التّفسير الحديث - ج ٢

محمّد عزّة دروزة

التّفسير الحديث - ج ٢

المؤلف:

محمّد عزّة دروزة


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الغرب الإسلامي ـ بيروت
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٧٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

مصدر إلّا بنو إسرائيل فيها. وخلاصة هذه الروايات (١) المختلفة في الصيغ والمتفقة في المعنى أنه كان لليهود مدنية على ساحل البحر بين مدين والطور اختلف في اسمها ولكن أكثر الروايات تذكر أنها الأيلة وهي ميناء على خليج العقبة جددها اليهود المغتصبون في الوقت الحاضر وأطلق عليها اسم إيلات. وقد شاء الله أن يمتحن قوّة إيمانهم وتمسّكهم بشرائعهم فصار يرسل السمك إلى ساحلهم بكثرة يوم السبت الذي يحرّم العمل فيه عليهم ويمنعه سائر الأيام فاحتال فريق منهم على ذلك فحفر أحواضا على الساحل أو وضع شباكا فصار السمك الذي يأتي يوم السبت يقع فيها وصار هذا الفريق يأتي بعد هذا اليوم فيستولي على السمك. ورأى فريق آخر أن هذا حيلة على الشريعة فأنكره وسكت عليه فريق آخر مع عدم اشتراكه فيه. ولم يرعو المحتالون رغما عن ما سلّط عليهم من آلام فنجّى الله المنكرين ومسخ المحتالين قردة أو قردة وخنازير أو مسخ شبابهم قردة وشيوخهم خنازير ليكونوا عبرة لغيرهم حتى لقد كانوا يتمسحون بالناجين لأنهم كانوا يعرفونهم. ولم تذكر الروايات مصير الساكتين. وإنما تروي أن ابن عباس كان يحسب أنهم أيضا كانوا موضع عقوبة الله ولكنها أخفّ من عقوبة المحتالين. والخلاصة على كل حال متوافقة مع نصّ الآيات وروحها التي جاءت على سبيل التذكير.

ولقد أشير إلى هذا الحادث في ثلاثة أماكن أخرى من القرآن واحد في هذه الآية من سورة البقرة : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥)) وواحد في هذه الآية من سورة النساء : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٤٧)) وواحد في آية سورة المائدة هذه : (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠)) والآيات الثلاث

__________________

(١) انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير والخازن وغيرهم.

٥٢١

جاءت في السور الثلاث في سياق في حقّ اليهود. وأسلوبها صريح الدلالة على أن اليهود الذين كانوا يسمعون القرآن في المدينة كانوا يذكرون بحادث يتداولون خبره بل ونعتقد أنه كان واردا في بعض قراطيسهم في سياق التنديد بهم وإنذارهم بسبب مواقفهم من الرسالة المحمدية المناوئة الماكرة المنكرة.

ومع ذلك فهناك من ذهب إلى أن المسخ لم يقع فعلا وإنما عبّر بذلك عن مسخ أخلاقهم ونفوسهم فكانوا كالقردة في طيشها وشرّها وبعبارة ثانية إنما مسخت قلوبهم مع التنبيه على أن الجمهور قد أخذ بظاهر الآية والروايات المروية وقال إن المسخ البدني هو الذي وقع (١).

وقد يكون في الأساليب الخطابية المألوفة ما يساعد على التأويل الثاني حيث اعتاد الناس أن يشبّهوا بعضهم بالقردة والخنازير حينما يريدون وصفهم بصفات سيئة وينسبون إليهم بعض الأخلاق والعادات الوضيعة. وقد يكون في ورود كلمة القردة هنا والخنازير في آية المائدة والاكتفاء بذكر لعنة أصحاب السبت في آية النساء قرينة على وجاهة هذا التأويل. على أننا لا نرى طائلا في إطالة البحث والتخريج في هذه النقطة ولا سيما إن العبارة هي جزء من حكاية حادث تاريخي يعرفه ويتداوله بنو إسرائيل على سبيل التذكير والإنذار. هذا مع التنبيه على أن الحادث في ذاته ليس خارجا عن نطاق قدرة الله تعالى وليس هو إلّا من قبيل المعجزات الكثيرة التي حكاها القرآن عن الأنبياء الأولين وأقوامهم والواجب الإيمان بها وبكونها في نطاق قدرة الله.

ونذكّر بالحديث الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله وأوردناه في سياق التعليق على ما اعتاده بعضهم من الحيل لإبطال أوامر الله وتكاليفه ونصّه : «لا ترتكبوا ما ارتكبه بنو إسرائيل فتستحلّوا محارم الله بأدنى الحيل» ونقول إن في الحديث تأييدا لما قلناه من أن الآيات تنطوي على تلقينات مستمرة المدى على المسلمين أن يستوحوها إزاء أوامر الله ونواهيه وحرماته.

__________________

(١) انظر تفسير الآيات في تفسير رشيد رضا.

٥٢٢

ومع خصوصية الآيات بالنسبة لليهود وحملتها على أخلاقهم فإن فيها تلقينات بليغة مستمرة المدى مما هو جوهري في جميع القصص القرآنية. ففيها تقبيح للحيل التي يراد بها التخلّص من حدود الله ومحظوراته ، وتقرير أن الله حينما يأمر بواجب أو ينهى عن محظور لا يمكن أن يرضى بالحيلة للتخلص مما أمر ونهى ، وردّ قاطع ومباشر على الذين يسوّغون الحيل ويبيحونها وخاصة في صدد أحكام الدين وأركانه والتفلّت من العهود والعقود ؛ وفيها تصوير لما في ذلك من بشاعة وفسق وافتراء على الله وإنذار قاصم لمن يجرؤ على ذلك. ثم فيها بشرى وتثبيت للذين ينهون عن السوء والفحشاء والعدوان على حدود الله وحثّ على النهي عن ذلك. فهذا واجب المتّقين. والله ضامن لمن يقوم به النجاة والفوز.

تعليق خاص على الآية

(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ ...)

والتي بعدها وما فيهما من تلقين وإعجاز قرآني

ولقد احتوت هاتان الآيتان تلقينا بليغا آخر في إيلاء الله تعالى على نفسه بأن يبعث على اليهود من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة بسبب ما ارتكسوا فيه من انحرافات دينية وأخلاقية واجتماعية ، واقترفوه من آثام ونقضوه من مبادئ ووصايا ، واستغرقوا فيه من أعراض الحياة الدنيا وبيعهم دينهم وكتابهم بالدنيا.

ففي ذلك عظة وذكرى وإنذار للمسلمين ودعوة للاعتبار والازدجار. وهذا عدا ما في الآيات من تقرير لواقع ما صار اليهود إليه من شتات في الأرض وذلّة ومسكنة وازدراء واضطهاد في مختلف الأنحاء التي تشتتوا فيها. حيث كان في ذلك مصداق إعجازي لعهد الله فيهم.

ومهما بدا في سياق حوادث فلسطين في زمننا وما نالوه من نجاح بمساعدة طواغيت الاستعمار فإن تجهم البشر لهم وازورارهم عنهم ونقمتهم عليهم بسبب

٥٢٣

الأخلاق السيئة التي غدت جبلّة مميّزة لهم يتوارثها الأبناء عن الآباء عامّان في كل مكان. وجميع الظواهر تدلّ على أن ذلك سيبقى مع دوام شتاتهم في الأرض على مدى الدهر مصداقا لعهد الله تعالى وميثاقه. ونحن مؤمنون أعمق الإيمان بأن الله عزوجل سيطبق عهده عليهم بالنسبة لما أحرزوه من نجاح في فلسطين قد يكون امتحانا للمسلمين وأنهم سوف يرتدّون عنها خائبين خاسرين.

هذا ، وآية (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ...) إلخ حماسة قاطعة بنسف كل ما سجّله القرآن من مزايا لليهود ومن إيذان بأن الله كتب لهم الأرض المقدّسة وأورثهم إياها مما يتخذونه وسيلة إلى استغفال المسلمين حيث كان ذلك بالنسبة لزمن قديم مضى وانقضى ثم كان من أخلاقهم وانحرافاتهم ومناوأتهم لدعوة الله ورسله ما استحقوا عليه هذا العهد الرباني واستمراره إلى يوم القيامة.

تعليق على آية

(وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)

هذه الآية التي جاءت في خاتمة سلسلة قصص بني إسرائيل إما أن تكون في مقام الاستثناء أو الالتفات للفريق الذي ظلّ مستقيما متمسكا بكتاب الله ووصاياه من اليهود الذين حكت الآيات السابقة لها انحرافهم وبيعهم كتابهم ودينهم بأعراض الدنيا. وإما أن تكون استطرادا أو استدراكا تنويهيا بكل من يتمسك بكتاب الله ووصاياه ويؤدي له حقّ العبادة ولا ينحرف عن ذلك بسبيل مآرب الدنيا وأعراضها التافهة. وليس ما يمنع أن تكون قد تضمنت الأمرين معا.

ولقد احتوى القرآن حملات قارعة على اليهود بسبب انحرافهم الديني والأخلاقي ومكائدهم ضدّ الدعوة الإسلامية وصاحبها ، وإنكارهم أو كتمهم ما عندهم من بشائر وما يعرفون من حقائق بسبيل ذلك ، غيظا وبغيا وخشية على مصالحهم الدنيوية مما سوف يأتي في مناسباته وكان يأتي أحيانا عقب هذه الحملات استثناءات تنويهية لفريق منهم ظلّ مستقيما في أخلاقه ودينه ، مثل هذه

٥٢٤

الآيات من سورة آل عمران : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠)) و (لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)) و (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩)) ومثل هذه الآيات في سورة المائدة : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)) و (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦)).

ويتجلّى في هذه التقريرات روح الإنصاف القرآنية الرائعة في تسجيل حسنات المحسنين والتنويه بهم.

على أن من الواجب أن نسجل أن التقريرات التنويهية القرآنية لم تتناول إلّا قلّة منهم في حين كانت أكثريتهم العظمى وعلى رأسهم أكثر أحبارهم وربانييهم منحرفين عن الحق موغلين في الكيد والتآمر ، على ما تفيده بعض هذه الآيات ثم الفصول القرآنية المدنية ، حتى لقد وصل الأمر ببعضهم إلى إظهار إيمانهم بالجبت والطاغوت نفاقا لزعماء مشركي مكة وقولهم لهم إنهم أهدى من النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه على ما حكته آيات سورة النساء هذه : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ

٥٢٥

آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢)).

وعلى كل حال فالآية التي نحن في صددها تتضمن تنويها بالذين يتمسكون بكتاب الله ووصاياه ويؤدون له حقه من العبادة ، وبشارة وتطمينا بأن الله لا يضيع أجرهم ، حيث ينطوي في ذلك تلقين بليغ مستمر المدى يستوحيه المسلمون أيضا في التزامهم كتاب الله وما فيه من أوامر ونواه وحدود ومبادئ وأحكام وحلال وحرام. ولقد جاء في سورة الأنعام هذه الآية : (وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)) حيث يوجه الخطاب فيها إلى سامعي القرآن مباشرة بسبيل الحثّ على اتّباع كتاب الله وابتغاء رحمة الله ورضوانه بذلك. وفي سورة العنكبوت هذه الآية : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)). حيث يوجّه الخطاب فيها كذلك إلى سامعي القرآن بسبيل التنويه بما في كتاب الله من تذكير ورحمة لمن يؤمن به. وهذا المعنى قد تكرر كثيرا وبخاصة في مطالع معظم السور التي تبتدئ بالحروف المتقطعة. مثل آية البقرة هذه : (الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)) وآيات سورة النمل هذه (طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)) وآيات سورة لقمان هذه : (الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)). وفي حديث طويل رواه مسلم والترمذي عن جابر بن عبد الله عن حجة رسول الله الوداعية ذكر أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال فيما قال في خطبته : «وقد تركت فيكم ما لم تضلّوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» (١). حيث انطوى في هذا حثّ المسلمين على التمسّك بكتاب الله. وهناك حديث رواه الترمذي عن الحارث الأعور قال : «مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث ، فدخلت على عليّ فقلت : يا أمير المؤمنين ألا ترى أنّ الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال : وقد فعلوها؟ قلت : نعم ، قال : أما إني قد سمعت

__________________

(١) التاج ج ٣ ص ١٤٤.

٥٢٦

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول «ألا إنها ستكون فتنة. فقلت : ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال : كتاب الله فإنّ فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم. وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبّار قصمه الله. ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله. وهو حبل الله المتين. وهو الذكر الحكيم. وهو الصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ به الأهواء. ولا تلتبس به الألسنة. ولا يشبع منه العلماء. ولا يخلق على كثرة الردّ. ولا تنقضي عجائبه. هو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته حتى قالوا إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد. من قال به صدق. ومن عمل به أجر. ومن حكم به عدل. ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» (١). حيث ينطوي في هذا الحديث أيضا حثّ قويّ على التمسّك بكتاب الله مع التنويه بما فيه من هدى ورحمة. وحيث يتساوق كل هذا مع التلقين القرآني.

تعليق على الإسهاب في قصص بني إسرائيل

هذا ، ويلحظ بصورة عامة أن قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل قد جاءت مسهبة أكثر من القصص الأخرى. وليس هذا في هذه السورة بل في السور الأخرى أيضا.

ويتبادر لنا أن الحكمة في ذلك هي أن بني إسرائيل لم يبيدوا كما باد الأقوام الأولون ، وأنه كان لهم دوي عظيم في مجالات الدين والدنيا وظلّ مستمرا لم ينقطع في البلاد التي تتصل بجزيرة العرب ، وأنه كان منهم فريق كبير في بلاد الحجاز. ويضاف إلى هذا أن أحداث موسى وفرعون وبني إسرائيل كانت مدوّنة في أسفار العهد القديم بإسهاب كبير وكانت متداولة بمقياس أوسع من قصص الأنبياء وأقوامهم الآخرين نتيجة لذلك. فحكمة التنزيل القرآني ماشت هذه الوقائع والحقائق في صدد قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل.

__________________

(١) التاج ج ٤ ص ٧.

٥٢٧

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤))

(١) أن تقولوا : لئلا تقولوا.

(٢) ذريّة : تكررت كثيرا في القرآن بمعنى أبناء الآباء وهي من ذرأ بمعنى خلق ونمّى. ومكانها هنا وفي غير مكان يفيد أنها تعني الجيل الذي يخلف الجيل السابق والذي هو من أبنائه وأنها تعني الآباء والأولاد من الجيل الحاضر صغارا كانوا أم كبارا.

المتبادر أن هذا الفصل وما بعده قد جاء معقبا على السلسلة القصصية السابقة له كما جاءت الآيات [٩٤ ـ ١٠٢] معقبة على السلسلة القصصية السابقة لها ، وأنها والحال هذه متصلة بالسياق. وهذا ما جرى عليه أسلوب النظم القرآني من التعقيب على القصص بسبيل تركيز الإنذار والتنديد والحجة.

وقد احتوت الآيات إعذارا ربانيا للناس حتى لا يكون لهم حجة عليه إذا ما أخذ المشركين والمجرمين بذنوبهم ، فقررت بأسلوب التذكير أن الله قد أخذ العهد عليهم بالاعتراف بربوبيته وأشهدهم على أنفسهم بذلك حتى لا يقولوا إننا لم نعرف الحدود والواجبات ، وأن آباءنا كانوا مشركين مبطلين قبلنا فورثنا دينهم وتقاليدهم وباطلهم وسرنا على طريقتهم كما هو معتاد الناس جيلا بعد جيل ، فلا ينبغي أن نعاقب ونهلك على عمل لم نقترفه وإنما ورثناه ولم يكن لنا مندوحة عنه. وقد انتهت الآيات بالدعوة إلى الاعتبار ، فالله يفصّل الآيات لعلّ الناس يرعوون ويرجعون ويسيرون في طريق الحق والهدى.

٥٢٨

تعليق على الآية

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)

والآيتين التاليتين لها وتلقيناتها

لقد شغلت هذه الآيات وما ورد فيها من أحاديث وروايات حيزا واسعا في كتب التفسير (١) حتى لقد استغرقت ثماني صفحات كبيرة من تفسير الطبري الذي روى أحاديث وروايات كثيرة مختلفة في الصيغ والطرق والرواة متّفقة في النتيجة معظمها عن ابن عباس. ومن ذلك رواية عنه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : (أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان ـ يعني عرفه ـ فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم فقال (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ). منها عن ابن عباس فقط قال : «مسح ربّك ظهر آدم فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فأخذ مواثيقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى». ومنها عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم قال أخذوا من ظهره لما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم ألست بربكم قالوا بلى. قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنا عن هذا غافلين». ومنها عن ابن عباس : «إن الله بعد أن استخرج من ظهر آدم ذريته وأشهدهم على أنفسهم أعادهم إلى صلبه». وفي تفسير الطبري أمثال عديدة أخرى لهذه الأحاديث فاكتفينا بما تقدم. وفيه أحاديث أخرى تمزج بين استخراج الذرية من ظهر آدم وإشهادها وبين تقدير أرزاقها وآجالها وتقدير الجنة أو النار لها. ومنها ما لا يذكر فيه الإشهاد الرباني وجواب الذرية. من ذلك عن ابن عباس قال : «لما خلق الله آدم أخذ ذرّيته من ظهره مثل الذرّ فقبض قبضتين فقال لأصحاب اليمين ادخلوا الجنة بسلام وقال للآخرين ادخلوا النار لا

__________________

(١) انظر الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي ورشيد رضا والقاسمي والزمخشري.

٥٢٩

أبالي». وفي رواية عنه : «أخذ كل طيب بيمينه وكل خبيث بالأخرى» وفي رواية عنه «كتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى» ومنها حديث عن يسار الجهني جاء فيه : «سئل عمر بن الخطاب عن هذه الآية فقال سمعت رسول الله يقول : إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريّة فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره واستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون. فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل قال إنّ الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من عمل أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من عمل النار فيدخله النار».

وفي تفسير ابن كثير بعض هذه الأحاديث وأحاديث غيرها أخرى منها حديث رواه الإمام أحمد عن أنس بن مالك عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به قال فيقول نعم فيقول قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلّا أن تشرك بي». وعقب ابن كثير على هذا الحديث قائلا أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة. ومنها حديث عن أبي أمامة قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما خلق الله الخلق وقضى القضية أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله فقال يا أصحاب اليمين فقالوا لبيك وسعديك قال ألست بربّكم قالوا بلى قال يا أصحاب الشمال قالوا لبيك وسعديك قال ألست بربّكم قالوا بلى ثم خلط بينهم فقال قائل له يا ربّ لم خلطت بينهم قال لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. ثم ردّهم في صلب آدم». وفي تفسير ابن كثير نصوص عديدة أخرى مقاربة. وكذلك في كتب تفسير البغوي والخازن والطبرسي ورشيد رضا والقاسمي فاكتفينا بما تقدم لأنها إجمالا من باب واحد.

وحديث عمر بن الخطاب الذي يرويه يسار الجهني هو فقط ما أورده مؤلف

٥٣٠

التاج رواية عن الترمذي وأبي داود (١). وهناك حديث آخر أورده هذا المؤلف في فصل التفسير الذي أورد فيه الحديث الأول رواه الترمذي عن أبي هريرة قال : «قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما خلق آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كلّ نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة. وجعل بين عيني كلّ إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال أي ربّ من هؤلاء؟ قال : هؤلاء ذرّيتك إلخ ...» (٢).

ولقد انقسم المفسرون والمؤولون في تأويل العبارة القرآنية. فمنهم من أخذ بظاهرها مستأنسا بالأحاديث النبويّة التي تتوافق مع هذا الظاهر دون توسّع في التخريج على طريقة السلف الإسلامي الأول. ومنهم الطبري الذي قال إن أولى الأقوال بالصواب ما روي عن رسول الله إن كان صحيحا ولا أعلمه صحيحا وإن لم يكن صحيحا فهو خبر من الله. ومنهم من علّل الأحاديث وقال إن بعضها موقوف وبعضها مرفوع وبعضها ضعيف. وإن فيها ما يخالف القرآن. فقد ذكر القرآن بني آدم وذكرت الأحاديث آدم وذكر الذرية والظهور بالجمع ومقتضى الأحاديث أن تكون مفردة. والقرآن أخبر أن الله فعل ذلك لئلا يقولوا إنهم كانوا غافلين ويعتذروا بشرك آبائهم مع أن مقتضى العبارة أن آباءهم قد شهدوا أيضا إلخ ... وجنحوا بعد ذلك إلى التخريج فقالوا إن العبارة القرآنية هي في مقام التمثيل ولسان الحال وأوردوا بعض الآيات القرآنية للتدليل على ذلك. ومن هؤلاء الزمخشري الذي قال إن العبارة من باب التمثيل والتخييل وإن معناها أن الله نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى. فكأنه أشهدهم بذلك على أنفسهم وقررهم وقال لهم ألست بربكم وكأنهم قالوا بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك وإن باب التمثيل واسع في كلام الله تعالى ورسوله وفي كلام العرب. ونظيره قوله تعالى : (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل : ٤٠] ومعلوم أنه لا قول

__________________

(١) التاج ج ٤ ص ١٠٥ ـ ١٠٦.

(٢) المصدر نفسه.

٥٣١

ثمّ وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى.

ومنهم الطبرسي الذي قال إن بعض الأحاديث المروية موقوفة وبعضها مرفوعة وإن المحققين لم يأخذوا بها لأن ظاهر القرآن يشهد بخلاف التأويل الذي انطوى فيها لأن الله تعالى قال وإذ أخذ ربك من بني آدم ولم يقل آدم وقال من ظهورهم ولم يقل من ظهره وقال ذريتهم ولم يقل ذريته ثم أخبر أنه فعل ذلك لئلا يقولوا إنهم كانوا عن ذلك غافلين ويعتذروا بشرك آبائهم وهذا يقتضي أن يكون لهم آباء مشركون فلا يتناول الظاهر ولد آدم لصلبه. ثم إن الذرية المستخرجة لا تخلو إما أن تكون عقلاء أو غير عقلاء. فإن كانوا غير عقلاء فلا يصح أن يعرفوا التوحيد ويفهموا خطاب الله وإن كانوا عقلاء وأخذ عليهم الميثاق فلا يصحّ أن ينسوه لأن الحجة لا تكون إلّا لذاكر ولا يصح أن ينسى الجمع الكثير والجمّ الغفير من العقلاء شيئا كانوا عرفوه وميّزوه. وإن العبارة في معنى أن الله أقام الدليل في عقولهم وخلقهم على ربوبيته حتى صار ذلك عندهم مسلّما به بالفطرة وتعذّر امتناعهم عنه فصاروا في منزلة المعترف المقر. ولم يكن هناك إشهاد صورة وحقيقة ونظير ذلك قوله تعالى : (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) [فصلت : ١١]. ولم يكن منه سبحانه قول ولا منهما جواب. وشيء من هذا قاله ابن كثير الذي نبّه على ما في الأحاديث من علل. ومما قاله إن الشهادة تارة تكون بالقول وتارة تكون بلسان الحال كما جاء في الآية : (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) [التوبة : ١٧]. وإن مما يدلّ على أن المراد بهذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك. فلو كان وقع كما قال من قال لكان كل يذكره ليكون حجة عليه. ومنهم البيضاوي الذي نحا منحى الاثنين باقتضاب. ومنهم ابن كثير الذي تردّد بين القولين مع جنوح إلى الثاني. ومما قاله إن المراد بالإشهاد هو ما فطرهم الله عليه من التوحيد وأن الشهادة تكون تارة بالقول وتارة بلسان الحال. وإن مما يمكن أن يكون دليلا على ذلك جعل الإشهاد حجة عليهم في الشرك فلو كان قد وقع هذا كما قال مكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه. وقد نحا رشيد رضا والقاسمي اللذان أوردا كلاما كثيرا منحى ابن كثير وأوردا فيما

٥٣٢

أورداه الحديث النبوي المشهور : «ما من مولود إلّا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجسانه» (١). كتدعيم لهذا التأويل وقالا إن الله تعالى في كلمته هذه أراد أن ينبّه السامعين إلى أنه خلقهم على فطرة التوحيد فلا يقبل اعتذار أحد عن الانحراف عنه بأي عذر وحجة. وقد تكون طريقة السلف التي أخذ بها الطبري في الأسلوب الذي أخذ الله به العهد من بني آدم أسلم. ففي القرآن عبارات كثيرة مثل هذه لا يمكن معرفة مراد الله تعالى بها معرفة ذاتية مثل الاستواء على العرش ولا يكون هناك حديث نبوي ثابت في تفسيرها. ففي مثل هذه الحالة تكون تلك الطريقة أسلم ويكتفى بشرح مدلول الآيات التي فيها العبارة شرحا عاما كما فعلنا في صدد العبارة والآيات التي وردت معها. على أن هذا لا يمنعنا من القول إننا نرى وجاهة وسدادا في الأقوال والتأويلات الأخرى. وبخاصة في القول إن الله أراد أن ينبّه السامعين إلى أنه خلقهم على فطرة التوحيد فلا يقبل اعتذارهم بشرك آبائهم من قبلهم أو بأية حجة أخرى. والله تعالى أعلم.

والآيات فيما احتوته من تحذير عن السير على ما سار عليه الآباء بقطع النظر عن ضلالهم وسخفهم والاحتجاج بذلك والغفلة عما يقوم على صوابه وفضله البرهان وتعطيل العقل من التدبّر والاختيار قوية العظة وبليغة التلقين المستمر كما هو المتبادر. وقد تكرر هذا التلقين في مناسبات عديدة مرت أمثلة منها ، مما يصح أن يكون طابعا عظيم الخطورة للدعوة الإسلامية القرآنية التي تندّد باتباع التقاليد القديمة لقدمها وتعطيل العقل إزاءها ، والتي تحثّ على الأخذ بما هو الأفضل والأصوب والأصحّ والأصلح بقطع النظر عن القدم والجدة.

هذا ، وما جاء في بعض الأحاديث عن تقدير أعمال الناس وأرزاقهم وآجالهم وتخصيص فريق منهم للجنة وآخر للنار من الأزل هو متصل بموضوع القدر الذي شرحناه في سياق سورة القمر فنكتفي بهذه الإشارة.

__________________

(١) هذا الحديث رواه الأربعة انظر التاج ج ٥ ص ١٧٦.

٥٣٣

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)) [١٧٥ الى ١٧٧]

(١) انسلخ منها : هنا بمعنى انحرف عنها أو نبذها أو تخلّى عنها أو كفر بها.

(٢) الغاوين : الضالين أو الهالكين.

(٣) أخلد إلى الأرض : لصق بها أو انحط إليها ، والجملة بمعنى اختار الانحطاط على الارتفاع ، أو الشر على الخير ، أو الضلال على الهدى ، أو أعراض الدنيا وشهواتها.

لم يرو المفسرون مناسبة خاصة لنزول الآيات. والمتبادر أنها متصلة بالسياق ، واستمرار في التعقيب كالفصل السابق على السلسلة القصصية وتركيز لما انطوى فيها من إنذار وتنديد وعظة وتلقين. وقد احتوت أمرا للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقصّ القصص على الناس لعلّهم يتدبرون ويرعوون. والمماثلة قائمة بينها وبين الفصل السابق الذي انتهى بتقرير كون الله يفصل الآيات للناس لعلهم يرجعون كما هو واضح.

تعليق على آية

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها) وتلقينها

وفي الآيات خبر شخص آتاه الله آياته فلم يقم بحقها قياما يرتفع شأنه بها عند الله ، بل انحط واتبع هواه واستغرق في الحياة الدنيا وشهواتها حتى صار كالكلب الذي لا يكلّ عن اللهث سواء أحملت عليه وزجرته أم لم تفعل. وقد احتوت الآيات بعد ذلك تنبيها إلى أن هذا المثل هو مثل القوم الذين جاءتهم آيات الله فكذّبوا بها ، وساء هذا مثلا لمثل هؤلاء الذين بتكذيبهم آيات الله إنما يظلمون

٥٣٤

أنفسهم ، وأمرا للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقصّ هذه القصة على الناس لعلهم يتفكرون ويعتبرون.

وقد أوّل المفسرون (١) مثل الكلب بأن حالة الكافر أو المنسلخ كحالته لا يترك ضلاله وكفره سواء أوعظ وأنذر أو لم يوعظ وينذر. وهو وجيه سديد.

وقد روى المفسرون روايات في اسم الشخص الذي عنته الآيات (٢) فروي أنه أمية بن الصلت الشاعر الذي كان موحدا ويظن نفسه على ملّة إبراهيم عليه‌السلام ، فلما بعث النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم حسده على اختصاصه بالنبوّة من دونه فجحد. وروي أنه أبو عامر الراهب المتنسّك الذي كان على ملّة إبراهيم عليه‌السلام فحسد النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أيضا وتنصّر وآلى على نفسه محاربته وكان يتآمر مع المنافقين عليه. وروى الطبري أنه رجل من بني إسرائيل تآمر مع الجبابرة على قومه وحرّضهم عليهم وهوّن لهم من شأنهم. كما روى أنه نبي أو كاهن أو نبي من الكنعانيين أو المؤابيين اسمه بلعام بن باعوراء. وأن ملكه أمره بلعن بني إسرائيل حينما وفدوا على بلاده بعد خروجهم من مصر بقيادة موسى عليه‌السلام فأوحى الله إليه بمباركتهم بدلا من لعنهم. فلما ضايقه الملك أشار عليه بتسليط بنات البلاد على شباب بني إسرائيل ليورطنهم في الزنا بهم وعبادة معبودهم البعل. وأن رأيه هذا هو الانسلاخ من آيات الله الذي عنته الآية. كو في الإصحاح الثاني والعشرين وما بعده في سفر العدد من أسفار العهد القديم ذكرت قصة بلعام بن باعوراء وأمر الملك إيّاه بلعنة بني إسرائيل ومباركته إياهم بدلا من ذلك. كما ذكر فيها خبر ارتكاس شباب بني إسرائيل في الزنا ببنات مؤاب وعبادة معبودهم البعل ولكن لم يذكر فيها أن هذا كان برأي بلعام.

وعلى كل حال فإن اكتفاء الآية بالإشارة إلى الشخص دون تفصيل قد يلهم أنه شخص معروف عند سامعي القرآن بعلمه واطلاعه على كتب الله ، وأنه انحرف عن طريق الحق والهدى بتأثير السجيّة الفاسدة ووسوسة الشيطان ومتاع الحياة الدنيا وشهواتها ، فاستحكم بذلك ما قصدته الآيات من العظة والتذكير والعبرة.

__________________

(١) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والبغوي.

(٢) انظر المصدر نفسه.

٥٣٥

ويتبادر لنا أنها استهدفت بنوع خاص التنديد بأذكياء الكفّار ونبهائهم الذين كان لهم من رجاحة العقل وسعة المعارف ما يجعلهم يدركون بيسر ما في دعوة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من صدق وسموّ وروحانية وحقّ ، فأصروا مع ذلك عن قصد وهوى على مواقف العناد والمكابرة. ولعلّ فيها تعليلا لموقفهم من الدعوة وتسلية للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمسلمين.

وهذه الطبقة كانت موجودة. وقد اهتدى منها من اهتدى من الرعيل الأول المؤمنين واستكبر الآخرون وكابروا. وقد احتوى القرآن إشارات عديدة إليهم ووصفهم بأنهم اتخذوا هواهم آلهة لهم عن علم ونيّة كما جاء في آية سورة الجاثية هذه : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)) وآية سورة الفرقان هذه : (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣)) وقد كان فريق من هذه الطبقة يتمنون أن يبعث الله فيهم نذيرا منهم ويقسمون على اتباعه والاهتداء بهديه ثم استكبروا ونكثوا استكبارا ومكر السيئ كما جاء في آيات سورة فاطر هذه : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً (٤٣)) وكان من هذه الطبقة من يتحدّى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويقولون له لو شئنا لقلنا مثل ما تقول كما جاء في آية سورة الأنفال هذه : (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)).

ومن مقاصد المثل على ما هو المتبادر تقرير كون سلامة النيّة والقلب وصدق الرغبة في الاهتداء هو الجوهري ولا عبرة بالعلم والاطلاع إذا كانت النيّة خبيثة والسجيّة فاسدة والنفس دنيئة الرغبات والمطالب ، خاضعة للهوى والمآرب. وصاحب هذه الصفات لا يرتفع إذا ما أوتي العلم إلى المقام الرفيع الذي يجدر أن يرتفع إليه بعلمه ويظلّ ينحطّ ويرتكس دون أن ينفعه علم ولا عظة ولا عبرة.

٥٣٦

وفي ما احتواه المثل من تنديد وتقريع لاذعين تلقين بليغ مستمر المدى من دون ريب. لأنه صورة قوية كثيرا ما تتكرر في المجتمعات سواء أفي التنديد بالطبقة التي تكون نيرة في عقولها وسعة معارفها ومنحطة في مطالبها وأهوائها وشهواتها ، أم في التحذير من الانخداع بأفرادها ، أم في تقبيح هذه الصفات المكروهة الضارّة بالمجتمع.

ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيات حديثا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن حذيفة بن اليمان قال ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنّ مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان ردء الإسلام أعزّه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك. قال حذيفة قلت يا نبي الله أيّهما أولى بالشرك المرميّ أو الرامي قال بل الرامي». وهذا الحديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة وصحته محتملة وقد قال ابن كثير إن إسناده جيد وإن الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما قد وثقوه. وفي هذه الكتب أحاديث من بابه منها حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن أبي سعيد قال : «قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم. يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (١).

والحكمة الملموحة في الحديث تحذير المسلمين من الضالّين المنحرفين عن علم. ويتساوق تلقينه مع تلقين الآيات.

تعليق على جملة

(وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها)

وقد توهم جملة (وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها) أن الله سبحانه وتعالى هو الذي شاء للرجل عدم الارتفاع فأخلد إلى الأرض وغوي ، غير أن في الآية التي وردت فيها الجملة ما يزيل هذا الوهم حيث وصف الرجل بأنه رضخ لوسوسة الشيطان واتّبع

__________________

(١) التاج ج ١ ص ١٠.

٥٣٧

هواه وغوي وأنه من أجل ذلك ظالم لنفسه ولم يظلمه الله.

والوجه في تأويل العبارة على ما يتبادر لنا هو أن الله قادر على رفعه بالآيات التي آتاه إياها ولكنه تركه لاختياره وقابليته التي أودعها فيه فساقه ذلك إلى ما هو متّسق مع سجيته الفاسدة ونيته الخبيثة مما انطوى تقريره في آية سورة الإسراء هذه : (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (٨٤)) وقد أوّلها الزمخشري بأن الله أراد أن يقول إن الرجل لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها. وقد أوّلها السيد رشيد رضا بأن الله لو أراد رفعه بها لخلق له الهداية وحمله عليها ولكنه لم يفعل لأنه مخالف لسنّته. وقد أوّلها الطبرسي بأن الله يقول لو شئنا لحلنا بينه وبين الانسلاخ فارتفع شأنه ولكنّا تركناه لاختياره وقابليته. ولم نر في كتب المفسرين الأخرى التي بين أيدينا ما يتعارض مع هذه التأويلات التي فيها وجاهة وسداد أيضا.

(مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)) [١٧٨ ـ ١٨٠]

(١) ذرأنا : خلقنا أو جعلنا.

(٢) لحد : ولحد بمعنى مال وانحرف عن الحق. والكلمة في مقامها تعني ما كان المشركون يخلطونه من أسماء شركائهم بأسماء الله عزوجل.

لم يرو المفسرون مناسبة خاصة في نزول هذا الفصل والمتبادر أنه متصل بالسياق كذلك. وقد جاء معقبا على ما قبله. وفيه ما في سابقيه من تسلية للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمسلمين وتثبيت لهم. فمن يهده الله اهتدى ونجا ومن يضلله خسر. وفي الجنّ

٥٣٨

والإنس كثير لا ينتفعون بما لهم من قلوب ولا أعين ولا آذان ليتدبروا ويروا الحق والهدى ، فهم غافلون عنهما وهم كالأنعام بل أضلّ ، وأن لله أحسن الأسماء وأشرفها. فعلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والذين آمنوا أن يدعوه بها وألّا يعبأوا بالذين يلحدون ويخلطون في أسمائه ويذروهم له فهو الكفيل بجزائهم على ما يفعلون.

تعليق على جملة

(مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ)

وقد توهم الآية الأولى أنها قصدت تقرير كون الله تعالى هو الذي يحتم الهدى والضلال على الناس بأعيانهم. غير أن في جملة (فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) في الآية ثم في الآية التالية لها ما يزيل هذا الوهم ، حيث ينطوي فيها تقرير كون الله قد أودع في البشر من العقل وقوّة التمييز والاختيار ما هو جدير بأن يهديهم إلى الحق ويبيّن لهم طريق الهدى وطريق الضلال. فالذين يختارون سبيل الله فهم المهتدون والذين يختارون الضلال فهم الخاسرون.

وبناء على هذا اقتضت حكمة الله أن يكون بعث أخروي وحساب وثواب وعقاب وخلق للجنة وخلق لجهنّم. فأصحاب جهنم هم أولئك الذين فسدت أخلاقهم وخبثت سرائرهم فرضخوا للهوى والمآرب الدنيئة فتعطلت قلوبهم عن فهم الحق وعيونهم عن رؤية معالمه ، وآذانهم عن سماع نذره وحججه وغدوا كالأنعام بل أضلّ لأن الأنعام تسير بغرائزها فلا تضلّ عما ينفعها ولا تقبل على ما يضرّها.

وهذا الشرح المستلهم من فحوى الآيات وروحها مؤيد بالتقريرات القرآنية المحكمة التي مرّت أمثلة عديدة منها. ومؤيد كذلك بالآيات التي تقيد الإطلاق الذي جاءت عليه الجملة ذاتها مثل آيات سورة البقرة هذه : (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)).

٥٣٩

وللسيد رشيد رضا في سياق تفسير هذه الآية كلام صائب ووجيه متّسق بنتيجته مع شرحنا. ولقد أورد ابن كثير في سياق هذه الآيات حديثا قال إنه ورد في صحيح مسلم عن عائشة قالت : «دعي النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى جنازة صبيّ من الأنصار فقلت يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا ولم يدركه. فقال رسول الله أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم». وأورد حديثا قال إنه ورد في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم مفاده أن الله يبعث ملكا حين ولادة المولود فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد». وأشار إلى ما أورده وأوردناه من أحاديث في سياق جملة (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) فيها أن الله قدّر على الناس وهم في أصلاب آدم أرزاقهم وآجالهم وأنهم سعداء أو أشقياء.

وهذا الموضوع متصل بموضوع القدر الذي شرحناه في سياق سورة القمر شرحا يغني عن التكرار. ونقول هنا بمناسبة الآيات وإيراد الأحاديث في سياقها إن الآيات تلهم بقوة أن الذين ذرأهم الله لجهنّم هم الذين استحقّوها بانحرافهم وشذوذهم وغفلتهم عن آيات الله ونوره. وإن الأولى أن تحمل الأحاديث الصحيحة على قصد تقرير علم الله تعالى بذلك منذ الأزل. والله أعلم.

تعليق على جملة

(الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ)

واستطراد إلى ذكر أسماء الله الحسنى

ولقد روى الطبري وغيره أن المراد بجملة (الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ) ما كان المشركون يطلقونه على شركائهم من أسماء «الرحمن» و «الربّ» و «الإله» و «العزّى» ـ مؤنث العزيز ـ وغيرها من الأسماء والصفات التي لا تليق إلّا بالله ربّ العالمين وهو تأويل وجيه. وقد وضعت الآية الأمر في نصابه حيث قررت أن

٥٤٠