التّفسير الحديث - ج ٢

محمّد عزّة دروزة

التّفسير الحديث - ج ٢

المؤلف:

محمّد عزّة دروزة


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الغرب الإسلامي ـ بيروت
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٧٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في المدينة. وقد علقنا على هذا الحادث في سياق السورة السابقة. ولا تبدو صلة ظاهرة بين هذه السورة وبين الحادث المذكور. بل إن روايات نزول السورتين متتابعتين وفي ظرف واحد تبعد السورتين معا عن ذلك الحادث. ومعظم روايات ترتيب السور تسلك هذه السورة كما تسلك السورة السابقة في سلك السور المكية المبكرة في النزول. وروح السورة وأسلوبها يجعلان النفس مطمئنة إلى ذلك ولا سيما أن مضمونها عام شامل ، وفيها صورة لما كان يجري بين الكفار إزاء الدعوة النبوية حيث كان زعماؤهم يبثون الدعاية والوساوس ضدها ويكيدون لها ويتآمرون عليها ليلا ونهارا على ما حكته آيات قرآنية مكية عديدة أوردنا أمثلة منها في المناسبات السابقة. هذا إلى ما ذكرته آيات كثيرة مكية ومدنية من وساوس الشيطان وإبليس اللذين عنتهما كلمة «الجنة» في السورة على الأرجح ونزغاتهما وإغراءاتهما للكفار وتزيينهما لهم مواقف الجحود والعناد والبغي مثل ما جاء في آية سورة فصلت هذه : (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)) وآية سورة ص هذه : (قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)) (١).

وآية سورة فاطر هذه : (إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦)) ومثل آية سورة العنكبوت هذه : (وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)) وآيات سورة المؤمنون هذه : (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)). وآية سورة الكهف هذه : (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠)).

__________________

(١) الآيتان من سلسلة قصة آدم وإبليس.

٦١

تعليق على موضوع الجن

وبمناسبة ورود كلمة (الْجِنَّةِ) لأول مرة نقول : إن هذه الكلمة وبعض متشابهاتها وتفرعاتها اللفظية مثل جن وجنين تنطوي على معنى الاستتار والخفاء في اللغة العربية. وهذا يسوغ القول إن معنى الخفي والمستور وغير المرئي بالنسبة إلى الجن والجنة مما كان مستقرا ومفهوما في أذهان العرب قبل الإسلام. ولعل مما يصح قوله أن إطلاق التسمية مقتبس من المعنى اللغوي الذي يمكن أن تكون صيغته الفصحى متطورة عن جذر قديم أطلق على العناصر الخفية الشريرة التي كان الاعتقاد بوجودها طورا بشريا عاما مشتركا بين الأمم منذ أقدم الأزمنة ومن جملتهم العرب قبل الإسلام في مختلف أطوارهم كما هو الشأن إزاء العناصر الخفية الخيرة. ولقد كان لأهل الكتاب الذين كان العرب يتصلون بهم في جزيرتهم وخارجها عقائد متطورة فيهم فمن المحتمل كثيرا أن يكون ذلك قد تسرب إلى العرب فأدخل تطورا ما على عقائدهم فيهم أيضا.

ولقد احتوى القرآن آيات كثيرة حول الجن وماهيتهم أولا وحول عقائد العرب فيهم ثانيا.

ومجمل ما جاء عن ماهيتهم أنهم مخلوقات نارية على ما تفيده آية سورة الحجر هذه : (وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧)) وآية سورة الرحمن هذه : (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥)) وأنهم طوائف وطبقات على ما تفيده آية سورة الجن هذه التي تحكي أقوالهم : (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١)) ، وأن منهم طبقة إبليس وذريته الذين يوسوسون للناس ويزينون لهم الشر والإثم والتمرد على الله على ما تفيده آيات سورتي ص والكهف التي أوردناها قبل قليل ، وأن منهم من ينزل على الناس ويلقون إليهم ببعض الأقوال والأخبار والأفكار على ما تفيده آيات سورة الشعراء هذه : (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ

٦٢

الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣)) وأن منهم من كان يصعد إلى السماء ويحاول استراق السمع على ما تفيده آيات سورة الجن هذه : (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩)) وأن منهم من كان تحت تسخير سليمان عليه‌السلام يعملون له ما يشاء ويقومون بأعمال أضخم من أعمال البشر على ما تفيده آيات سورة سبأ هذه : (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ) [١٣] وآيات سورة ص هذه : (فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨)) وأن منهم من سمع القرآن من النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وآمنوا به وذهبوا إلى قومهم مبشرين ومنذرين به كما تفيده آيات سورة الجن هذه : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢)) وآيتا سورة الأحقاف هذه : (وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)) وأنهم صائرون إلى ما هو صائر إليه الإنس من الحياة الأخروية ومنازلها جنة ونارا وكرامة وهوانا وفق أعمالهم كما تفيده آية سورة الأعراف هذه : (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)) وآية سورة الأحقاف هذه : (يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١)) ؛ وأنهم إلى ذلك كله عناصر خفية لا يمكن رؤيتها ولا الشعور بماديتها عادة على ما تفيده آية سورة الأعراف هذه : (يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما

٦٣

لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)) (١).

أما مجمل ما جاء في القرآن عن عقائد العرب في الجن فهو أنهم كانوا يعتقدون أن بينهم وبين الله نسبا وصهرا على ما تفيده آية سورة الصافات هذه : (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)) وأنهم كانوا يتجهون إليهم ويشركونهم مع الله في العبادة والدعاء على ما تفيده آية سورة سبأ هذه : (قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)) وآية سورة الأنعام هذه : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ) [١٠٠] وأنهم كانوا يرونهم مصدر خوف وشر ويعوذون بهم اتقاء شرهم على ما تفيده آية سورة الجن هذه : (وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦)) ولعل بشراكهم إياهم مع الله وعبادتهم لهم جاءت من هذا الخوف ومن الاعتقاد بقدرتهم على الأذى والضرر. وأنهم كانوا يخالطون الناس في عقولهم فيكون من ذلك الجنون وأعراضه على ما تفيده آية سورة المؤمنون هذه : (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠)) وأنهم ينزلون على بعض الناس ويوحون إليهم ويوسوسون في صدور الناس على ما تفيده آية سورة التكوير هذه : (وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥)) وآية سورة الشعراء هذه : (وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠)) وآية سورة الأعراف هذه : (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)).

فالصورة القرآنية عن الجن سواء أكانت بما جاء عن ماهيتهم وأعمالهم أم حكاية عن عقائد العرب فيهم هي صورة مخلوقات خفية غير مرئية ولا محسوسة

__________________

(١) وفي آيات سورتي الأحقاف والجن التي أوردناها قبل وذكرت خبر استماع نفر من الجن للقرآن من النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرينة على ذلك حيث تفيد أنهم رأوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم واستمعوا له دون أن يراهم. وهناك حديث عن ابن عباس جاء فيه إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما قرأ على الجن ولا رآهم وإنما أوحي إليه قولهم. (التاج ج ٤ ص ٢٤٦ وتفسير ابن كثير لآيات سورة الأحقاف [٢٩ ـ ٣٠].

٦٤

المادة عادة ، فائقة القدرة متسلطة على البشر تثير فيهم الخوف والفزع ، وتؤثر في أفكارهم وتوجههم توجيها ضارّا فاسدا باستثناء بعضهم الذين كانوا يؤمنون بالله ويخشونه.

وهذه الصورة تتفق في بعض الخطوط مع الصورة القرآنية للملائكة وتختلف عنها في بعض ، فهم سواء في الخفاء وعدم المادية والقدرة الفائقة. مفترقون من حيث كون الجن ناريين ومبعث خوف وقلق ومصدر شر وأذى ، ومن حيث كون غالبيتهم موضع سخط الله ونقمته لشرورهم وتمردهم على الله ، ومن حيث كون اتصالهم وتعاونهم مع ذوي النيات السيئة والأفكار الخبيثة والأخلاق المنحرفة ، في حين أن الملائكة مبعث طمأنينة وسكينة ومصدر أمن وخير وعون ورجاء ومختصون من الله مكرمون لديه ، يقومون بخدمته ويسبحون باسمه ويخضعون لأمره ويخشونه ، وفي حين أن اتصالهم مع الأنبياء والرسل الذين لهم الكرامة عند الله.

وكما قلنا بالنسبة للملائكة نقول بالنسبة للجن إن وجودهم في نطاق قدرة الله وإن لم تدرك عقول الناس مداه. وإن التصديق به واجب إيماني غيبي لأن نصوص القرآن قطعية في ذلك.

وذكر الجن بالأساليب المتنوعة التي ذكروا بها في القرآن ماهية وعقائد وصورا لم يرد في كتب اليهود والنصارى المنسوبة إلى الوحي الرباني كما هو شأن الملائكة ، ولذلك فإن هذا الأسلوب من خصوصيات القرآن أيضا.

ولعل ما كان من عقائد العرب في الجن وما كان من صور في أذهانهم لهم هو من حكمة هذه الخصوصية كما هو الشأن بالنسبة للملائكة أيضا. وعلى كل حال فإن مما هو جدير بالتنبيه أن القرآن وهو يذكر الجن بما يذكر ويتحدث عنهم بما يتحدث إنما يذكر ويتحدث عن مخلوقات وكائنات يعتقد العرب بها ويعترفون بوجودها بما يقارب ما جاء فيه. وهذه مسألة مهمة في صدد كل ما جاء عن الجن ، لأن الكلام عما هو معروف ومعترف به هو أقوى أثرا ونفوذا كما لا يخفى.

٦٥

ومما يتبادر أن ما ورد عن الجن والشياطين وإبليس من صور قرآنية بغيضة ومن حملات على الكفار في سياقها متصل بما في أذهان العرب عنهم ، وبسبيل تقرير كون الانحراف عن الحق والمكابرة فيه والاستغراق في الإثم والخبائث والانصراف عن دعوة الله هو من تلقيناتهم ووساوسهم ، ومظهرا من مظاهر الانحراف نحوهم ، وبسبيل التحذير من الاندماغ بهم لما في ذلك من مهانة ومسبة. ومن هنا يأتي الكلام قويا ملزما ولاذعا ، ويقوم البرهان على أن ذلك من الوسائل التدعيمية لأهداف القرآن وأسس الدعوة الإسلامية.

وهذا ملموح أيضا على ما هو المتبادر من آيات سورتي الجن والأحقاف التي تخبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم باستماع الجن للقرآن ، فآيات سورة الجن تفيد أن الذين استمعوا القرآن منهم ممن كانوا يعتقدون أن الله ولدا وصاحبة كما ترى فيها : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً (٤)) وآيات سورة الأحقاف تفيد أن الذين استمعوا هم من المتدينين بالديانة الموسوية على ما تفيده الآيات [٢٩ ـ ٣٠] التي أوردناها قبل قليل ، والصورة الأولى متصلة من ناحية بعقائد العرب المشركين ومن ناحية بعقيدة النصارى ؛ حيث يلمح أن هذا وذاك ينطويان من جهة ما على قصد التدعيم للرسالة المحمدية بالإخبار بأن بعض طوائف الجن الذين يدينون بالديانة الموسوية والديانة العيسوية وبعقائد العرب والذين لهم في أذهان العرب تلك الصورة الهائلة قد آمنوا بهذه الرسالة حينما سمعوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتلو القرآن (١).

ولقد تزيد المفسرون المطولون في صدد ماهية الجن وأوردوا أقوالا متنوعة عنهم بسبيل ذلك (٢) معظمها مغرب وغير موثق. ولما كان القرآن إنما ذكر الجن في معرض التنديد والتحذير والموعظة والتدعيم والتمثيل ، ثم لما كان الجن كائنات

__________________

(١) انظر كتابنا القرآن المجيد ، ص ١٨٥ ، ١٨٩.

(٢) انظر نماذج من ذلك في كتابنا المذكور أيضا ص ٢٤٢ وما بعدها.

٦٦

غيبية إيمانية لا يصح الكلام فيها إلّا في نطاق ما جاء عنها في القرآن أو السنة النبوية الثابتة فإن من الواجب ملاحظة ذلك الهدف من جهة والوقوف عند الحد الذي وقف عنده القرآن من جهة أخرى فضلا عن انتفاء أي طائل في إرسال الكلام عنهم والتزيد فيه خارج ذلك.

٦٧

سورة الإخلاص

في السورة تقرير العقيدة الإسلامية بذات الله بأسلوب حاسم وقطعي ووجيز. وأسلوبها عام التوجيه والتقرير. وهناك روايات تذكر أنها مدنية وأخرى تذكر أنها مكية. والمصحف الذي اعتمدنا عليه يروي مكيتها ، كما أنها مكية في التراتيب الكاملة المروية الأخرى (١). ومن أسمائها «الصمد» وبذلك يتم الاتساق في تسميتها مع أسلوب تسمية السورة بصورة عامة.

ولقد روى البخاري وأبو داود عن أبي سعيد : «أن رجلا سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد يردّدها فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فذكر ذلك له وكأنّ الرجل يتقالّها فقال رسول الله والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» (٢). وروى الشيخان والترمذي عن أبي الدرداء عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن. قالوا وكيف يقرأ في ليلة ثلث القرآن قال قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» (٣). وحديث رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن فحشد من حشد فخرج نبيّ الله فقرأ قل هو الله أحد ثم دخل فقال بعضنا لبعض إني أرى هذا خبرا جاءه من السماء فذاك الذي أدخله ثم خرج نبيّ الله فقال إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن ألا إنها تعدل ثلث القرآن» (٤). وروى مسلم حديثا جاء فيه : «بعث النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجلا على سريّة

__________________

(١) أسماء التراتيب وأصحابها في مقدمة الجزء.

(٢) التاج ج ٤ ص ٢٢.

(٣) المصدر نفسه.

(٤) المصدر نفسه.

٦٨

فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكر ذلك للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال سلوه لأيّ شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن فأنا أحبّ أن أقرأ بها فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أخبروه أنّ الله يحبّه» (١).

وروى الترمذي عن أنس قال : «كان رجل من الأنصار يؤمّهم في مسجد قباء فكان كلّما أمّهم في الصلاة قرأ بقل هو الله أحد ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كلّ ركعة فكلّمه أصحابه إمّا أن تقرأ بها وإمّا أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى فقال ما أنا بتاركها ، إن أحببتم أن أؤمّكم بها فعلت وإن كرهتم تركت ، وكانوا يرونه أفضلهم فلما أتاهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أخبروه الخبر فقال يا فلان ما يمنعك مما يأمرك به أصحابك وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ فقال : يا رسول الله إني أحبّها. فقال : إن حبّها أدخلك الجنة» (٢).

وروى الترمذي عن أبي هريرة قال : «أقبلت مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فسمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد الله الصمد فقال رسول الله وجبت قلت وما وجبت قال الجنة» (٣).

وروى الترمذي عن أنس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من قرأ كلّ يوم مائتي مرة قل هو الله أحد محي عنه ذنوب خمسين سنة إلّا أن يكون عليه دين» (٤). وروى الإمام أحمد عن أنس بسند حسن أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بنى الله له بيتا في الجنة» (٥). وروى النسائي عن معاذ بن عبد الله عن أبيه قال : «أصابنا عطش وظلمة فانتظرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليصلّي بنا فخرج فقال قل قلت ما أقول قال قل هو الله أحد والمعوّذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثا يكفك كلّ شيء» (٦). حيث ينطوي في الأحاديث تنويه بفضل هذه السورة وحثّ على قراءتها من حكمتها

__________________

(١) المصدر السابق نفسه.

(٢) المصدر نفسه ، ص ٢٣.

(٣) المصدر نفسه ، ص ٢٢ ـ ٢٣.

(٤) المصدر نفسه.

(٥) المصدر نفسه.

(٦) المصدر نفسه.

٦٩

المتبادرة ما انطوت فيه من إعلان الإيمان بوحدة الله التامة المنزّهة عن كل شائبة.

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)) [١ الى ٤]

(١) الصمد : أوجه الأقوال في معنى الكلمة أنه السيد المصمود إليه في الحوائج الغني عن غيره.

(٢) كفو : مماثل وندّ.

في الآيات أمر رباني للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن يعلن صفات الله عزوجل وهي أنه واحد أحد ، المصمود إليه في الحاجات ، المستغنى عن غيره. لم يلد ولم يولد وليس له مماثل ولا ندّ.

وقد روي أن بعض العرب سألوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن ينسب لهم ربّه فأوحى الله بهذه السورة كما روي أن السؤال من اليهود (١).

وهناك حديثان صحيحان في صدد السورة ومعناها ونزولها واحد رواه الترمذي عن أبيّ بن كعب قال : «إن المشركين قالوا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم انسب لنا ربّك؟ فأنزل الله (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ) فالصمد الذي (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) لأنه ليس شيء يولد إلّا سيموت ولا شيء يموت إلّا سيورث والله عزوجل لا يموت ولا يورث (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) قال لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء» (٢). وثان رواه البخاري عن أبي هريرة قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : قال الله تعالى كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي

__________________

(١) انظر تفسير السورة في تفسير الطبري.

(٢) التاج ج ٤ ص ٢٦٩.

٧٠

أن يقول إني لن أعيده كما بدأته وأما شتمه إياي أن يقول اتخذ الله ولدا وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد» (١).

تعليق على مدى تقرير وحدة

الله في سورة الإخلاص

ومهما يكن من أمر الرواية فالسورة قد استهدفت تقرير عقيدة الوحدة الإلهية ونفي كل ما يتناقض معها من العقائد الموجودة في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وما تنطوي عليه هذه العقائد من المشابهة والمماثلة والتعدد والشركة والوالدية والولدية بأسلوب حاسم وجيز.

ففي إعلان الوحدة الإلهية ردّ على من يجعل الله أكثر من واحد ، سواء أكان هذا التعدد مؤولا مرده إلى الوحدة كما هو في العقيدة النصرانية أم غير مؤول كما هو في عقيدة المشركين.

وفي إعلان أن الله هو المتّجه المفرد والغني المطلق ردّ على ما كان من اتجاه بعض الفئات إلى غيره أو إليه وإلى غيره معا إشراكا أو استشفاعا ، ورد على ما كان من اعتقاد بعض الفئات من حاجة الله إلى المساعدين في تدبير ملكوت السموات والأرض ، ومن أثر هؤلاء المساعدين في الكون إيجابا وسلبا ونفعا وضرّا.

وفي إعلان نفي الولد عن الله رد على من كان يعتقد أن لله ولدا ، سواء أكان ذلك من مشركي العرب الذين كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله أم النصارى الذين كانوا يعتقدون أن المسيح ابن الله أم اليهود الذين كانوا يعتقدون أن العزير ابن الله كما جاء في آية سورة التوبة [٣٠].

وفي إعلان نفي تولد الله من والد ردّ على من كان يتخذ الملائكة أو المسيح آلهة ويعتقدون أنهم أولاد الله.

__________________

(١) التاج ج ٤ ص ٢٦٩.

٧١

وفي إعلان نفي المماثلة ردّ على من كان يتخذ لله أندادا ويجعل له شركاء في الخلق والاتجاه والعبادة وارتجاء الخير واتقاء الشر ، كما حكت ذلك آيات عديدة مثل آية سورة البقرة هذه : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ) [١٦٥] وآية سورة الرعد هذه : (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)).

والسورة في حسمها وإيجازها قطعية المعنى التقريري ، سهلة الحفظ والإيراد على لسان كل مؤمن ، وعنوان الإخلاص في عقيدة الله ووحدته وتفرده بالربوبية وشمول قدرته وتصرفه واستغنائه عن كل معين ، واحتياج جميع الكائنات إليه. وهي من هذا الاعتبار الصورة الواضحة القطعية المحكمة المجردة من كل الملابسات والشبهات للعقيدة الإسلامية بذات الله بحيث تكون مردّ كل ما يمكن أن يكون من الألفاظ والآيات المتشابهة التي قد تكون وردت في القرآن على سبيل التقريب والتمثيل في نطاق اللغة البشرية ومفاهيمها.

وليس من ريب في أن من شأن الإخلاص في هذه العقيدة على هذا الوجه الحاسم المحكم أن يحرر النفس الإنسانية من الشبهات والارتكاسات والتأويلات والحيرة والخضوع لغير الله من القوى والمظاهر ؛ وأن يجعل اتجاهها لله الواحد الأحد الشامل القدرة المنزّه عن كل ما يتناقض مع هذا الشمول والتفرد ، كما أن من شأنه أن يبعث فيها الطمأنينة والقوة والمناعة من التأثر بأي مؤثر ومن ارتجاء الخير واتقاء الشر من أي مصدر ، ومن الخضوع لأي قوة والرهبة من أحد غيره والأمل في سواه.

ويلحظ أن السورة قد اقتصرت كما قلنا على تقرير عقيدة الوحدة الإلهية

٧٢

ونفي كلّ ما يتناقض معها حيث يبدو أن حكمة التنزيل اقتضت ذلك في هذه السورة إزاء ما كان سائدا في العالم من نقائض متنوعة المدى لهذه الوحدة المستغنية عن كل شيء والتي هي مرجع ومصدر كل شيء. ولقد وصف الله عزوجل في السور السابقة واللاحقة برب العالمين الرحمن الرحيم المالك لكل شيء والعالم بكل شيء والمحيط بكل شيء والقادر على كل شيء والمتصرف في كل شيء الذي لا تدركه الأبصار والذي ليس كمثله شيء المتصف بجميع صفات الكمال والمنزّه عن كل شائبة ونقص. وبذلك تكتمل الصورة القرآنية لله عزوجل في العقيدة الإسلامية كمالا لا يماثله بل ولا يدانيه شيء من الصور الإلهية في مختلف الديانات الأخرى.

ومعظم روايات النزول وتراتيب السور تجعل هذه السورة بعد سورتي الناس والفلق مما يسوغ القول أن السور الثلاث نزلت في ظرف واحد وأوقات متقاربة أو متعاقبة. ولهذا دلالة مهمة من حيث توكيد السور الثلاث عدم وجود غير قوة الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد قادرة على النفع والضرر والمنع والإعطاء. ومن حيث إيجاب الاستعاذة به وحده وعدم خشية أحد غيره وعدم الاتجاه إلى غيره في أي مطلب وحاجة.

٧٣

سورة النجم

تتضمن السورة توكيدا بصدق النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما أخبر به من رؤيته المشاهد الربانية والملك الرباني وبصدق صلته بالوحي الرباني. وتزييفا لعقائد العرب بالأصنام والملائكة والشفاعة ، وتنويها بالمؤمنين الصالحين. وتنديدا بالكفار المكذبين. وإنذارا بالآخرة والوقوف بين يدي الله ، وتقريرا بعدم انتفاع الإنسان إلّا بسعيه. وتذكيرا ببعض الأقوام السابقة ، وما كان من تنكيل الله بهم بسبب تكذيبهم أنبياءه وتمردهم على دعوتهم إلى الله. وهي متوازنة الآيات مترابطة الفصول ، مما يلهم أنها نزلت دفعة واحدة أو فصولا متتابعة. وقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآية [٣٢] مدنية وانسجامها مع ما قبلها وما بعدها نظما وموضوعا يحمل على التوقف في هذه الرواية.

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢)) [١ الى ١٢]

(١) النجم : تعددت الأقوال في النجم المقصود ، وأوجهها عندنا هو الشهاب المنقض من السماء بقرينة جملة «إذا هوى».

٧٤

(٢) هوى : خرّ وسقط.

(٣) ضل : انحرف أو ذهل.

(٤) صاحبكم : كناية عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(٥) غوى : جهل أو التبس عليه أو ضلّ عن الحق.

(٦) الهوى : الرأي الذي لا يستند فيه صاحبه إلى الحق ويصدر فيه عن غاية خاصة وعاطفة وأنانية.

(٧) وحي يوحى : الوحي من الإيحاء وأصل معنى الكلمة السرعة والإيعاز والإلهام والقذف بالروع. وجاءت في القرآن بهذه المعاني. وجاءت بمعنى النواميس التي أودعها الله في كائناته وخلقه. وجاءت في معرض إرسال الله الملائكة بأوامره إلى أنبيائه أو إلهام الله لأنبيائه ما يريد إلهامهم به أو قذفه في قلوبهم. والجملة هنا بأحد المعنيين الأخيرين.

(٨) علمه : الضمير في هذا الفعل عائد إلى الملك الذي أرسله الله للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ما عليه جمهور المفسرين وهو جبريل.

(٩) ذو مرة : ذو قوة أو ذو حصافة وإحكام في عقله ، وهذا هو المقصود على الأرجح ، والكلمة وصف لملك الله على ما عليه الجمهور.

(١٠) استوى : اعتلى أو وقف موقف البروز والعلو. والضمير عائد للملك أيضا.

(١١) الأفق الأعلى : كناية عن السماء.

(١٢) ثم دنا فتدلى : قال الطبري في الجملة تقدم وتأخير ومعناها : تدلى ثم دنا أي نزل من العلو ثم اقترب. ولو لم يصح التقديم والتأخير فنفس المعنى موجود.

(١٣) قاب قوسين : جملة تعني شدة القرب وقصر المسافة. فكان بين النبي والملك ما بين قوسي الحاجبين من قرب.

(١٤) فأوحى إلى عبده ما أوحى : عبده هنا كناية عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والضمير في أوحى عائد إلى الملك جبريل على ما عليه الجمهور.

٧٥

(١٥) الفؤاد : كناية عن القوة الواعية المدركة في الإنسان.

(١٦) تمارونه : تجادلونه.

في الآيات قسم رباني في معرض التوكيد بأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يذهل ولم ينحرف عن الحق والصدق ، ولم ينطق بما نطق ولم يبلغ ما بلغ كذبا وشفاء لهوى النفس وخيلائها ، وبأن ما أخبر به هو وحي أوحي إليه ، وقد أبلغه إياه رسول رباني قوي صادق ، وقد رآه في أفق السماء وقد اقترب منه إلى مسافة قريبة جدا ، ومن المكابرة أن تجادلوه فيما رآه وعاينه.

وواضح من هذا أن الآيات بسبيل وصف مشهد شهده النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتوكيد صدق ما أخبر به من ذلك.

ولقد روى الشيخان والترمذي في فصل التفسير في سياق تفسير هذه الآيات حديثا عن الشيباني قال : «سألت زرا عن قوله تعالى : (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى) النجم [٩ ـ ١١] فقال : أخبرنا عبد الله أن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح» (١). وروى البخاري حديثا عن مسروق جاء فيه : «قال مسروق لعائشة أين قوله تعالى : (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) النجم [٨ ـ ٩] قالت : ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال وأتاه هذه المرة في صورته الأصلية فسدّ الأفق» (٢).

وأكثر المفسرين (٣) يرجحون أن المشهد هو مشهد جبريل عليه‌السلام الذي رآه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالأفق الأعلى ، وهو الأوجه فيما هو المتبادر.

ولقد ورد في سورة التكوير آيات فيها بعض ما في هذه الآيات من وصف لملك الله ورؤية النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم له بالأفق وتوكيد ذلك وهي : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ

__________________

(١) التاج ج ٤ ص ٢٢٠.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) انظر كتب تفسير الطبري والبغوي والخازن وابن كثير والنيسابوري إلخ.

٧٦

الْمُبِينِ (٢٣)) التكوير [١٩ ـ ٢٣] ، فمن الجائز أن تكون آيات النجم التي نحن في صددها بسبيل توكيد صحة ما أخبر به سابقا حيث ظل الكفار يكذبون ويمارون.

ولقد احتوت الآيات التالية لهذه الآيات إشارة إلى مشهد ثان مماثل رآه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والضمير فيه معطوف على الأول. فمن الجائز كذلك أن تكون الآيات التي احتوت توكيدا للمشهد الذي حكته آيات سورة التكوير قد جاءت كتمهيد توكيدي واستشهادي للمشهد الثاني الذي حكته الآيات التالية لها.

وتعبير (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى) النجم [١١] قد يفيد كون المشهد الذي شهده النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم روحاني خاص به شهده بقوة البصيرة التي اختصه الله بها من دون الناس العاديين على ما هو المتبادر من السياق. والآية التالية لهذه الآية تدعم هذا حيث استنكرت المرء في أمر خاص بالشعور والإدراك النبوي الذي لا يجوز أن يكون موضع مراء ؛ كأنما أرادت الآية أن تقول إن المراد إنما يصح أن يكون فيما يمكن أن يكون قدرا مشتركا بين الناس يستطيع جميعهم أن يروه ويحسوا به ويدركوه بحاسة من حواسهم. فإذا ادعى أحدهم أنه رآه وأحس به وأدركه كان لغيره أن يماري في ذلك إذا لم يره هو ويحس به ويدركه.

ويمكن أن يضرب المثل للتوضيح برؤية الكسوف والرؤيا النومية. فلا يستطيع أحد مثلا أن يدعي أنه رأى كسوف الشمس دون سائر الناس ، لأنه مشهد عام يتساوى الناس في رؤيته. وذلك على عكس الرؤيا لأنها خاصة بالشخص الذي رآها ، ولا تتحمل دعوى رؤياها أي جدل أو مكابرة أو مراء.

وقد قصدنا بهذا الشرح المستلهم من الآيات توضيح ما يكون بين الله وبين أنبيائه من اتصال خاص بهم على اختلاف صوره التي ذكرتها آية سورة الشورى هذه : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) [٥١] (١) يدركونه ويشعرون به بما

__________________

(١) في الآية ثلاث صور لاتصال الله بأنبيائه وهي الوحي المباشر الذي يقذف في قلوبهم ويلهمون إياه أو صوت يسمعونه أو رسول ملك يرسله الله إليهم.

٧٧

اختصهم الله به من قوة لا يمكن إدراكها بالعقل العادي ، ويجب الإيمان بها لأن ذلك مما يستتبعه الإيمان بالله وأنبيائه ، والمشهد الذي وصفته وأكدته الآيات مظهر من مظاهر هذا الاتصال ويجب الإيمان بصحته لأن القرآن والنبي قد أخبرا به.

تعليق على مدى متناول آيات :

(وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى)

والعصمة النبوية

وقد ذهب بعض المفسرين (١) إلى أن آيتي : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) النجم [٣ ـ ٤] تشملان كل ما صدر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من قول أو عمل ديني ودنيوي وقرآني وغير قرآني ، وجعلوهما في عداد الدلائل على العصمة النبوية. والذي نلحظه من روح الآيات وسياقها أن الآيتين في صدد توكيد صحة ما أخبر به النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من اتصال وحي الله به ورؤيته الملك وما ألقاه عليه من آيات القرآن. وفي الاستدلال بها على عصمة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في كل ما صدر عنه من قول وعمل دنيوي وغير قرآني واعتباره وحيا ربانيا تجوز كبير يتعارض مع وقائع ونصوص قرآنية كثيرة تدل على أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يجتهد في أمر فيصدر عنه فيه قول أو فعل فينزل قرآن معاتبا ومنبها حينا ومذكرا حينا بما هو الأولى مثل حادث استغفاره مع المؤمنين لذوي قرباهم من موتى المشركين الذي أشارت إليه آيات سورة التوبة هذه منبهة : (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)) (٢) ومثل حادث أسرى بدر الذي أشارت إليه آيات سورة الأنفال هذه : (ما كانَ لِنَبِيٍ

__________________

(١) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبرسي والنيسابوري والخازن مثلا.

(٢) في الآية الثانية ما يفيد أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين اجتهدوا فقاسوا بما فعله إبراهيم عليه‌السلام فبين الله فيها الفرق ووجه الحق في ذلك.

٧٨

أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨)) ومثل حادث حلفه على عدم قرب زوجاته التي أشارت إليها آية سورة التحريم هذه : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)) ومثل حادث الأعمى الذي أشارت إليه آيات سورة عبس هذه : (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)) (١).

ونريد أن ننبه على نقطة هامة ، فنحن لا نعني بما نقرره ألّا يكون النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في كثير مما قاله أو فعله أو أمر به أو نهى عنه مما لم ينزل فيه قرآن ناقض أو معدل أو معاتب ملهما به من الله عزوجل. ففي القرآن دلائل عديدة على أن كثيرا مما وقع من النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبل نزول القرآن قد وقع بإلهام رباني. وأن القرآن نزل بعد وقوعه مؤيدا له فيه ، ومن الأمثلة على ذلك سيره إلى مكة لأجل العمرة مع أصحابه بناء على رؤيا رآها وانتهاء ذلك بصلح الحديبية. فقد كان ذلك بإلهام رباني ثم نزلت سورة الفتح مؤيدة له. ومن ذلك أيضا واقعة بدر ، فقد خرج النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بإلهام رباني مع أصحابه للاستيلاء على قافلة قريش وأدى ذلك إلى الاشتباك مع جيش قريش الذي انتصر فيه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه انتصارهم العظيم. وقد نزلت بعد ذلك سورة الأنفال مؤيدة له (٢). وإلى هذا فإن جميع ما ثبت عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من سنن قولية وفعلية وأوامر ونواه مات عليها دون أن ينقضها هو أو القرآن هو تشريع واجب الاتباع بنص القرآن على ما جاء في آية سورة الحشر هذه : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [٧] ومن المحتمل أن يكون بإلهام رباني. وإنما الذي نعنيه التوقف في تشميل مفهوم الآيتين

__________________

(١) هناك أمثلة أخرى سننبه عليها في مناسباتها.

(٢) وهناك أمثلة أخرى سننبه عليها في مناسباتها أيضا.

٧٩

لكل ما صدر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من فعل وقول طيلة حياته إطلاقا حسب ما شرحناه آنفا.

وهذا لا يمس العصمة النبوية التي يجب الإيمان بها لا على ذلك المعنى الذي يجعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يمتنع عليه أن يصدر منه أي قول أو فعل أو اجتهاد في مختلف شؤون الحياة والناس ، قد يكون فيه الخطأ والصواب وخلاف الأولى الذي في علم الله والذي لا ينكشف له إلّا بوحي ، مما لا يمكن أن ينتفي عن الطبيعة البشرية النبوية المقررة في القرآن ، وإنما على المعنى الذي يرتفع به النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى العصمة عن أي إثم أو جريمة أو فاحشة أو مخالفة للقرآن فعلا وقولا ، وعن كتم أي شيء أوحي به إليه أو تحريفه وتبديله وذلك نتيجة لما وصل إليه بنعمة الله وفضله من كمال الخلق والروح والعقل والإيمان والاستغراق في الله الذي جعله أهلا للاصطفاء الرباني (١).

(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)) [١٣ الى ١٨]

(١) رآه : ضمير الفاعل عائد إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وضمير المفعول عائد إلى جبريل عليه‌السلام على ما عليه جمهور المفسرين.

(٢) سدرة المنتهى : شجرة السدرة التي ينتهي عندها التقدم أو الشوط.

(٣) جنة المأوى : قال بعض المفسرين إنها جنة خاصة على يمين العرش يأوي إليها أرواح الشهداء (انظر الكشاف والطبري) وقد وردت كلمة المأوى مضافة إلى «الجنات» بالجمع وبمعنى المثوى مطلقا للناجين والخاسرين معا. وقال ابن كثير : إن جنة المأوى وجنات المأوى هي التي يكون فيها منازل ومساكن للإقامة بالإضافة إلى الأشجار والمياه.

__________________

(١) انظر كتابنا القرآن المجيد ص ٢٨٨ ـ ٢٩٤.

٨٠