التّفسير الحديث - ج ٢

محمّد عزّة دروزة

التّفسير الحديث - ج ٢

المؤلف:

محمّد عزّة دروزة


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الغرب الإسلامي ـ بيروت
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٧٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

السور المفسّرة في هذا الجزء (١)

١ ـ العاديات

٢ ـ الكوثر

٣ ـ التكاثر

٤ ـ الماعون

٥ ـ الكافرون

٦ ـ الفيل

٧ ـ الفلق

٨ ـ الناس

٩ ـ الإخلاص

١٠ ـ النجم

١١ ـ عبس

١٢ ـ القدر

١٣ ـ الشمس

١٤ ـ البروج

١٥ ـ التين

١٦ ـ قريش

١٧ ـ القارعة

١٨ ـ القيامة

١٩ ـ الهمزة

٢٠ ـ المرسلات

٢١ ـ ق

٢٢ ـ البلد

٢٣ ـ الطارق

٢٤ ـ القمر

٢٥ ـ ص

٢٦ ـ الأعراف

__________________

(١) انظر الفهرست المفصل في آخر الجزء.

٥
٦

سورة العاديات

تتضمن السورة تنديدا بجحود الإنسان واستغراقه في حب المال وتذكيرا بالآخرة وإحاطة الله بأعمال الناس. وأسلوبها عرض عام للدعوة كسابقتها. وقد روي (١) أنها مدنية والجمهور على أنها مكية وأسلوبها وتبكير نزولها مما يؤيد مكيتها.

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١))

(١) العاديات : من العدو وهو الجري السريع ، والمقصود بالعاديات الخيل أو الإبل على اختلاف الأقوال والأول أوجه ومتسق مع الآيات الأخرى.

(٢) الضبح : هو صوت نفس الخيل حينما تركض وتتعب ، وقيل إنه نوع من السير.

(٣) الموريات : من الوري ، وهو إيقاد الشرارة والشعلة والنار.

(٤) قدحا : القدح هو الحك الشديد بالشيء الصلب لبعث الشرر.

__________________

(١) انظر تفسير السورة في الطبرسي والنيسابوري.

٧

(٥) المغيرات : من الإغارة وهي مباغتة العدو.

(٦) أثرن : من الإثارة وهي التحريك والتهييج.

(٧) النقع : الغبار.

(٨) كنود : جاحد للنعمة.

(٩) حب الخير : جمهور المؤولين يؤولون الجملة بحب المال.

(١٠) بعثر ما في القبور : كناية عن بعث الناس وخروجهم من قبورهم يوم القيامة.

(١١) حصل ما في الصدور : كناية عن مواجهة الناس بما حفظ عنهم وسجل عليهم من أعمال.

في آيات السورة تنديد ببعض أخلاق الإنسان وإنذار له ، وقد تضمنت :

١ ـ قسما ربانيا بالخيل وهي تعدو عدوا شديدا حين تعتزم الإغارة فيغدو نفسها ضبحا وينقدح من اصطدام حوافرها بالحجارة الشرر ، ويثور الغبار ، وتتوسط الجمع المغار عليه على أن الإنسان جاحد لنعمة الله مع ما يشهده من آثار أفضال الله عليه ، مستغرق في حب المال.

٢ ـ وتساؤلا في معرض الاستنكار والإنذار والتذكير عما إذا كان الإنسان لا يعرف أن الله محاسبه على ما يقدم من عمل حين يبعث الناس من قبورهم ويواجهون بأعمالهم ، ولسوف يظهر لهم جليا أن الله خبير بهم وبأعمالهم.

والمتبادر أنه أريد بوصف الإنسان بما وصف تقرير كون ذلك هو الطبع الغالب على الجبلة الإنسانية وأن الآيات قد استهدفت تنبيه الإنسان إلى ما في هذه الأخلاق من شطط ومجانبة للحق والواجب نحو الله والناس وحمله على تجنبها وتذكيره بنعمة ربه عليه وكونه محيطا بأعماله مراقبا له فيها ومحاسبه عليها في الحياة الأخرى.

وإطلاق الآيات وعدم احتوائها إشارة إلى موقف معين يسوغان القول بأنها بسبيل عرض أهداف الدعوة ومبادئها عرضا عاما كسابقتها ، كما يسوغ وصفها بما

٨

وصفت به سور الفاتحة والأعلى والليل والفجر والعصر أيضا.

والأهداف التي احتوتها جليلة في صدد الأخلاق الشخصية والاجتماعية ، حيث إنها ترتفع بالإنسان إلى أن لا يكون المال هو كل شيء لديه فينسيه واجباته نحو ربه بالاعتراف بربوبيته والخضوع له وشكره على نعمه ، ونحو الناس بالبر والرحمة.

ويلفت النظر بنوع خاص إلى التنديد بحب المال. وما سبق من مثل ذلك في سورة الفجر حيث يتلاحق الإيذان الرباني بكراهية اكتناز المال واستقطاب الثروة على ما نبهنا عليه في سياق سورة الفجر.

مغزى القسم القرآني بالخيل

وقد يكون القسم القرآني بالخيل متصلا بما كان للخيل والفروسية في عصر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبيئته من أهمية بالغة. حيث ينطوي فيه صورة من صور ذلك العصر والبيئة. ولقد روى البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأبو داود حديثا عن عروة الباقي قال : «قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، الأجر والمغنم» (١) مما قد يكون فيه توكيد لتلك الأهمية البالغة.

تعليق على رواية مدنية السورة

ولقد روى الطبرسي المفسر الشيعي أن السورة مدنية. وروى مناسبتين لنزولها واحدة عن مقاتل جاء فيها أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعث سرية إلى حي من حنانة عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري فتأخر رجوعهم فقال المنافقون إنهم قتلوا جميعهم فأخبر الله تعالى بما كان من غارتهم ونصرهم. وثانية عن الإمام أبي عبد الله جاء فيها أنها نزلت في مناسبة بعث النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عليّ بن أبي طالب إلى ذات السلاسل ونصره بعد أن أرسل مرارا غيره فعادوا بدون نصر. وأنها لما نزلت خرج رسول

__________________

(١) التاج الجامع ج ٤ ص ٣١٢.

٩

الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الغداة فصلى بالناس وقرأ السورة وقال إن عليا ظفر بأعدائه وبشرني جبريل بذلك هذه الليلة في هذه السورة. وجمهور المفسرين على أنها مكية مبكرة في النزول ، وأسلوبها وفحواها يؤيدان ذلك بكل قوة. ونخشى أن يكون للهوى الشيعي أثر في رواية مدنيتها فإن الرواة الشيعيين دأبوا يروون روايات كثيرة في مناسبات آيات كثيرة لتأييد هواهم بقطع النظر عن ما في الروايات من مآخذ على ما سوف ننبه عليه في مناسباته.

١٠

سورة الكوثر

في السورة بشرى وتطمئن للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتنديد بمبغضيه. وقد روي أنها مدنية ومضمونها وأسلوبها يلهمان مكيتها وهو ما عليه الجمهور.

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣))

(١) الكوثر : على وزن فوعل : الكثير جدا. وقيل إنه نهر في الجنة. وأوّل ابن عباس الكلمة بالخير الكثير (١).

(٢) انحر : اذبح الضحية ، وقيل : ارفع يدك إلى نحرك (٢). والمعنى الأول أوجه وعليه الجمهور.

(٣) الشانئ : المبغض أو العدو.

(٤) الأبتر : المقطوع وهنا بمعنى مقطوع النسل.

الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بسبيل البشرى والتطمين. فقد أعطاه الله الكوثر ، فعليه أن يصلي لربه ويقرب إليه القرابين شكرا. ويتأكد أن عدوه ومبغضه هو الأبتر.

__________________

(١) انظر تفسير السورة في الطبري.

(٢) المصدر نفسه.

١١

وقد روى المفسرون (١) أن وائل بن العاص أو عقبة بن معيط قال على أثر وفاة عبد الله بن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن محمدا أبتر ، فإذا مات انقطع ذكره واسترحنا منه ، فأنزل الله السورة.

ومضمون الآيات وروحها يلهمان صحة الرواية ويلهمان أن قول الكافر ونعته النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالنعت المؤذي قد أثارا في نفسه أزمة ، فأنزل الله السورة ترد عليه وتحمل البشرى والتطمين للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالأسلوب القوي الذي جاءت به حيث تقول له إن الله قد أعطاه الكوثر ومن أعطي الكوثر فلن يكون أبتر وأن مبغضه المقطوع من رحمة الله لهو الحري بهذا النعت وعليه أن يشكر الله بالصلاة وذبح القرابين تقربا إليه.

ومما روي أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان مستغرقا في النوم فأفاق ضاحكا مستبشرا ثم قال نزلت عليّ هذه السورة (٢). وهذه الرواية لم ترد في كتب الصحاح. وإن صحت ففيها صورة من صور الوحي القرآني. وهناك رواية تذكر أن السورة نزلت يوم الحديبية بسبيل التنويه بما تم للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمسلمين في ذلك اليوم من الفتح وبشرى وأمر بالصلاة ونحر الهدي في الحديبية (٣). وكان إذ ذاك عيد الفطر ، ولم ترد هذه الرواية في كتب الصحاح ولا في كتب السيرة القديمة التي روت تفاصيل يوم الحديبية. على أن جمهور الرواة والمفسرين على أن السورة مكية ومن السور المبكرة جدا في النزول.

وقد تعددت الأقوال في معنى الكوثر وفي المقصود من الصلاة والنحر. ففي صدد الكوثر روى البخاري والترمذي عن أنس أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لمّا عرج بي إلى السماء أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوّفا فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال : هذا الكوثر». وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها سئلت عن قوله تعالى (إِنَّا

__________________

(١) انظر تفسير السورة في تفسير الطبري والنيسابوري وابن كثير والبغوي والطبرسي والزمخشري فقد رووا ذلك جميعهم.

(٢) الإتقان للسيوطي ج ١ ص ٢٤ وتفسير الآلوسي للسورة.

(٣) الإتقان ج ١ ص ١٥ وتفسير الآلوسي.

١٢

أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) الكوثر [١] فقالت : «نهرا أعطيه نبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم شاطئاه عليه درّ مجوّف آنيته كعدد النجوم». وروى الترمذي وأبو داود عن أنس أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ قلت للملك ما هذا قال هذا الكوثر الذي أعطاكه الله ثم ضرب بيده إلى طينه فاستخرج مسكا ثمّ رفعت لي سدرة المنتهى فرأيت عندها نورا عظيما». وروى الترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدرر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج» (١). وإلى جانب هذه الأحاديث التي رواها الطبري بنصوصها أو نصوص مقاربة أورد هذا المفسر أقوالا رواها عن رواة عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير من علماء أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتابعيهم تذكر أن معنى الكلمة الخير الكثير الذي أعطاه الله لنبيه والنبوة والحكمة والقرآن. ومما أورده الطبري أن سائلا سأل سعيد بن جبير عن معناها فلما قال له الخير الكثير قال السائل كنا نسمع أنه نهر في الجنة؟ فقال : هو الخير الكثير الذي أعطاه الله لنبيه وفي رواية أخرى أنه نهر وغيره ... (٢).

فيمكن والحالة هذه أن يقال إن ابن عباس وتلامذته لم يثبت عندهم تلك الأحاديث ففسروا الكلمة بهذه التفسيرات الوجيهة المتسقة مع ظروف الدعوة الأولى التي كان يلقى النبي فيها المواقف الشديدة فتقتضي حكمة التنزيل تثبيته وتطمينه وتذكيره بما أنعم الله عليه من نعم عظمى وحثه على التقرب إليه بالصلاة والشكر مما تكرر في السور السابقة.

ومما يلحظ أن ترتيب هذه السورة سابق على سورة النجم التي تروي مشاهد الإسراء والمعراج في سياق آياتها الأولى. وقد يكون في هذا تدعيم لذلك التفسير والتوجيه.

__________________

(١) الأحاديث الأربعة في التاج الجامع ج ٤ ص ٢٦٦.

(٢) استوعب الطبري جميع الأقوال وليس في كتب التفسير الأخرى أقوال مغايرة لها.

١٣

ولقد جمع سعيد بن جبير مع ذلك في جوابه بين القولين. وقد يكون في هذا توفيق موفق والله تعالى أعلم.

وأما الصلاة والنحر فليس فيهما حديث صحيح. وقد قيل إن الصلاة هي صلاة الفجر يوم عيد النحر كما قيل إنها صلاة ذلك العيد وإن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أمر في الآية بنحر القربان عقب الصلاة على اختلاف الوقتين المرويين. وهناك من قال إنهما أمران مطلقان للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالصلاة والتقرب إليه بالقرابين شكرا على نعمه الكثيرة التي والاها عليه. كما أن هناك من قال إنها تأمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن تكون صلاته ونحره لله وحده إذا كان قومه يصلون وينحرون لغيره وقد أعطاه الخير الكثير (١). ونحن نميل إلى ترجيح أحد القولين الأخيرين والله أعلم.

__________________

(١) استوعب الطبري جميع الأقوال وليس في كتب التفسير الأخرى أقوال مغايرة لها.

١٤

سورة التكاثر

في السورة تنديد بالمستغرقين في الدنيا ومالها ونعيمها. وإنذار لهم بالآخرة. وهي عامة العرض والتوجيه. وقد روي أنها مدنية. وأسلوبها ومضمونها يحمل على الشك في ذلك. وقد سلكتها التراتيب المروية في سلك السور المكية.

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨))

(١) التكاثر : المباراة في الاستكثار من المال والبنين والتفاخر بذلك.

(٢) زرتم المقابر : كناية عن الموت حيث يؤتى بالأموات فيدفنون في المقابر.

(٣) الجحيم : النار المتقدة أو المتأججة.

في آيات السورة :

١ ـ تنديد موجه إلى السامعين بما هم فيه من المباراة في الاستكثار من الأموال والأولاد والتفاخر بذلك واستغراقهم بسبب ذلك استغراقا يمنعهم من التفكير في الموت وما بعده ، بحيث لا ينتهون مما هم فيه إلّا حين يموتون.

١٥

٢ ـ وتنبيه وتبصير لهم. فإنهم سوف يعلمون علما يقينيا بأنهم مخطئون ، وأنهم سوف يرون الجحيم الموعودة ويرون بعين اليقين ما أوعدوا به. وأنهم سوف يسألون عن أعمالهم وما قضوه في الدنيا من حياة النعيم التي ألهتهم عن الآخرة والتفكير فيها.

ولقد روى بعض المفسرين روايات عديدة في نزول السورة. منها أنها نزلت في قبيلتين من الأنصار تفاخرتا فيما بينهما بما عندهما من مال وما هما فيه من نعيم. ومنها أنها نزلت في فريق من اليهود فخروا على المسلمين بما كان عندهم من مال. ومنها أنها نزلت في حيين من قريش هما بنو مناف وبنو سهم تفاخرا فيما بينهما بما عندهما من مال (١). ولم ترد هذه الروايات في كتب الصحاح. والروايتان الأوليان تقتضيان أن تكون السورة مدنية مع أن رواة النزول وجمهور المفسرين يسلكونها في سلك السور المكية المبكرة في النزول. وأسلوبها ومضمونها يحملان على الشك في الروايتين وفي رواية تفاخر بني سهم ومناف القرشيين أيضا ويسوغان الترجيح بأنها مطلقة التوجيه عامة الإنذار والتنبيه مثل سور العاديات والعصر والأعلى والليل والفجر إلخ.

ولقد احتوت تلقينا جليلا مستمر المدى. ومتسقا مع التلقينات التي احتوتها السور المماثلة السابقة وهو وجوب تنبيه الناس إلى واجباتهم نحو الله ونحو الناس في الحياة الدنيا وعدم الاندفاع في الاستكثار من المال والاستغراق في النعيم وجعل شهوات الحياة ونعيمها قصارى الهمّ والمطلب.

ولقد رويت بضعة أحاديث نبوية على هامش هذه السورة. منها حديث رواه مسلم والترمذي عن عبد الله بن الشخير قال : «إنه انتهى إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يقرأ (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) [١] قال يقول ابن آدم مالي مالي. وهل لك من مالك إلّا ما تصدّقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت» (٢). وحديث رواه الترمذي

__________________

(١) انظر تفسير السورة في تفسير ابن كثير والبغوي والطبرسي والنيسابوري.

(٢) التاج ج ٤ ص ٣٦٥.

١٦

عن الزبير بن العوام قال : «لما نزلت (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [٨] قلت يا رسول الله فأيّ النعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء. قال أما إنّه سيكون» (١). حيث يتسق التلقين النبوي مع ما نوهنا به من التلقين القرآني في هذا الأمر كما هو الشأن في كل أمر آخر.

وننبه مع ذلك على ضوء آيات سورة الأعراف [٣١ ـ ٣٣] التي أوردناها في مناسبة مماثلة في تفسير سورة الأعلى أن روح الآيات تلهم أن التنديد والتنبيه موجهان إلى من تلهيه أمواله وأولاده وشهواته ومتعه عن واجباته نحو ربه ونحو الناس ويستغرق في ذلك استغراقا يملك عليه تفكيره ويعمي بصيرته ويجعله لا يحسب للعواقب حسابا ويوهمه بأنه في أمن دائم. لا إلى أصحاب الأموال والأولاد والمتنعمين إطلاقا إذا ما أدوا حق الله بالإيمان به وعبادته وشكره وحق الناس بالبر والتزموا القصد والاعتدال. وليس في الأحاديث النبوية ما يتناقض مع ذلك. بل هناك أحاديث ينطوي فيها هذا بصراحة أوردناها في سياق تفسير سورة الفجر فنكتفي بهذا التنبيه دون التكرار.

__________________

(١) التاج ج ٤ ص ٣٦٥.

١٧

سورة الماعون

تضمنت السورة نعيا وتنديدا بالذين يكذبون بالآخرة ويقسون على اليتيم ويحرمون المسكين من الطعام ويراؤون في صلاتهم وأعمالهم ويمنعون ماعونهم عن ذوي الحاجة إليه ، وقد روي أن السورة مدنية كما روي أن آياتها الثلاث الأخيرة فقط هي مدنية. ومع احتمال صحة الرواية الأخيرة استلهاما من مضمون الآيات ، فإننا نميل إلى ترجيح كونها مكية جميعها وكونها عرضا عاما لأهداف الدعوة.

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧))

(١) الدين : كناية عن يوم الآخرة والحساب.

(٢) يدعّ : يدفع بشدة.

(٣) ساهون : هنا بمعنى لاهون وغافلون وقيل إنها بمعنى تفويت وقت الصلاة. والمعنى الأول أوجه على ضوء الآية السادسة فإن المرائي لا يلهم الجد في الصلاة فيؤديها وهو غافل لاهي القلب.

(٤) ويل : وردت هذه الكلمة مرارا في القرآن. وأكثر ورودها في معنى إنذار

١٨

رباني لمن يستحقها من الكفار والمشركين والظالمين والكذابين والمعتدين. ووردت على لسان الظالمين في معنى التندم والتحسر والهلع من عذاب الله مثل : (يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً) الفرقان [٢٨] ، ومثل : (يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) الأنبياء [١٤]. ووردت على لسان زوجة إبراهيم في معنى التعجب : (يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً) هود [٧٢] وهي هنا من الباب الأول. ويروي الطبري في سياق الآية [٧٩] من سورة البقرة حديثين أحدهما عن عثمان بن عفان عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم جاء فيه : «الويل جبل في النار» وثانيهما عن أبي سعيد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم جاء فيها : «ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره». وهذان الحديثان لم يردا في كتب الأحاديث الصحيحة. وقد روى الطبري عن ابن عباس أن الويل هو العذاب مطلقا. حيث يبدوا أنه لم يثبت عنده الأحاديث. ويتبادر لنا أن هذا هو الأوجه والله أعلم.

(٥) يراؤون : يتظاهرون بغير حقيقتهم أو ينافقون.

(٦) الماعون : روى المفسرون أنها المعونة إطلاقا أو أنها الزكاة أو أنها أدوات البيت كالقدر والدلو والفأس ونحو ذلك وكل ذلك وارد.

في الآيات الثلاث الأولى :

١ ـ سؤال تنديدي موجه للسامع عن ذلك الذي يكذب بالحساب والجزاء الأخرويين.

٢ ـ وتقرير بمثابة الجواب بأنه هو الذي لا تأخذه الشفقة على اليتيم فينتهره ويدفعه بشدة والذي لا تأخذه الرأفة بالمسكين فلا يطعمه ولا يحض غيره على إطعامه.

وفي الآيات الأربع التالية :

إنذار وسوء دعاء على الذين يصلون وقلوبهم لاهية عما هم فيه. والذين يصدرون في عبادتهم وأعمالهم أمام الله والناس عن رياء وخداع. والذين يمنعون عونهم وبرّهم أو ماعونهم عن المحتاجين إليه.

١٩

وقد روي أن السورة جميعها مدنية (١) كما روي أن الآيات الثلاث الأخيرة فقط هي المدنية ، وطابع الآيات الأربع الأولى مكي ، وقد تكررت ألفاظها ومعانيها في السور المكية كثيرا وفيما سبق من السور وقد روي أنها نزلت في أبي جهل حيث كان وصيا على يتيم فسأله شيئا من ماله فدفعه ولم يعبأ به ، كما روي أنها نزلت في أبي سفيان الذي كان ينحر في الأسبوع جزورين فأتاه يتيم فسأله لحما فقرعه بالعصا (٢). أما الآيات الثلاث الأخيرة فإن الصورة التي انطوت فيها قد تكون مدنية من الوجهة الزمنية ، لأن صورة المسلم المتظاهر بالإسلام واللاهي عن الصلاة ، هي صورة من صور المنافقين في المدينة الذين وصفوا في القرآن المدني بهذه الصفة كما جاء في آية سورة النساء هذه : (إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً) (١٤٢).

غير أن الآيات من جهة أخرى متسقة في الوزن ومنسجمة مع الآيات السابقة لها كما هو ظاهر. وحرف الفاء في بدء الآية الرابعة قد يسوغ القول إن الآيات الثلاث جاءت معقبة على الآيات الأربع السابقة لها.

وعلى هذا فإما أن يكون التنديد في الآيات الثلاث الأخيرة تنديدا بالإنسان المرائي في صلاته وعمله ودينه ، المانع معونته عن المحتاج إليها إطلاقا ، ومثل هذا يكون في أي مجتمع وظرف. ويكون من هدف الآيات تحذير المؤمنين الأولين من هذا الخلق ، وإما أن تكون رواية مدنية الآيات الثلاث صحيحة وقد أضيفت إلى الأربع حينما أوحي بها لحكمة متصلة بهذه الآيات بدت للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

ونحن نميل إلى ترجيح الاحتمال الأول بسبب التوازن والانسجام وعدم وضوح الحكمة في إضافة آيات قليلة مدنية إلى آيات قليلة مكية وتكوين سورة قصيرة من هذه وتلك.

__________________

(١) انظر الإتقان للسيوطي ج ١ ص ١٥ ـ ١٨ الطبعة المذكورة سابقا وتفسير الآلوسي ج ٣ ص ٢٤١.

(٢) انظر تفسير السورة في تفسير الخازن والطبرسي والنيسابوري.

٢٠