والأخيار وذوي الزلفى عند الله. ويجب على المسلم أن يذكر إلى هذا أن الأسفار المتداولة اليوم قد كتبت بأقلام بشرية وبعد الأحداث المذكورة فيها بمدة ما وأن من المحتمل كثيرا بل من المؤكد أنها اختلطت بالخيال والمبالغة وتعرضت للتحريف والتشويه المقصود وغير المقصود. وعليه أن يلاحظ حقيقة أخرى تبدو من الإمعان في قصص الأنبياء وهي أن أسلوب هذه القصص في القرآن ليس أسلوب سرد للأحداث وتدوين لها كما هو شأنها في الأسفار المتداولة

__________________

(١) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري والبغوي والقرطبي والخازن وابن كثير مثلا.

٣٠٨

بل توخى فيه الوعظ والتذكير والتدعيم وفاقا لهدف القصص القرآني بصورة عامة. وبالنسبة لأسلوب قصة الخصم التي نحن في صددها يلحظ بالإضافة إلى قصد بيان ما كان من إنابة داود عليه‌السلام ذي الملك والسلطان لله تعالى واستغفاره عن خطيئة ارتكبها ليكون في ذلك العبرة والتسلية فقد انطوى فيه عظات بالغات حيث قام موضوع الخصومة فيه على الشكوى من طمع الأغنياء وأصحاب الحول والطول بما عند الفقراء والضعفاء وحيث احتوى تصويرا قويا لبشاعة الطمع وتسفيها لأصحابه وتنفيرا منه ووصفه بالظلم والبغي وتنويها بالذين يجانبونه ويلتزمون حدودهم ، ويحترمون حدود الآخرين وحقوقهم أيضا مما فيه تلقين عام مستمر المدى. وفيه بالإضافة إلى ذلك عظة وتلقين للحكام وأصحاب السلطان بخاصة على ما هو المتبادر حيث توجب أن يكونوا القدوة الصالحة للناس ، وأن ينتبهوا لكل هفوة قد تبدر منهم ليبادروا إلى إصلاحها والرجوع عنها والوقوف عند حدود الله ومراعاة الحق والعدل والإنصاف بكل دقة.

وفي استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من البغي لفتة تنويهية للمؤمنين الصالحين. فإيمانهم وسلوكهم المستقيم المستمد منه يزعهم عن البغي والظلم وتجاوز حدود الله.

تعليق على ما احتوته الآية

(يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ)

إلخ من تلقين وما ورد في صدد ذلك من أحاديث

والخطاب في الآية [٢٦] وإن كان موجها إلى داود عليه‌السلام فإن فيه بطبيعة الحال خطابا عاما لأولي الحكم والأمر في الناس بوجوب الحكم بالحق وعدم الزيغ مع الهوى لما في الزيغ من مجانبة الحق والعدل ، ثم من ضلال عن سبيل الله. ولما في صدور ذلك من هذه الطبقة خاصة من ضرر مضاعف وإثم مشدّد وخطر أوكد على مصالح الناس. فهم بمثابة خلفاء الله في أرضه وعباده وعليهم أن يرعوا حقوق الله وحدوده فيهم.

٣٠٩

ولقد ورد في إحدى آيات سورة الممتحنة ما يفيد أن شرط الطاعة لرسول الله أن يكون أمره فيما هو معروف أنه خير وصلاح كما ترى في هذا النص : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ) [الممتحنة : ١٢] وفي إحدى آيات سورة الأنفال أمر للمؤمنين بالاستجابة إلى الرسول إذا ما دعاهم لما يحييهم : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ...) [٢٤]. ورسول الله لا يمكن أن يأمر إلّا بما هو خير ولا يدعو إلّا إلى ما فيه حياة حيث يبدو في الأوامر القرآنية قصد تعليم وتقرير مبدأ الأمر والطاعة بين أولي الأمر والرعية وهو واجب الطاعة والاستجابة لأولي الأمر في كل ما فيه معروف وحياة بصورة عامة وحسب وهو ما عبر عنه بالقاعدة المشهورة (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وما ورد فيه حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود عن ابن عمر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ أو كره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (١). مع التنبيه على أن المتبادر والمستلهم من الحديث أن يكون ذلك واضحا مشهورا لا غموض فيه بالنسبة للجمهور أو لأكثر أهل العلم والحلّ والعقد وأن لا يكون رهنا باجتهادات فردية.

ولقد روى الترمذي أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إنّ أحبّ الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل. وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر» (٢). وروى الخمسة عن ابن عمر أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ألا كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته. فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية على أهل بيت

__________________

(١) التاج ج ٣ ص ٤٠.

(٢) المصدر نفسه ص ٤٢ ـ ٤٥ ، وابن كثير روى الحديث الأول بزيادة في آخره وهي «وأشدّهم عذابا».

٣١٠

زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ألا فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» (١). وروى الشيخان عن معقل بن يسار أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلّا حرّم الله عليه الجنة» (٢). وروى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إنما الإمام جنّة يقاتل من ورائه ويتّقى به فإن أمر بتقوى الله عزوجل وعدل كان له بذلك أجر وإن يأمر بغيره كان عليه منه» (٣). وروى مسلم عن عائشة أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «اللهمّ من ولي من أمر أمتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» (٤). وروى الترمذي عن معاوية أنه سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلّة والمسكنة إلّا أغلق الله أبواب السماء دون خلّته وحاجته ومسكنته» (٥). وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظله الإمام العادل وشابّ نشأ بعبادة الله ورجل قلبه معلّق في المساجد ، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه. ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٦). وروى مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عزوجل وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» (٧). حيث يتساوق التلقين النبوي في هذا الأمر الخطير مع التلقين القرآني كما هو الشأن في كل أمر.

__________________

(١) التاج ج ٣ ص ٤٢ ـ ٤٥.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) المصدر نفسه.

(٤) المصدر نفسه.

(٥) المصدر نفسه.

(٦) المصدر نفسه.

(٧) المصدر نفسه.

٣١١

تعليق على تسخير الجبال والطير

يسبّحن مع داود

وفي صدد ما جاء في الآيتين [١٨ و ١٩] اللتين ذكر فيهما تسخير الجبال وحشر الطير لداود عليه‌السلام وتسبيحهن معه نقول : إن ذكر ذلك قد تكرر مرة ثانية في سورة سبأ بصيغة تختلف قليلا وهي : (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)) وإن أكثر المفسرين اكتفوا بالقول إن الله قد سخّر الجبال وحشر الطير لداود يسبّحن معه أو يرجعن تسبيحه وأوّلوا جملة (أَوِّبِي مَعَهُ) بمعنى سبحي معه أو رجّعي تسبيحه ، وبعضهم زاد فقال : إن الله خلق فيها حياة ونطقا (١) ومما قاله الطبري كان إذا سبّح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير. ومما قاله ابن كثير إن الله منح داود عليه‌السلام صوتا عظيما فكان يسبّح به عند شروق الشمس وغروبها فتسبّح معه الجبال الراسيات وتقف له الطيور السارحات الغاديات الرائحات وتجاوبه مسبّحة معه بأنواع اللغات (٢) ، ومما قاله القاسمي (٣) إنه كان لصوت داود الحسن دويّ في الجبال وحنين من الطيور إليه وترجيع ، ومع ما في كلام المفسرين من وجاهة فإن ظاهر الآيات يدلّ على أن ذلك امتياز خصّ الله سبحانه به داود عليه‌السلام.

ومن الجدير بالذكر أن تسبيح الجبال والطير مع داود وتسخيرهما لم يرد في أسفار العهد القديم المتداولة اليوم التي روت سيرة داود بشيء من الإسهاب على ما ذكرناه قبل. وهذا لا ينفي أن يكون ذلك واردا في أسفار وقراطيس كان اليهود يتداولونها في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم فقدت. ولقد كان القرآن يتلى علنا ويسمعه أهل الكتاب ولا يمكن أن يكون ذلك جزافا. وفي كتب التفسير بيانات مروية عن علماء الصدر الإسلامي الأول تدور في نطاق ما جاء في الآيات حيث يمكن أن يدلّ هذا

__________________

(١) انظر تفسير آيات ص وسبأ في تفسير الطبرسي والخازن والزمخشري والبغوي والطبري.

(٢) انظر تفسير الآيات في تفسير ابن كثير والقاسمي.

(٣) انظر المصدر نفسه.

٣١٢

على أن ما جاء في القرآن كان متداولا في بيئة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وليس لذلك مصدر إلّا الكتابيون وأسفارهم.

ولقد جاء في سيرة داود في سفر الملوك الأول المسمّى في النسخة البروتستانتية بصموئيل الأول من الأسفار المتداولة اليوم أن داود كان يحسن الضرب على الكنارة كما وصف داود في بعض المزامير المنسوبة إليه وهو المزمور (٣٥) بإمام الغناء عبد الربّ داود ، مما يمكن أن يستأنس به على ذلك.

والمتبادر أن الهدف الذي استهدفه القرآن من ذكر ذلك هو تسلية النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتثبيته على ما ذكرناه في مطلع الكلام.

تلقينات آية

(وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ...) إلخ

وصيغة الاستنكار والتوكيد التي صيغت بها الآية [٢٧] تتضمن كما هو واضح معنى الاستنكار والتسفيه لظنّ الكفار بأن الله قد خلق السماء والأرض وما بينهما باطلا واطمئنانهم به واندفاعهم بتأثيره وراء الفساد والفجور ثم معنى التوكيد على مصيرهم الرهيب يوم القيامة ، ولقد تكرر هذا في سور عديدة أخرى مثل هذه الآيات في سورة الدخان (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)) وهذه الآية في سورة المؤمنون : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥)) وهذه الآيات في سورة الأنبياء : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)) مما يدل على أن حكمة التنزيل اقتضت توكيد ذلك بخاصة للكفار الفجار المطمئنين بالدنيا واللاهين عن الآخرة والمنحرفين عن الله وآياته نتيجة لذلك ، وفي هذا ما فيه من تلقين تهذيبي وإيقاظي مستمر.

٣١٣

والآية تضمنت تقريرا قرآنيا محكما بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات : إنما يفعلون ذلك باختيارهم وكسبهم ، كما أن المفسدين الفجّار إنما يرتكبون جرائمهم ويسيرون في طريق الغواية باختيارهم وكسبهم أيضا حيث تقرر أنه لا يمكن أن يكون الفريقان في مركز واحد وأن يعاملا معاملة واحدة أو أن يترك الصالحون المتقون والمفسدون الفجّار وشأنهم بدون حساب ولا جزاء إذ أن هذا يكون عبثا وباطلا في حين أن الله سبحانه لم يخلق الكون عبثا وباطلا.

تعليق على كلمة (كِتابٌ)

وكلمة (كِتابٌ) ترد هنا لأول مرة ، والأصل في معناها الشيء المكتوب ، وقد أطلقت في القرآن على القرآن وعلى الكتب المنزلة كما أطلقت على أعمال الناس وعلى علم الله أيضا ، ومن أمثلة إطلاقها على القرآن الآية التي نحن في صددها ، ومن أمثلة إطلاقها على الكتب المنزلة آية سورة المائدة هذه : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ...) [٤٨] ومن أمثلة إطلاقها على أعمال الناس آية سورة الانشقاق هذه : (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨)) وآية سورة الكهف هذه : (وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩)) ومن أمثلة إطلاقها على علم الله آية سورة الروم هذه : (وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦)).

وبما أن القرآن لم يكن تاما حينما نزلت هذه الآية التي عنت كلمة الكتاب فيها القرآن فيمكن أن يقال إن الكلمة تطلق على جميع القرآن كما تطلق على جزء منه ، وإن شأنها في هذا شأن كلمة القرآن تماما على ما شرحناه في سياق تفسير سورة المزمل ، بما في ذلك دلالتها في الأصل ، مثل القرآن على القسم الذي

٣١٤

يحتوي مبادئ الدعوة وأسسها الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية والإنسانية. ومن الأدلة على ذلك الآية التي نحن في صددها وآيات سورة العنكبوت هذه : (وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)) وآيات سورة البقرة هذه : (الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)) ثم صار يطلق على جميع الآيات القرآنية على ما تفيده آية سورة آل عمران هذه : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) [٧].

ومع أن كلمتي القرآن والكتاب قد وردتا في القرآن مترادفتي المعنى في تسمية كتاب الله المجيد أو التنويه به ، فإنهما اجتمعتا في آية واحدة أكثر من مرة أيضا ، كما جاء ذلك في آية سورة الحجر هذه : (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) (١) وفي آية سورة النمل هذه : (طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١)). مما يمكن أن يسوغ القول إنهما لم يردا في الآيتين على معنى الترادف التام. ولعله قصد بإيرادهما معا في آية واحدة الإشارة إلى معناهما الأصليين «المقروء المكتوب» ولما كانت الآيات والفصول القرآنية توحى إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وحيا فيتلوها على الناس شفويا ويأمر بتدوينها في الوقت نفسه فإن الإشارة إليها بتعبير الكتاب يمكن أن تكون على اعتبار ما سوف يكون من أمرها بعد تبليغها قراءة وشفويا. واستعمال هذا التعبير ينطوي في ما هو المتبادر لنا على قرينة قوية بأن آيات القرآن وفصوله كانت تكتب على أثر وحيها.

تعليق على آية

(كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ)

وفحوى الآية [٢٩] التي احتوت كلمة (كِتابٌ) جدير بالتنويه. فالله سبحانه وتعالى أنزل كتابه المبارك على نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليتدبّر السامعون آياته وليتذكر به أولو

٣١٥

العقول الواعية ويهتدوا. وينطوي في هذا دعوة إلى كل إنسان من كل جنس ولون ودين وطبقة من مسلمين وغير مسلمين ، وتقرير بإمكان كل إنسان أن يتدبر آياته ، وإيجاب على كل إنسان أيضا أن يفعل ذلك.

وهكذا يؤذن الله عزوجل الناس جميعا أنه إنما أنزل كتابه على نبيه ليتدبروا آياته مؤكدا أن أولي الألباب الذين يتدبرون آيات هذا الكتاب المبارك المحكمات (١) اللاتي هن أمّ الكتاب ، تدبر الواعي الراغب في الحق العازف عن المكابرة والعناد ، البريء عن الزيغ ، المتجنب اتّباع المتشابهات ابتغاء الفتنة سوف يتذكرون ويهتدون منه إلى الله عزوجل ، فتتحرر نفوسهم ، ويجدون فيه أفضل وأكمل نظام إنساني واجتماعي ضامن لسعادة الدارين. وفي هذا ما فيه من روعة وجلال.

(وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (١) (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ (٢) عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣) (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٤) (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ (٥) جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً (٦) حَيْثُ أَصابَ (٧) (٣٦) وَالشَّياطِينَ (٨) كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٩) (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ (١٠) أَوْ أَمْسِكْ (١١) بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)) [٣٠ ـ ٤٠].

(١) الصافات الجياد : الجياد هي الخيل الجيدة. والصافنات من الصفون الذي تعددت الأقوال في معناه والذي هو على ما يتبادر منها صفة مرغوبة في الخيل

__________________

(١) هذا مستلهم من إطلاق الكتاب في أول الأمر على قسم المبادئ والأسس الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية والإنسانية التي جاءت الدعوة الإسلامية للتبشير بها على ما شرحناه في المتن قبل قليل.

٣١٦

تدل على قدرتها على الجري السريع وتحفزها له ؛ برفع إحدى يديها لتكون على طرف الحافر أو بقيامها على ثلاث قوائم وتكون رابعتها على طرف الحافر.

(٢) الخير : الكلمة بمعنى متع الحياة ؛ وهي هنا كناية عن حبّ سليمان للخيل الجياد. على ما هو مستلهم من روح الآيات. وقد ذكر الطبري ذلك عزوا إلى أهل التأويل وقال إن العرب كانوا يسمون الخيل بالخير أيضا.

(٣) توارت بالحجاب : كناية عن غروب الشمس على ما ذكره المفسرون.

(٤) فطفق مسحا بالسوق والأعناق : طفق بمعنى أخذ ، ومسحا بمعنى ضربا بالسيف ، والسوق جمع ساق ، والأعناق جمع عنق. ومعنى الآية أنه أخذ يضرب بالسيف أعناق الخيل وسوقها لأنها شغلته عن ذكر ربه حتى غربت الشمس.

(٥) كرسيه : الجمهور على أن الكلمة هنا بمعناها المعتاد وهو السرير الذي يجلس عليه.

(٦) رخاء : ليّنة طيعة.

(٧) حيث أصاب : هنا بمعنى حيث قصد وأراد.

(٨) الشياطين : هنا بمعنى شياطين الجن من غير طبقة إبليس.

(٩) مقرّنين في الأصفاد : مقيّدين بالسلاسل والأغلال.

(١٠) امنن : أعط وامنح.

(١١) أمسك : امنع ولا تعط ولا تمنح.

هذه الآيات حلقة ثانية من السلسلة. وهي متصلة بالسياق كما هو واضح. ويتجلى فيها قصد التنويه بإخلاص سليمان وإنابته إلى الله وتوبته وامتحان الله له على عظم ملكه وسلطانه. وما كان من مدّ الله له بالقوة وشموله إياه بالعناية والتكريم بسبب ذلك. وكل هذا متصل بالهدف الذي استهدفته السلسلة على ما نبهنا عليه في مطلعها. وليس في عبارة الآيات غموض يحتاج إلى أداء آخر.

وسليمان يذكر هنا لأول مرة. ثم يتكرر ذكره مرارا. وسيرته مسهبة في سفري الملوك الأول والثاني (الطبعة البروتستانتية) أو الثالث والرابع (الطبعة

٣١٧

الكاثوليكية) وفي سفر أخبار الأيام الثاني من أسفار العهد القديم. وهناك سفران من هذه الأسفار منسوبان إلى سليمان ، اسم أولهما الأمثال ، وثانيهما نشيد الأناشيد ، فيهما أمثال وحكم ومواعظ بليغة.

أما ما جاء في الآيات عنه فقد جاء مقتضبا وبأسلوب غير أسلوب أسفار العهد القديم من حيث إنه لم يكن لسيرته ذاتها وإنما كان للتدعيم والتنويه والعظة والعبرة والتسلية.

وفي سور النمل وسبأ والأنبياء آيات أخرى تضمنت شيئا غير قليل من أخبار سليمان عليه‌السلام أيضا ، فيها بعض ما جاء في هذه الآيات مع زيادة وتفصيل ، وجاءت بنفس الأسلوب المستهدف للعظة والعبرة والتنويه والتدعيم كذلك ، على ما سوف نشرحه في مناسباته.

وفي أسفار العهد القديم المذكورة آنفا تروي سيرة سليمان أشياء كثيرة عنه تلخص بأنه كان يحكم معظم أرض فلسطين وبعض أنحاء شرق الأردن وأن السلم كان مخيّما على بلاده وأنه كان ملكا عظيما ذا أموال طائلة ومعادن وسفن وخيل ، وأنه منح حكمة فاقت حكمة جميع بني المشرق ومصر وتكلّم بثلاثة آلاف مثل ، وعن الأشجار والبهائم والطير والدبيب والسمك ، وأن ملكة سبأ جاءت لزيارته واستماع حكمه وقدمت له هدايا ثمينة من عطور وذهب وحجارة كريمة ، وأن ملوكا آخرين منهم ملوك من العرب هادوه بهدايا ثمينة. وأنه أنشأ في أورشليم معبدا فخما زيّنه بصفائح الذهب وثمين الخشب وضخم الأعمدة وجعل أوانية من الذهب ، كما أنشأ قصرا لسكناه ومباشرة الحكم والقضاء فيه. وكان موضع وحي الله وتكريمه وتجلياته. وإلى هذا فقد ذكرت الأسفار أنه استكثر من النساء حتى بلغ عدد زوجاته ومحظياته ألفا ، وتزوج من بنت فرعون ومن نساء صيدونيات وعمونيات وأدوميات وحثيات فأملن قلبه إلى آلهتهن مخالفا لأوامر الله وبنى لهذه الآلهة مذابح وقرّب لها قرابين وعمل الشرّ في عين الربّ فكان ذلك سببا لنقمة الله عليه ووعيده بتمزيق ملكه وإعطائه لعبيده. وقد خرج عليه ثائران وفرّ أحدهما إلى

٣١٨

مصر ثم عاد بعد موته وقاد حركة ضدّ ابنه أدت إلى انقسام مملكته ، وليس في الأسفار ما ورد في آيات هذه السور والسور الثلاث الأخرى من تسخير الجنّ والريح لسليمان ولا أعمال الجن البنائية والغوصية ، ولا تقييده بعضهم بالأصفاد ولا معرفته لغة الطير واحتشاده معه ، ولا قصة الهدهد الذي طار إلى سبأ وأتى بخبر ملكتها ، ولا قصة الصافنات الجياد ولا قصة الجسد الذي ألقاه الله على كرسي سليمان.

واتساقا على ما نبهنا عليه في سياق فصل داود عليه‌السلام السابق نقول إن من واجب المسلم الوقوف موقف التحفّظ إزاء ما ورد في الأسفار عن انحرافات سليمان عليه‌السلام. وكل ما يمكن أن يقال إن الآيات تفيد أنه صدر من سليمان خطأ ما استحق أن يبتليه الله ببلاء ما عليه وأنه أدرك ذلك فأناب إلى ربّه فغفر الله له لأنه كان عنده ذا حظوة وقبول. والأسلوب الذي جاءت عليه قصة سليمان وأخباره ليس أسلوب سرد وتسجيل كما هو الشأن في أسفار العهد القديم وإنما هو أسلوب وعظ وعبرة. فهو عبد الله وهو يعترف بهذه العبودية وينيب إلى الله ويستغفره ويلتمس منه المطالب ويكون موضع ابتلائه وفتنته مع ما وصل إليه من الملك والسلطان والسيطرة على بعض القوى الكونية القوية.

وقد يقول المغرضون الأغيار بسبب عدم ورود أخبار تسخير الجنّ والريح وغير ذلك مما ورد في السور الأخرى في الأسفار المتداولة إن كل هذا اختراع بقطع النظر عن كون ذلك داخلا في نطاق قدرة الله تعالى فإننا نقول من قبيل المساجلة إنه ليس هناك ضرورة فنية للاختراع وإن السياق القرآني يبقى مستقيما بدون الزوائد لو لم تكن مستندة إلى أصل. ونحن نعتقد أنها واردة في أسفار وقراطيس كانت متداولة بأيدي اليهود في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وضاعت ولم تصل إلينا. وهدف القصة إنما يتحقق بقوة إذا كان السامعون يعرفونها. وما كان يتداوله اليهود كان يتسرب إلى العرب. ولقد جاء في الإصحاح التاسع من سفر أخبار الأيام الثاني المتداول اليوم هذه الجملة : (وبقية أخبار سليمان الأولى والأخيرة مكتوبة في أسفار ناتان النبي ونبوّة أحيا الشيلوتي وعدو الرائي) وورد في الإصحاح الحادي

٣١٩

عشر من سفر الملوك الأول ـ وهو سفر الملوك الثالث في الطبعة الكاثوليكية ـ هذه الجملة : (وبقية أخبار سليمان وجميع ما عمل ووصف حكمته مكتوبة في سفر أخبار سليمان). وجميع هذه الأسفار مفقودة لم تصل إلينا. ولقد كان القرآن يتلى علنا ويسمعه أهل الكتاب ومنهم إسرائيليون. وقد سجل القرآن المكي شهادات عديدة للكتابيين بصدق الوحي الرباني بالقرآن وصدق ما احتواه وإيمانهم به على ما أوردناه في تعليقنا على أهداف القصص في سياق سورة القلم. ولا يمكن أن يكون ذلك إلّا أنهم كانوا عرفوا أن ما جاء في القرآن من قصص وغير قصص هو حقّ ومطابق لما كان عندهم.

ولقد روى المفسرون (١) في سياق قصص سليمان وأخباره في هذه السورة والسور الأخرى المذكورة آنفا بيانات كثيرة عن جنّ سليمان وجنوده وعلمه وحكمته وسلطانه وبساط ريحه والصافنات والجسد والهدهد وملكة سبأ وعرشها إلخ ... إلخ مروية عن علماء التابعين الذين كان بينهم بعض مسلمي اليهود وأبناؤهم وبعض مسلمي الجاليات الكتابية والأجنبية الأخرى وأبناؤهم مثل كعب الأحبار والقرظي والسدّي وأبناء منبه حيث يفيد هذا أن تلك القصص مما كان متداولا مع زيادات كثيرة في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبيئته. وليس من مصدر لذلك قبل القرآن إلّا الجاليات الكتابية واليهودية بخاصة. ومهما يكن من أمر فمن واجب المسلم أن يؤمن بما جاء في القرآن من أخبار الأنبياء ومعجزاتهم وأن يؤمن بأن الله قادر على خرق العادة على أيديهم أو اختصاصهم بأمور خارقة. وإلى هذا فإن مما تجب ملاحظته كون الآيات القرآنية وهي تذكر ما كان يعرفه السامعون عن سليمان عليه‌السلام من ذلك إنما وردت لبيان عناية الله بمن يخلص له ثم بيان ما كان من إدراك سليمان لما بدر منه من خطأ وما تعرّض له من فتنة وبلاء بسببه وإنابته إلى ربه مع ما وصل إليه من الملك والسلطان والسيطرة على بعض القوى الكونية بسبيل

__________________

(١) انظر تفسير هذه الآيات ثم تفسير الآيات التي ورد فيها ذكر سليمان وأخباره في سور الأنبياء والنمل وسبأ في كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن. وانظر أيضا تفسير الآيات [١٠٢] من سورة البقرة في هذه الكتب حيث تورد أخبارا كثيرة عن سليمان وأحداثه.

٣٢٠