التّفسير الحديث - ج ٢

محمّد عزّة دروزة

التّفسير الحديث - ج ٢

المؤلف:

محمّد عزّة دروزة


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الغرب الإسلامي ـ بيروت
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٧٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

(٣) حفيظ : حافظ لما يجب عليه قائم به.

(٤) الغيب : كثر استعمال هذه الكلمة في القرآن. وقد تعددت مفهوماتها مع تقاربها حسب مواضعها. فعنت الشيء البعيد المطويّ في التاريخ. وعنت الشيء المغيّب المجهول ماضيا وحاضرا ومستقبلا وعنت الشيء الذي لا تدرك ماهيته ولكن وجوده مقرّر بالتبليغ القرآني كالحياة الأخروية والوحي الرباني. وعنت حالات السرّ والغياب و

الخلوة. والكلمة هنا عنت المعنى الأخير أي الذي يخاف الله في السرّ ولو لم ير أحد ما يفعله على ما ذهب إليه جمهور المفسرين (١).

(٥) منيب : من الإنابة وهي الاستسلام والخضوع. وهنا بمعنى الاستسلام والخضوع إلى الله.

الآيات متصلة أيضا بسابقاتها واستمرار لها. وفيها استطراد لذكر مصير الصالحين في الآخرة مقابل ذكر مصير الكفار الآثمين جريا على الأسلوب القرآني.

والوصف في الآيات قوي ومشوق ومن شأنه جذب أصحاب القلوب الواعية والنفوس الطيبة وحملها على السير في السبيل القويم وبثّ الطمأنينة والغبطة والرضاء فيها بالإضافة إلى ما فيها من حقيقة النعيم والتكريم الأخروية الإيمانية.

وجوب تلازم الإيمان مع التقوى والعمل الصالح

والأوصاف الواردة في الآيات تتضمن تلقينات جليلة مستمرة المدى. فلا يكفي أن يعلن المرء إسلامه بل عليه أن يكون مجتهدا في تقوى الله بالعمل الصالح واجتناب الآثام. وأن يكون حافظا لعهوده وواجباته مراقبا الله في سرّه وعلنه منيبا إليه بقلبه وجوارحه. وفي هذا ما فيه من قصد تهذيب نفس المسلم وإعداده ليكون صالحا بارا خيرا راشدا يقظ القلب طاهر السريرة والنفس قائما بواجباته نحو الله والناس لذاتها متّقيا ربه في السرّ والعلن.

وفي الآيات دلالة على أن الصالحين إنما ينالون رضاء الله وتكريمه وجناته

__________________

(١) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والزمخشري والطبرسي.

الجز الثاني من التفسير الحديث* ١٦

٢٤١

جزاء اختيارهم سلوك السبيل إليه وعملهم الصالح كما هو شأن الكفار بالنسبة للعذاب والهوان اللذين ينالونهما على ما ذكرناه في سياق الآيات السابقة.

تعليق على مدى جملة

(وَلَدَيْنا مَزِيدٌ)

ولقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون في مدى جملة (وَلَدَيْنا مَزِيدٌ) منها أنه النعيم الذي لا يخطر ببال المؤمنين أو ما أعدّ لهم من الألطاف الزائدة وقرة العين. ومنها أنها رؤية الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم. وأوردوا في هذا الصدد أحاديث نبوية وصحابية متنوعة الرتب منها ما رواه أصحاب مساند الأحاديث الصحيحة ومنها ما لم يرووه (١). وقد تشاد الذين يسوغون رؤية الله تعالى ولا يسوغونه حول ذلك. ولقد شرحنا هذا الموضوع في تعليق كتبناه في سياق تفسير سورة القيامة شرحا يغني عن التكرار. ويتبادر لنا بالنسبة للعبارة التي نحن في صددها أنها لا تتحمل هذا التشاد وأن الأقوال الأولى في مداها هي الأوجه استهدافا للتشويق والترغيب والتطمين والله أعلم.

(وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)) [٣٦ الى ٣٧]

(١) نقبوا في البلاد : ضربوا في البلاد وطوفوا.

(٢) محيص : مخلص أو مهرب.

الصلة بين هاتين الآيتين وسابقاتهما مستمرة. وفيهما عود على بدء في إنذار الكفار والتذكير بما كان من نكال الله في أمثالهم المكذبين السابقين الذين كانوا

__________________

(١) انظر تفسيرها في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن والطبرسي والزمخشري.

٢٤٢

أقوى منهم وأشد بطشا فما أعجزوا الله ولم يجدوا لهم منه مخلصا ومهربا في الأرض. وفي هذا الذي يعرفه السامعون عظة وعبرة لمن حسنت سريرته وطابت نيته ورغب في النجاة.

وفي الآية الثانية تقرير بأسلوب جديد لقابلية الاختيار في الإنسان كما هو المتبادر.

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)) [٣٨ الى ٤٥]

(١) لغوب : تعب.

(٢) أدبار السجود : عقب السجود.

(٣) جبار : هنا بمعنى مسيطر وقاهر أو مجبر.

يروي الطبري والبغوي في صدد نزول الآيتين [٣٨ و ٣٩] أنهما نزلتا في موقف جدلي بين النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم واليهود حيث روى الطبري عن أبي بكر قال : «جاءت اليهود إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا : يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة؟ فقال : خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات يعني من يوم الجمعة وخلق في أول الثلاث الساعات الآجال وفي الثانية الآفة وفي الثالثة آدم قالوا صدقت إن أتممت فعرف النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما يريدون فغضب فأنزل الله (وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما

٢٤٣

يَقُولُونَ)». وروى البغوي هذا الحديث بزيادة وهي : «أن اليهود حينما قالوا للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم صدقت إن أتممت قال وما ذاك قالوا ثم استراح يوم السبت واستلقى على العرش فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم وقال له فاصبر على ما يقولون من كذبهم فإن الله لهم بالمرصاد وهذا قبل الأمر بقتالهم».

والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآية [٣٨] التي فيها خلق السموات والأرض في ستة أيام مدنية دون الآية [٣٩] مع أن الآية [٣٩] هي الأولى لأن تكون مدنية. لأن فيها أمرا بالصبر على ما يقولون ، ومقتضى الرواية أن تكون الآيات نزلت مجزأة مع أنها وحدة منسجمة متوازنة وهي وما قبلها في صدد مواقف الكفار منكري البعث وفي صدد إنذارهم وحكاية ما سوف يلقونه من مصير أخروي رهيب وما سوف يلقاه المؤمنون من مصير أخروي سعيد بالمقابلة. وكل هذا يجعلنا نتوقف أولا في رواية مدنية الآية [٣٨] ثم في الرواية التي يرويها الطبري كسبب لنزول الآيات ونرجح أنها في صدد البرهنة على قدرة الله تعالى على بعث الناس بالتذكير بأنه الذي خلق السموات والأرض وما بينهما دون أن يناله بذلك إعياء وعجز. وبأن من كان كذلك قادر من باب أولى على الخلق ثانية. وقد استمر الإنذار الرباني لهم مع تسلية النبي وتثبيته مما هو متصل بموضوع الآيات عامة. وفيه دليل على انسجامها ووحدتها. على أن هذا لا يمنع أن يكون من مقاصد جملة (وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ) الردّ على ما كان يقول اليهود والنصارى معا لأنه مما ورد في الإصحاحين الأول والثاني من سفر التكوين ولم يكن ذلك مجهولا في العهد المكي.

ولم نطّلع على روايات في صدد وسبب نزول الآيات الأخرى التي نرجح كما قلنا أنها سياق واحد ونزلت معا.

وفي الآيات [٤٢ و ٤٣ و ٤٤] توكيد جديد من الله عزوجل بأنه هو الذي يحيي ويميت وبأن صوت مناديه سوف يعلو فيخرج الناس من الأرض ملبين مسرعين إليه ليفصل بينهم حسب أعمالهم وبأن ذلك هين سهل عليه. وفي الآيات

٢٤٤

[٣٨ و ٣٩ و ٤٠ و ٤٥] تطمين للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتسلية له عن تكذيب المكذبين ومواقفهم ؛ حيث تهيب به بأن يتحمل أقوالهم التي يسمعها الله عزوجل وأن يواصل تسبيح الله وعبادته ، وحيث تعلنه أنه لم يرسله ربّه لإجبار الناس على الاستجابة ، وأنه ليس عليه إلّا أن يذكّر بالقرآن من يخاف وعيد الله. وقد انطوى في الآيات تقرير مهمة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والإشادة بذوي النيات الحسنة والضمائر اليقظة الراغبين في الحق والهدى. فهم الذين من شأنهم أن ينتفعوا بما في القرآن من عظة وهدى. وقد انطوى في الآية الأخيرة خاصة توكيد مبدأ حرية التدين وترك الناس لاختيارهم وعدم الإكراه في الدين. فعلى النبي أن يدعو ويذكر وليس عليه أن يجبر. وقد تكرر هذا بأساليب متنوعة ، منها آيات سورة الغاشية هذه (فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)) وآية سورة يونس هذه : (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)) وآية سورة البقرة هذه : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)).

كثرة الآيات المتضمنة تطمينا للنبي عليه‌السلام وحكمتها

وبمناسبة ما انطوى في الآيات من تسلية النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم نقول إن القرآن المكي احتوى آيات كثيرة جدا في هذا الباب وبأساليب متنوعة. فقد كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم شديد الحرص على هداية قومه وكان حزنه وهمّه يشتدان كل ما رأى الزعماء يستمرون في مواقف الجحود والمناوأة والصدّ ، ورأى الأكثرية الساحقة من العرب ينكمشون عن الدعوة نتيجة لذلك طيلة العهد المكي الذي امتدّ ثلاث عشرة سنة مضافا إلى ذلك اضطهاد المستضعفين من المؤمنين وفتنتهم حتى ليكاد يهلك نفسه من الهمّ والحزن مما أشارت إليه آيات عديدة ، منها آية سورة فاطر هذه : (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما

٢٤٥

يَصْنَعُونَ (٨)) وآية سورة الشعراء هذه : (لَعَلَّكَ باخِعٌ) (١) (نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)) وآية سورة طه هذه : (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣)) وآية سورة الكهف هذه : (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦)) فاقتضت حكمة التنزيل موالاة التطمين له وتسليته والتهوين عليه وإخباره بأنه ليس مسؤولا عن هدايتهم ولا هو وكيلا عليهم ولا جبّارا ولا مسيطرا ، وإنما هو نذير وبشير. والآيات في هذا الباب كثيرة جدا منثورة في أكثر السور المكيّة فلم نر ضرورة إلى إيراد نماذج منها.

والمفسرون يقولون في سياق هذه الآيات وأمثالها إنها نسخت بآيات السيف والقتال في العهد المدني. وقد علقنا على هذا القول بما فيه الكفاية في سياق تفسير سورتي المزمل والكافرون فلا نرى ضرورة للإعادة.

تعليق على موضوع خلق السموات والأرض في ستة أيام

في كتب التفسير أقوال وتعليقات وأحاديث في هذا الموضوع الذي تكرر كثيرا وبأساليب متنوعة في القرآن. وفيما يلي إحاطة به في مناسبة وروده هنا لأول مرة نرجو أن يكون فيها الفائدة والصواب إن شاء الله.

ولقد روى المفسرون (٢) حديثا عن أبي هريرة جاء فيه : «أنّ رسول الله أخذ بيدي فقال : خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبثّ فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل». وهذا الحديث رواه مسلم أيضا ويعد من الصحاح في اصطلاح علماء الحديث (٣). ومع ذلك فإنه يلحظ منه أن الخلق استغرق سبعة أيام حيث بدأ به يوم السبت وانتهى منه مساء الجمعة وليس

__________________

(١) باخع : بمعنى مهلك أو قاتل.

(٢) انظر الآية [٥٤] من سورة الأعراف في تفسير ابن كثير.

(٣) انظر التاج ج ٤ ص ٣٣ ـ ٣٤.

٢٤٦

فيه ذكر للسموات. وهذا مناقض لنصّ الآية. وقد لحظ هذا ونبّه عليه ابن كثير أيضا وقال إن البخاري تكلّم في هذا الحديث. وهناك حديث رواه الطبري عن مجاهد جاء فيه : «إن الخلق بدأ يوم الأحد وانتهى مساء الجمعة».

ولقد ورد في الإصحاحين الأول والثاني من سفر التكوين أول أسفار العهد القديم أن الدنيا كانت خالية وظلاما ويغمرها الماء وكانت روح الله ترفّ على وجهه وأن الله خلق في يوم النور وفصل بينه وبين الظلام فسمى النور نهارا والظلام ليلا وأنه خلق في اليوم التالي السماء وفي اليوم الثالث الأرض (الجلد) في وسط الماء وصنوف النبات والشجر وفي اليوم الرابع الشمس والقمر والنجوم لتضيء على الأرض وفي اليوم الخامس الزحافات والطيور والحيتان وفي اليوم السادس البهائم والوحوش ودبابات الأرض ، ثم صنع الإنسان على صورته ذكرا وأنثى ، وفرغ في اليوم السابع من العمل واستراح ـ سبحانه وتعالى وبارك هذا اليوم وقدسه. ولم يرد في هذا السياق أسماء الأيام الستة. غير أنه ورد في أسفار أخرى أن الله قدس السبت وحرّم فيه العمل (١). حيث يمكن أن يكون في ذلك قرينة على أن اليهود كانوا يرون أن يوم السبت هو اليوم الذي انتهى الخلق قبله. ولقد روى ابن كثير عن الإمام أحمد ومجاهد وابن عباس رضي الله عنهم أن اليوم السابع الذي اكتمل الخلق قبله كان يوم السبت وأنه سمّي بهذا الاسم لأن معناه القطع على اعتبار أن العمل قد انقطع فيه (٢). ومع ما في هذا من غرابة سواء من ناحية القول بانقطاع الله سبحانه عن العمل أم من ناحية كون تسمية (السبت) لا يمكن أن تكون إلّا متأخرة جدا عن عملية الخلق الأولى فإن شيئا من التماثل قائم بين ما ورد في الحديث وما ورد في سفر التكوين ، ثم بين ما روي في صدد السبت وبين ما ورد في سفر التكوين والأسفار الأخرى من تقديس السبت وتحريم العمل فيه. وفي سورة هود هذه الآية : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى

__________________

(١) انظر الإصحاح ٢٠ من سفر الخروج مثلا. وقد تكرر ذكر ذلك كثيرا في الأسفار الأخرى.

(٢) انظر تفسير آية الأعراف السابق ذكرها في تفسير ابن كثير.

٢٤٧

الْماءِ) [٧] حيث يبدو شيء من التماثل بينها وبين عبارة سفر التكوين «كان روح الله يرفّ على وجه الماء».

ولقد تساءل ابن كثير (١) عما إذا كان يوم الخلق هو يوم عادي أو مثل اليوم الذي ذكر في آية سورة الحج [٤٧] : (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) وفي تفسير ابن عباس رواية الكلبي أنه يوم كألف سنة بأسلوب الجزم. وبعض المفسرين قالوا إن اليوم يعني في اللغة زمنا ما أو وقتا ما على الإطلاق ، وإن عبارة القرآن قد تعني أن الله خلق الكائنات في أزمان متتالية (٢). ولقد أوّل السيد رشيد رضا (٣) الأيام بالأطوار التكوينية التي مرت بعملية خلق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما من كائنات حية وغير حية. وبعض المفسرين أخذوا عبارة القرآن على ظاهرها واعتبروا الأيام عادية. وبعضهم علّل ذلك بأن الله مع قدرته على خلق جميع ما خلق في الأيام الستة بمجرد تعلق إرادته به فإنه أراد بذلك تعليم عباده التأني والتدرّج (٤). ومنهم من جال في كيفيات وماهيات خلق السموات والأرض وما فيهما خلال الأيام الستة في سياق آيات سورة فصلت هذه بخاصة التي تفسح المجال لذلك الجولان : (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)).

ومع تقريرنا واجب الإيمان بكل ما جاء في القرآن وأنه من عند ربنا ما فهمنا

__________________

(١) انظر تفسير آية الأعراف السابق ذكرها في تفسير ابن كثير.

(٢) انظر تفسير آية الأعراف المذكورة سابقا في تفسير محاسن التأويل للقاسمي.

(٣) انظر تفسير آية الأعراف المذكورة سابقا في تفسير المنار ج ٧.

(٤) انظر تفسير آية الأعراف المذكورة سابقا في تفسير البغوي ومجمع البيان للطبرسي مثلا.

٢٤٨

حكمته ومداه وما لم نفهم فإننا نقول : إن الإشارات القرآنية تلهم كما قلنا قبل أن من مقاصدها التذكير بقدرة الله وعظمته أكثر من قصد تقريره المدة والكيفيات لذاتها ، وفي الآية التي نحن في صددها وفي آيات سورة فصلت التي أوردناها دليل قوي على ذلك.

وقد يكون في فكرة السيد رشيد رضا بتأويل اليوم بالتطوّر الزمني في تكوّن مشاهد الكون وصنوف الكائنات الحية وغير الحية شيء كثير من الوجاهة بالنسبة لموضوعية الآيات ، غير أن هذا لم يكن معروفا على الوجه الذي عرف به في القرون الحديثة في زمن النبي عليه‌السلام ، ولا نريد أن نسلّم بأن القرآن احتوى إشارات إلى أمور فنية وعلمية لم تكن معروفة ولا مدركة على حقيقتها من قبل النبي عليه‌السلام وسامعي القرآن ، ونرى هذا مما لا تتحمله أهداف القرآن ولا عباراته من جهة ومما فيه إخراج له من نطاقه الإرشادي إلى مجال البحث والنقد من جهة أخرى.

ومن الممكن أن نضيف إلى ما قلناه : إن مشاهد الكون ونواميسه في القرآن من قسم الوسائل التدعيمية لمبادئ الدعوة وبخاصة لحقيقة عظمة الله ووحدته وقدرته الشاملة وأن الأولى أن يوقف عند ما اقتضت حكمة التنزيل إيحاءه فيها بالأساليب التي اقتضتها هذه الحكمة بدون تزيد ولا تخمين. ولقد قلنا أكثر من مرة في مناسبات سابقة : إن هذه الوسائل تكون أقوى على تحقيق غايتها حين يكون موضوعها مما يعرفه السامعون وخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان روح الله قبل ذلك يرفّ على وجه الماء مما ورد كما قلنا في سفر التكوين الذي كان من جملة الأسفار المتداولة بين أيدي الكتابيين في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ومما لا ريب فيه أن سامعي القرآن العرب كانوا أو كان كثير منهم يعرفون ذلك عن طريق الكتابيين. فالمتبادر أن حكمة الله اقتضت أن يذكر ذلك بصورة موجزة لما فيه من تماثل مع ما يعرفه السامعون لتدعيم المبدأ القرآني المحكم ، وهو وجود واجب الوجود وشمول قدرته وربوبيته وكونه الذي خلق الكون. والذي يسير بتدبيره ونواميسه التي أودعها فيه ، وإننا لنرجو أن يكون في هذا الصواب ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

٢٤٩

تعليق على مدى العبارات القرآنية

في تعيين أوقات الصلوات

وقد علّق بعض المفسرين على ما احتوته الآيات [٣٩ و ٤٠] من ذكر أوقات التسبيح التي أمر النبي بالتسبيح فيها بحمد ربّه فقال : إنها بصدد أوقات الصلوات الخمس. ولقد تكرر الأمر والحثّ على ذكر الله وقراءة القرآن وإقامة الصلوات مقرونا بذكر أوقات معينة من الليل والنهار كما في آية سورة هود هذه : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)) وفي آيات سورة الإسراء هذه : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩)) وفي آية سورة طه هذه : (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠)) ومع أن المتبادر من روح الآيات هو قصد الأمر بذكر الله وعبادته في جميع الأوقات فإن مما يحتمل أيضا أن يكون قد انطوى فيها قصد الصلوات الخمس المفروضة وأوقاتها. وإذا صحّ هذا ففيه دلالة على أن الصلوات الخمس في الليل والنهار مما كان ممارسا منذ عهد مبكر من البعثة ، أو على الأقل فيه دلالة على أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين كانوا يقيمون الصلاة في أوقات عديدة في الليل والنهار منذ أوائل البعثة إذا صح أن الصلوات الخمس لم تفرض فرضا محددا إلّا في ظروف الإسراء ، على ما شرحناه في سياق سورتي العلق والنجم.

وواضح من آيات هذه السورة والآيات الأخرى التي أوردناها آنفا أنها لا تحتوي أسماء الأوقات صراحة ولا تحددها تحديدا معينا وقاطعا. وهذا ما تكفلت به السنّة النبوية التي تكفلت بشرح وتحديد كثير من التعليمات والتشريعات والخطوط القرآنية.

٢٥٠

تعليق على ما يمده ذكر الله وتسبيحه وعبادته للمؤمن

من قوة معنوية تساعده على مواجهة الملمات

ويلحظ أن الأمر بتسبيح الله في الآيات مسبوق بأمر النّبي بالصّبر على ما يقوله الكفار من أقوال مثيرة للشجن ، وعلى ما يقفونه من مواقف الجحود واللجاج. وهذا ما يلحظ في آية سورة طه أيضا ؛ بل إن هذا ملحوظ في السياق الذي يسبق آيات سورة الإسراء كما ترى في هاتين الآيتين اللتين سبقتا تلك الآيات (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً (٧٧)) كما هو ملحوظ أيضا في السياق الذي يسبق آية سورة هود ، كما ترى في هاتين الآيتين : (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣)) وينطوي في هذا تلقين روحاني رائع وهو أن ذكر الله سبحانه وتعالى وتسبيحه والوقوف بين يديه في الأوقات التي يلمّ فيها بالمؤمن غمّ وهمّ من شأنه أن يشرح صدره ويمدّه بقوّة معنوية كبيرة تتضاءل معها خطوب الدنيا وهمومها. وهذا مما انطوى في الآيتين الأخيرتين لسورتي العلق والشرح على ما ذكرناه تعليقا عليهما.

ولقد روى البخاري ومسلم في سياق الآية عن جرير بن عبد الله قال : «كنا جلوسا عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلة فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال : إنكم سترون ربّكم كما ترون هذا. لا تضامون في رؤيته. فإن استطعتم ألّا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) (١).

وفي الحديث توضيح تدعيمي لكون التسبيح المأمور به في الآيات هو الصلاة أو كون الصلاة من جملة ذلك.

__________________

(١) التاج ج ٤ ص ٢١٧.

٢٥١

ولقد أوردنا هذا الحديث في سياق تعليقنا على مسألة رؤية الله تعالى في سورة القيامة. ونقول بمناسبة وروده في سياق هذه الآية إن الحكمة النبوية الملموحة في هذا الحديث هي جعل المؤمنين يهتمون اهتماما عظيما لأداء الصلوات في أوقاتها رجاء نيل رضوان الله تعالى وفي ذلك عميم الخير في الدنيا والآخرة معا.

معنى توالي السور التي احتوت

توكيد البعث والحساب

هذا ويلحظ أن السورة منصبة في الدرجة الأولى على توكيد البعث الأخروي والتبشير والإنذار به. وهو مما انصبّت عليه سور المرسلات والقيامة والقارعة السابقة بالتوالي لهذه السورة فضلا عن احتواء أكثر السور السابقة فصولا إنذارية وتبشيرية وتوكيدية به.

وفي كل هذا توكيد لما قلناه في سياق تفسير العلق من أن الحياة الأخروية كانت من أهم مواضيع الجدل والحجاج بين النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والكفار من جهة ، ومن أهم وسائل التدعيم للدعوة النبوية وإنذارا وتبشيرا وترغيبا وترهيبا وعظة وتذكيرا من جهة أخرى منذ بدء التنزيل القرآني.

خبر عن تلاوة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم

هذه السورة أيام الجمع

ولقد أورد ابن كثير حديثا رواه الإمام أحمد ومسلم عن أم هشام بنت حارثة قالت : «لقد كان تنورنا وتنور النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم واحدا سنتين أو سنة وبعض سنة وما أخذت (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) إلّا على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقرأها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس». وعلّل ابن كثير ذلك بسبب اشتمال السورة على بدء الخلق والبعث والنشور والمعاد والقيام والحساب والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب.

٢٥٢

سورة البلد

في السورة تنديد بالذين يقفون موقف المشاقّة والمشاكسة ويتباهون بأموالهم غير حاسبين حساب العاقبة. وتقرير لقابلية الإنسان للاختيار بين الخير والشر.

وحثّ على الإيمان والتواصي بالصبر والمرحمة والمكرمات الأخرى وفي مقدمتها عتق الرقيق. وأسلوبها عام إجمالا.

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)) [١ ـ ١٠]

(١) البلد : المقصود منها مكة على ما هو جمهور المفسرين.

(٢) حلّ : تعددت أقوال المفسرين في تأويل الكلمة (١) ، منها أنها بمعنى الحالّ المقيم وأن الآية بسبيل التنويه بشرف مكة بحلول النبي عليه‌السلام أو بعثته فيها. ومن ذلك التحليل ـ ضد التحريم وأن الآية بسبيل التنديد بأهل مكة الذين يستحلّون أذى النبي والمؤمنين وإخراجهم ومناوأة دعوة الله في البلد الذي حرّم فيه الظلم. ومن ذلك أن النبي في حلّ مما يفعله في مكة مما هو محرّم على غيره من قتال.

__________________

(١) انظر كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والنسفي والنيسابوري إلخ.

٢٥٣

ونحن نرجّح المعنى الأول لأنه متساوق مع مفهوم القسم الذي بدأت به السورة فالله سبحانه يقسم بمكة التي شرّفها الله بحلول النبي أو بعثته فيها. أما الرأي الثالثة فقد ذكره معظم المفسرين ناقلا بعضهم عن بعض على الأغلب. ورغم ذلك نراه غريبا. فإن تحليل الله القتال لنبيه في مكة كان في السنة الثامنة للهجرة في سياق فتحها. وبين هذه السورة وذلك الحادث سنون طويلة.

(٣) ووالد وما ولد : تعددت الأقوال التي أوردها المفسرون عن هذه الجملة. منها أنها قصدت آدم وذريته. ومنها أنها قصدت إبراهيم وذريته ، ومنها أنها قصدت معناها الطبيعي العام. ولعلّ هذا هو الأوجه.

(٤) كبد : أصل معناها المشقة والشدة. وقد تعددت الأقوال التي أوردها المفسرون في معنى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ) منها أنها في صدد بيان طبيعة الإنسان في المشاقة والمكابدة. ومنها أنها في صدد ما في الإنسان من القوى التي تساعده على تحمّل المشاق. ومنها أن تكون في صدد وصف ما يظل يتعرض له الإنسان من المحن ويندفع فيه من الكد والجهد في الحياة. ومنها أنها بمعنى انتصاب القامة الذي تميّز به الإنسان. ولعلّ الاحتمال الأول هو الأوجه.

(٥) لبدا : كثيرا ومتراكما.

(٦) النجدين : معظم المفسرين على أن النجدين هما طريقا الخير والشرّ. وتكون جملة (وَهَدَيْناهُ) والحالة هذه بمعنى بينّا له.

في الآيات توكيد تقريري وتنديدي بأسلوب القسم لما جبل عليه الإنسان من طبيعة المشاقة والمكابدة ، والاعتداد بقوته وماله ظانا أنه لا يراه أحد ولا يقدر عليه أحد ؛ في حين أن الله قد جعل له عينين ولسانا وشفتين تشهد عليه ويستطيع بها أن يميّز الخير من الشر ، وفي حين أن الله بيّن له معالم طريقي الخير والشر ، وأن الأجدر به أن لا يغترّ ولا يعتدّ ولا يشاقق وأن يختار أفضل الطرق وأقومها.

وقد روى بعض المفسرين أنها نزلت بمناسبة موقف مكابرة وتبجح وقفه أبو الأسد بن كلدة أحد زعماء مكة وأغنياءها وفاخر فيه بما أنفقه من مال في مناوأة

٢٥٤

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (١) وصحة الرواية محتملة ، غير أن أسلوب الآيات عام مطلق ، ويتبادر أن الموقف المروي كان مناسبة لنزول الآيات متضمنة تنديدا عاما بمثل خلق هذا الزعيم وموقفه ، وهذا ما يلحظ في مناسبات كثيرة.

تعليق على عبارة

(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ)

وقد تفيد آية (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ) أن الله قد جبل الإنسان على هذا الطبع غير المستحب ، ولقد احتوى القرآن آيات عديدة أخرى تضمنت التنديد بالطبائع غير المستحبة في الإنسان بأسلوب قد يفيد أن الله قد خلق الإنسان على هذه الطبائع مثل آيات سورة المعارج هذه : (إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١)) وآية سورة الإسراء هذه : (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١)) وآية الكهف هذه : (وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤)) وآيات سورة العاديات هذه : (إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)) وآيات سورة الفجر هذه (كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)) ويلحظ أن الآيات جاءت في معرض التنديد والتقريع للناس بسبب هذه الطباع مما يثير تساؤلا عمّا إذا كان من المعقول أن يندد الله سبحانه بطبائع خلق الإنسان عليها؟ والمتبادر الذي يلهمه تنديد القرآن بهذه الطبائع ويلهمه سياق الآيات وروحها أن هذه الآيات صيغ أسلوبية مما اعتاد الناس أن يخاطبوا بعضهم

__________________

(١) انظر تفسيرها في تفسير مجمع البيان للطبرسي. والمفسر يروي رواية أخرى جاء فيها أن الآية عنت شخصا من المسلمين اسمه الحرث بن عامر أذنب ذنبا فاستفتى النبي فأمره أن يكفّر عنه فقال : ذهب مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد. والرواية الأولى أكثر احتمالا للصحة.

٢٥٥

بعضا بها وأن المقصد الحقيقي منها هو التنديد بما يبدو من كثير من الناس من مثل هذه الأخلاق والطبائع غير المستحبة ، وأنه لا ينبغي حملها على محمل قصد بيان أن الله قد خلق الإنسان أو تعمد خلقه على هذه الطبائع التي ندّد بها في مختلف المناسبات القرآنية ولا سيما أن الله سبحانه قد نبّه في سياق الآية التي نحن في صددها وفي المناسبات المماثلة أن الله بيّن للناس طريقي الخير والشرّ والتقوى والفجور ، وأوجد فيهم قابلية التمييز بينهما وجعلهم مسؤولين عن اختيارهم وسلوكهم إن خيرا فخير وإن شرا فشرّ ؛ مما مرّ منه أمثلة عديدة في المناسبات السابقة.

تعليق على آية

(وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ)

ومع ما قلناه في تأويل آية (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) فإنها تحتمل أن يكون قصد بها أو انطوى فيها إشارة إلى ما أودعه الله عزوجل في الإنسان من عقل يستطيع أن يميز به بين الخير والشرّ ويختار بينهما ، كما تحتمل أن يكون قصد بها أو انطوى فيها إشارة إلى ما في القرآن والدعوة النبوية من تبيان معالم الخير والشر والهدى والضلال والتقوى والفجور ، وهذا الاحتمال لا ينقض ما تضمنته الآيات على كل حال من تقرير قابلية الاختيار في الإنسان ومسؤوليته عن اختياره كما هو واضح.

ولقد روى الطبري حديثا عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في سياق الجملة جاء فيه : «إنما هما نجدان نجد الخير ونجد الشرّ فما جعل نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير».

والمتبادر أن الحديث ينطوي على سؤال تعجبي أو تنديدي للذي يحبّ نجد الشر أكثر من نجد الخير حيث يدعم هذا معنى قابلية الاختيار في الإنسان ومسؤوليته عن اختياره.

تعليق على آيتي (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ)

وقد ذكرنا معنيين لآيات (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ) وهما أن هذه الجوارح أوجدها الله في الإنسان لتشهد على أفعاله أو تجعله يميز بين الخير

٢٥٦

والشر. والمعنى الأول قد ورد بصراحة في آيات أخرى مثل آية سورة النور هذه : (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)) وآية سورة فصلت هذه : (حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)) مما سوف نعلّق عليه موضوعيا في مناسبة الآيات المذكورة.

تلقينات آيات سورة البلد الأولى

والآيات في جملتها قد احتوت تلقينات جليلة مستمرة المدى سواء في تنديدها بخلق المشاقة والمشاكسة أم بخلق التباهي بالمال والاعتداد بالنفس بحيث يظن المرء أنه أمنع من أن ينال بسوء وأقوى من أن يقدر عليه أحد ، وكذلك في تذكيرها ما في الإنسان من مواهب وقوى أودعها الله فيه من الواجب أن يستعملها في ما هو الأفضل والأقوم والأهدى.

(فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)) [١١ الى ٢٠]

(١) فلا : ذكر المفسرون لمعناها احتمالين الأول أن تكون بمعنى (هلا) التحريضية. والثاني أن تكون نافية. وكلا الاحتمالين سائغ. ونحن نرجّح الأول لأنه متسق مع السياق أكثر.

(٢) اقتحم : أقدم بقوة أو هجم على الأمر الصعب وقفز إليه أو اجتازه.

(٣) العقبة : أصل معناها الهضبة ، ويمكن أن تكون كناية عن الصعب الشاق ، وقد روى بعض المفسرين أنها واد في جهنّم ، ونحن نرجّح الكناية المذكورة.

٢٥٧

(٤) فكّ رقبة : كناية عن عتق الرقيق.

(٥) مسغبة : مجاعة.

(٦) مقربة : من ذوي القربى.

(٧) متربة : عوز وحاجة وقيل في تفسير الكلمة إنها تعني شدة الفقر حتى لكأن صاحبها لاصق بالتراب. أو ليس له شيء يقيم فيه أو يأوي إليه إلّا التراب.

(٨) أصحاب الميمنة : قيل إن الميمنة تعني اليمن والحظ السعيد. كما قيل إنها تعني اليمين وإن أصحاب اليمين هم الذين يأخذون كتب أعمالهم في الآخرة بأيمانهم وينجون. وفي سورة الواقعة جاء تعبير (أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) في آية وجاء تعبير (أَصْحابُ الْيَمِينِ) في آية كأن ذلك تفسير للتعبير الأول. ونتيجة كل من المعنيين واحدة.

(٩) أصحاب المشأمة : قيل إن المشأمة تعني الشؤم والحظ النحس كما قيل إنها تعني الشمال وإن أصحاب الشمال هم الذين يأخذون كتب أعمالهم في الآخرة بشمالهم ويشقون بالعذاب. وفي سورة الواقعة جاء تعبير (أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ) في آية وجاء تعبير (أَصْحابُ الْيَمِينِ) في آية كأنّ ذلك تفسير للتعبير الأول. ونتيجة كل من المعنيين واحدة.

الضمير في «اقتحم» مصروف كما هو المتبادر إلى الإنسان الذي نددت الآيات السابقة به والآيات بهذا الاعتبار متصلة بسابقاتها اتصال تعقيب واستطراد حيث تضمنت تحريضا إيجابيّا على ما هو الأولى عمله بدلا من التباهي بالمال والاعتداد بالنفس وهو أن يقتحم الصعب ويتغلب على ما في نفسه من طباع فينفق ماله في تحرير الرقاب وإطعام فقراء اليتامى والأقارب والمعوزين في أيام المجاعات ؛ فإن من يقدم على هذه المكرمات ويكون في الوقت نفسه مؤمنا بالله عزوجل متضامنا مع المؤمنين في الصبر على المكاره والخطوب وفي المرحمة بالمحتاجين إليها كان ميمون العاقبة فائزا سعيدا في الآخرة. أما الكافرون بآيات الله المبتعدون عن مكارم الأفعال والأخلاق فإنهم سيكونون من أهل الشؤم الخاسرين الذين سوف يلقون في النار وتغلق عليهم أبوابها فتكون مأواهم الخالد.

٢٥٨

والمتبادر أن فكّ الرقاب وإطعام المساكين والبرّ بالأيتام لم تورد في الآيات على سبيل الحصر بما يجب على الإنسان الإقدام عليه من المكرمات ، ولكن تخصيصها بالذكر يدل على أنها من المكرمات المسلّم بأهميتها عند عامة السامعين ، ووصفها بالعقبة الشديدة تنويه بخطورتها كما هو واضح.

التلازم بين العمل الصالح والإيمان أيضا

ويلحظ أن الآيات قد قرنت إلى هذه المكرمات الخطيرة واجب اجتماعها مع الإيمان بالله والتضامن مع المؤمنين في التواصي بالصبر والمرحمة. وفي هذا توكيد لما قرره القرآن المرة بعد المرة من التلازم الذي لا بدّ منه بين الإيمان والعمل الصالح. فلن تنفع أفعال الخير وحدها صاحبها في الآخرة إذا لم يكن مؤمنا بالله عزوجل قائما بواجباته نحوه مما نبهت عليه بعض آيات قرآنية مثل آيات سورة هود هذه (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)) ومما شرحنا حكمته في مناسبة سابقة.

وواضح أن الآيات وهي تنعى على الإنسان الذي تتمثل فيه الطبائع المكروهة وتحرضه على الإقدام على المكرمات بدلا منها مع الإيمان بالله بأسلوبها القوي تتضمن تلقينا مستمر المدى.

تعليق على موضوع الرقيق وموقف

القرآن منه وحثّه على عتقه

وبمناسبة الإشارة إلى فكّ الرقاب والحثّ عليه في هذه الآيات لأول مرة نقول إن طبقة الرقيق كانت موجودة في كل مكان في عصر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وما قبله وليس وجودها خاصا بالمجتمع العربي. ولقد ورد في القرآن آيات عديدة تتضمن عنهم أمورا كثيرة. وقد كان الرقيق كالمال المقوّم يتصرف فيه صاحبه كما يشاء بيعا

٢٥٩

وشراء وهبة واستثمارا وشراكة. وكان من المعتاد أن تستفرش الإماء من قبل سادتهن بدون عقد على أن يكون أبناؤهن أحرارا. أما النسل الذي يكون من تزاوج العبيد والإماء فيظلّ رقيقا (١). ولقد عالج القرآن أمر الرقيق من حيث الموقف الواقعي فحثّ على تحريره وحسن معاملته بمختلف الأساليب والمناسبات كما وضع مبدأ إلغائه عن طريق المنّ والفداء للأسرى حيث كان أسرى الحرب هم منشأ الرقّ على الأغلب عند العرب وغيرهم. فمن ذلك آية في سورة الإنسان تنوّه بالذين يطعمون الأسير وهي : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨)) (٢) وآية في سورة النساء تأمر بالإحسان في معاملتهم في جملة من تأمر بالإحسان في معاملته وهي : (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) [٣٦] وفي سورة النور آية تأمر بالاستجابة إلى المماليك الذين يرغبون شراء أنفسهم وهي : (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ) [٣٣] وقد جعل الله عتق الرقاب كفارة عن القتل الخطأ وعن المظاهرة وعن اليمين في هذه الآيات : (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [٩٢] من سورة النساء و (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) من سورة المجادلة [٣] و (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [٨٩] من سورة المائدة. وفي سورة البقرة آية حثّت على الإنفاق في سبيل تحرير الرقاب وهي (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي

__________________

(١) انظر كتابنا عصر النبي عليه‌السلام وبيئته قبل البعثة ص ٢٣٠ ـ ٢٣٦.

(٢) كانت كلمة الأسير تعني المملوك. والأسر هو سبيل التملك على الأعمّ الأغلب.

٢٦٠