مفاهيم القرآن - ج ١

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

التذلّل ، بل هي من خصائص من بيده شؤون الإنسان كلها ، أو شأناً من شؤونه مما به قوام حياته عاجلاً أو آجلاً من الموت والحياة ، والخلق والرزق ، والسعادة والشقاء ، والمغفرة والشفاعة ، فيدير شؤونه ويخطط مصيره حسب ما يليق به.

غير أنّ هذه الجمل ليست بتفصيلها داخلة في « مفهوم » العبادة. ولكنّه يشار إلى تلك الخصوصية الكامنة والضيق الموجود فيها ، بهذه الجمل والتفاصيل ، وحاشا أن تؤخذ هاتيك الجمل فيها بطولها.

وعلى ذلك فيصح أن يقال : العبادة قسم خاص من التواضع والخضوع لفظياً أو عملياً ، (يؤتى به لتعظيم ما يعتقده العابد بإلوهيته) ، وما وقع بين الهلالين وإن كان خارجاً عن مفهوم العبادة ، إلّا أنّه يبيّن ماهو المقصود من القسم الخاص من الخضوع في أوّل العبارة.

ولذلك نظائر في العرف والعادة ، مثلاً :

١. يعرف القوس بأنّه قطعة من الدائرة ، ولا شك أنّه من باب زيادة الحد على المحدود ، إذ لا يعتبر في صدق القوس كونه قطعة من الدائرة ، بل هو يصدق وإن لم يكن قطعة منها (أي من الدائرة) ، إذ هو (أي القوس) عبارة عن سطح يحيط به خيط مستدير ينتهي طرفاه بنقطتين ، من غير اعتبار كونه بعضاً من الدائرة.

إلّا أنّ أخذ هذا القيد ، (أعني : كونه بعض الدائرة ، من باب بيان الخصوصية الموجودة فيه بحيث لو انضم إليه قوس آخر لتحقّقت الدائرة.

٢. إنّ اللغويين يفسرون الصهيل بأنّه صوت الفرس ، والزقزقة بأنّها صوت العصفور ، فليس الفرس والعصفور داخلين في مفهومهما البسيطين ، وإنّما جيء

٤٦١
 &

بقيد الفرس والعصفور ، للإشارة إلى تعيين صوت خاص.

* * *

إلى هنا اتضح أنّ الحق في التعريف هو أن يقال : العبادة هي الخضوع النابع عن الاعتقاد بإلوهية المعبود ، وإلى ذلك يشير آية الله الحجة المرحوم الشيخ محمد جواد البلاغي ، في تفسيره المسمّى بـ « آلاء الرحمن » في معرض تفسيره وتحليله لحقيقة العبادة : العبادة ما يرونه مشعراً بالخضوع لمن يتخذه الخاضع إلهاً ليوفيه بذلك ما يراه له من حق الامتياز بالإلوهية. (١)

لقد صب العلّامة البلاغي ما يدركه فطرياً للعبادة في قالب الألفاظ والبيان. والآيات المذكورة تؤيد صحة هذا التعريف واستقامته.

° التعريف الثاني

العبادة هي الخضوع أمام من يعتقد بأنّه يملك شأناً من شؤون وجوده وحياته وآجله وعاجله.

وتوضيح ذلك : انّ العبودية من شؤون المملوكية ومن مقتضياتها ، فعندما يحس العابد في نفسه بنوع من المملوكية ، ويحس في الطرف الآخر بالمالكية ، يفرغ إحساسه هذا ـ في الخارج ـ في ألفاظ وأعمال خاصة ، وتصير الألفاظ والأعمال تجسيداً لهذا الإحساس ، ويكون كل عمل أو لفظ مظهراً لهذا الإحساس العميق عبادة ، ولا شك أنّ المقصود بالمالكية ليس مطلق المالكية ، فالاعتقاد بالمالكية القانونية والاعتبارية لا يكون ـ أبداً ـ موجباً لصيرورة الخضوع عبادة ، إذ أنّ البشر

__________________

١. آلاء الرحمن : ٥٧ طبعة صيدا ، وقد طبع من هذا التفسير جزءان فقط.

٤٦٢
 &

في عصور : « العبوديات الفردية » بالأمس ، وكذا في عصر : « العبودية الجماعية » الحاضر لا يعد امتثاله لأوامر أسياده عبادة ، فلابد أن يكون المقصود من المملوكية ـ هنا ـ هي القائمة على أساس الخلق والتكوين وأنّ شأناً من شؤون حياته في قبضته.

وإليك بيان مناشئ أنواع المالكيات الحقيقية :

١. قد يوصف بالمالكية لكونه خالقاً ، ولذلك يكون الله سبحانه مالكاً حقيقياً للبشر ، لأنّه خالقه ، وموجده من العدم ، ولهذا نجد القرآن الكريم يعتبر جميع الموجودات الشاعرة ـ مثلاً ـ عبيداً لله ، ويصفه تعالى بأنّه مالكها الحقيقي وذلك لأنّه خلقها إذ يقول :

( إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا ). (١)

ولأجل ذلك أيضاً نجده يأمرهم بعبادة نفسه معلّلاً بأنّه هو ربّهم الذي خلقهم دون سواه ، إذ يقول :

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ). (٢)

( ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ). (٣)

٢. وقد يوصف بالمالكية لكونه رازقاً ومحيياً ومميتاً ، ولذلك يحس كل بشر سليم الفطرة بمملوكيته لله تعالى ، لأنّه مالك حياته ومماته ورزقه ، ولهذا يلفت القرآن نظر البشر إلى مالكية الله لرزق الإنسان وانّه تعالى هو الذي يميته ، وهو

__________________

١. مريم : ٩٣.

٢. البقرة : ٢١.

٣. الأنعام : ١٠٢.

٤٦٣
 &

الذي يحييه ، ليلفته من خلال ذلك إلى أنّ الله هو الذي يستحق العبادة فحسب ، إذ يقول :

( اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ). (١)

( هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ). (٢)

( هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ). (٣)

٣. وقد يوصف بها لكون الشفاعة والمغفرة بيده ، وحيث إنّ الله تعالى هو المالك للشفاعة المطلقة : ( قُل لِّلَّـهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ) (٤) ، ولمغفرة الذنوب ( وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّـهُ ) (٥) ، بحيث لا يملك أن يشفع أحد لأحد من العباد إلّا بإذنه ، لذلك يشعر الإنسان العادي في قرارة ضميره بأنّ الله سبحانه مالك مصيره من حيث السعادة الأُخروية ، وإذا أحس إنسان بمملوكية كهذه ومالكية مثل تلك ثم جسد هذا الإحساس في قالب اللفظ أو العمل فإنّه يكون بذلك عابداً له دون ريب.

وإلى ذلك يرجع ما ربما يفسر العبادة بأنّها الخضوع أمام من يعتقد بربوبيته ، فمن كان خضوعه العملي أو القولي أمام أحد نابعاً من الاعتقاد بربوبية ذلك الطرف كان بذلك عابداً له.

قال آية الله السيد الخوئي في تفسير العبادة بأنّه : إنّما تتحقّق العبادة

__________________

١. الروم : ٤٠.

٢. الروم : ٢٨.

٣. يونس : ٥٦.

٤. الزمر : ٤٤.

٥. آل عمران : ١٣٥.

٤٦٤
 &

بالخضوع لشيء على أنّه ربٌّ يعبد. (١)

فالمقصود من لفظة « الرب » في التعريف هو المالك لشؤون الشيء المتكفّل لتدبيره وتربيته ، وقد أوضحنا معنى الرب في الفصل الثامن.

وعلى ذلك تكون لفظة العبودية في مقابل لفظة الربوبية ، أي مالكية تربية الشيء وتدبيره ، ومصيره عاجلاً وآجلاً.

ويدل على ذلك أنّ قسماً من الآيات تعلّل الأمر بحصر العبادة في الله وحده بأنّه الرب لا غير ، وإليك بعض هذه الآيات :

( وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّـهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ). (٢)

( إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ). (٣)

( إِنَّ اللَّـهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ). (٤)

وقد ورد مضمون هذه الآيات ، أعني : جعل العبادة دائرة مدار الربوبية ، في آيات أُخرى هي :

يونس : ٣ ، الحجر : ٩٩ ، مريم : ٣٦ ، ٦٥ ، الزخرف : ٦٤.

ولأجل ما ذكرناه فسّر آية الله الخوئي العبادة على النحو الذي مرّ عليك.

وعلى كل حال فإنّ أوضح دليل على هذا التفسير للفظ العبادة هو الآيات التي سبق ذكرها.

__________________

١. البيان : ٥٠٣ طبعة عام ١٣٩٤ هـ.

٢. المائدة : ٧٢.

٣. الأنبياء : ٩٢.

٤. آل عمران : ٥١.

٤٦٥
 &

° سؤال وجواب

أمّا السؤال فهو : لا شك أنّ « العبادة » مفهوم بسيط وجداني ، فكيف يفسر هذا المفهوم البسيط بهذا التعريف المفصّل ؟ وبعبارة أُخرى : لو قلنا بدخول مفهوم « الرب » في مفهوم العبادة ، يلزم تتابع إدراج مفاهيم متعددة في مفهوم بسيط وجداني ، فيدخل في مفهومها مفهوم الرب ، والمالكية ، والقسم الخاص من المالكية مما يليق بشأنه تعالى ... وهذا مما لا يقبله الوجدان السليم.

أمّا الجواب : فقد تقدم توضيحه في التعريف الأوّل ، أي تعريف العبادة بالخضوع الناشئ عن الاعتقاد بالإلوهية ، وقلنا : ليس المراد من التعريف أخذ هذه المفاهيم الكثيرة في مفهوم العبادة التي لها مفهوم بسيط ، بل المراد هو إيضاح القسم الخاص من الخضوع الذي يتبادر من لفظ العبادة ، إذ لا شك أنّ العبادة ليست مطلق الخضوع بل القسم الخاص منها ، ولتوضيح هذه الخصوصية نتشبث بهذه الجملة وأشباهها.

° التعريف الثالث

ويمكننا أن نصب إدراكنا للعبادة في قالب ثالث ، فنقول :

إنّ العبادة هي الخضوع ممن يرى نفسه غير مستقل في وجوده وفعله ، أمام من يكون مستقلاً ، وقد وصف الله سبحانه نفسه ـ في غير موضع من كتابه ـ بالقيوم ، فقال عزّ وجل :

( اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ). (١)

__________________

١. البقرة : ٢٥٥ وآل عمران : ٢.

٤٦٦
 &

وقال سبحانه : ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ). (١)

ولا يراد منه سوى كونه قائماً بنفسه ، وليست فيه أيّة شائبة من الفقر والحاجة إلى الغير ، بل كل ما سواه قائم به.

وعلى ذلك فلو خضع واحد منا أمام موجود زاعماً بأنّه مستقل في ذاته أو فعله لصار الخضوع عبادة ، بل لو طلب فعل الله سبحانه من غيره كان هذا الطلب نفسه عبادة وشركاً ، فإنّ الطلب في هاتيك الموارد لا ينفك عن الخضوع ، فالذي يجب التركيز عليه هو أن نعرف ما هو فعل الله سبحانه ، ونميّزه عن فعل غيره حتى لا نقع في ورطة الشرك عند طلب شيء من الأنبياء والأولياء وغيرهم من الناس فنقول :

إنّ من أقسام الشرك هو أن نطلب فعل الله من غيره ، والمعلوم أنّ فعل الله ليس هو مطلق الخلق والتدبير والرزق سواء أكان عن استقلال أم بإذن الله ، لأنّه سبحانه نسبها إلى غيره في القرآن ، بل هو القيام بالفعل مستقلاً من دون استعانة بغيره فلو خضع أحد أمام آخر بما أنّه مستقل في فعله سواء أكان الفعل فعلاً عادياً كالمشي والتكلم ، أم غير عادي كالمعجزات التي كان يقوم بها سيدنا المسيح عليه‌السلام (٢) ، مثلاً ، يعد الخضوع عبادة للمخضوع له.

توضيحه : انّ الله سبحانه غني في فعله ، كما أنّه غني في ذاته عما سواه فهو

__________________

١. طه : ١١١.

٢. كما في الآية ٤٩ من آل عمران : ( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّـهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّـهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ).

٤٦٧
 &

يخلق ويرزق ويحيي ويميت من دون أن يستعين بأحد (١) ، أو يستعين في خلقه بمادة قديمة غير مخلوقة له ، بل الله سبحانه يخلق الجميع بنفسه من دون استعانة بأحد أو بشيء ، فهو يخلق المادة ويصورها كيف شاء ، فلو اعتقدنا أنّ أحداً مستغن في فعله العادي ، وغير العادي عمّن سواه ، وإنّه يقوم بما يريد من دون استعانة أو استمداد من أحد حتى الله سبحانه ، فقد أشركناه مع الله واتخذناه نداً له تعالى.

وصفوة القول هي : إنّ ملاك البحث في هذا التعريف هو : « استقلال الفاعل » في فعله وعدم استقلاله ، والتوحيد بهذا المعنى مما يشترك فيه العالم والجاهل.

نعم ما يدركه المتألّه المثالي من التفاصيل في مورد الاستقلال في المعبود وعدمه في العابد على ضوء الأدلة العقلية والكتاب العزيز مما يدركه غيره أيضاً بفطرته التي خلق عليها ، وعقليته التي نما عليها ، فلا يلزم من اختصاص فهم التفاصيل بهذه الطبقة (أي المتألهين البصيرين) حرمان العرب الجاهليين من فهم معاني العبادة ومشتقاتها الواردة في القرآن ومحاوراتهم العرفية ، فالعبادة بهذا المعنى (أي باعتقاد كون المعبود مستقلاً) يشترك فيه العالم والجاهل ، والكامل وغير الكامل ، غير أنّ كل فرد من الناس يفهمه على قدر ما أُعطي من الفهم والدرك كما قال سبحانه : ( فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ). (٢)

غير أنّ الدارج في ألسن المتكلّمين هو « التفويض » فلنشرح مقاصدهم.

__________________

١. نعم قد سبق منا عند البحث عن التوحيد في الربوبية أنّ كون الله سبحانه لا يستعين ـ في فعله بأحد لا يلازم أن يقوم بنفسه بكل الأُمور ، وبأن تكون ذاته مصدراً للخلق والرزق والإحياء والإماتة من دون أن يتسبب في كل ذلك بالأسباب ، بل معناه أن يكون في فعله ـ سواء في أفعاله المباشرية أو التسبيبية ـ مستغنياً عن غيره ، وإن كانت أفعاله جارية عبر نظام الأسباب والعلل.

٢. الرعد : ١٧.

٤٦٨
 &

٤ ماذا يراد من التفويض ؟

اتّفقت كلمة الموحدين على أنّ الاعتقاد بالتفويض موجب للشرك ، وأنّ الخضوع النابع من ذاك الاعتقاد يعد عبادة للمخضوع له ، والتفويض يتصور في أمرين :

١. تفويض الله تدبير العالم إلى خيار عباده من الملائكة والأنبياء والأولياء ، ويسمّى بالتفويض التكويني.

٢. تفويض الشؤون الإلهية إلى عباده كالتقنين والتشريع ، والمغفرة والشفاعة ممّا يعد من شؤونه سبحانه ، ويسمّى بالتفويض التشريعي.

° أمّا القسم الأوّل

فلا شك أنّه موجب للشرك ، فلو اعتقد أحد بأنّ الله فوض أُمور العالم وتدبيرها من الخلق والرزق والإماتة ونزول الثلج والمطر وغيرها من حوادث العالم إلى ملائكته أو صالحي عباده ، فقد جعلهم أنداداً له سبحانه ، إذ لا يعني من التفويض ، إلّا كونهم مستقلين في أفعالهم ، منقطعين عنه سبحانه فيما يفعلون وما

٤٦٩
 &

يريدون.

وبالجملة : فتفويض التدبير إلى العباد قسم من استقلال العبد في فعله وعمله عمّن سواه ، سواء أكان ذاك الاستقلال في الأفعال الراجعة إلى نفسه كمشيه وتكلّمه ، أم في الأفعال الراجعة إلى تدبير العالم والحوادث الواقعة فيه ، غير أنّه لما كان زعم الاستقلال في أفعال الإنسان العادية بحثاً فلسفياً بحتاً لم يتوجه إليه مشركو الجاهلية ، لذلك خصوا البحث بالاعتقاد باستقلالهم في تدبير العالم.

وإن أصبح الأوّل أيضاً مثار بحث ونقاش في العهود الإسلامية الأُولى ، بحيث قسّم الباحثين إلى جبري وتفويضي.

والخلاصة : أنّ الأمر دائر بين كون العبد ذا فعل بالاستقلال والانقطاع عن الله سبحانه ، أو كونه ذا شأن بأمره تعالى وإذنه ومشيئته ، وليس التفويض أمراً ثالثاً ، بل هو داخل في القسم الأوّل.

وأمّا الاعتقاد بأنّ القدّيسين من الملائكة والجن ، أو النبي والولي مدبّرون للعالم بإذنه ومشيئته ، وأمره وقدرته من دون أن يكونوا مستقلين فيما يفعلون ، أو مفوّضين فيما يصدرون فلا يكون ذاك موجباً للشرك ، بل أمره دائر ـ حينئذ ـ بين كونه صحيحاً مطابقاً للواقع كما في الملائكة ، أو غلطاً مخالفاً للواقع كما في النبي والولي ، فإنّ الأنبياء والأولياء غير واقعين في سلسلة العلل والأسباب ، بل هم كسائر الناس يستفيدون من النظام الطبيعي بحيث يختل عيشهم وحياتهم عند اختلال تلك النظم ، ومعلوم أنّه ليس كل مخالف للواقع يعتبر شركاً إذ عند ذاك يحتل الولي مكان العلّة الطبيعية والنظم المادية ، وليس الاعتقاد بوجود هذا النوع من العلل والأسباب مكان النظم المادية للظاهرة شركاً.

٤٧٠
 &

هذا ومن الجدير بالذكر أنّ مشركي عهد الرسالة كانوا يعتقدون لآلهتهم نوعاً من الاستقلال في الفعل ، وكانوا يتوجهون إليها على هذا الأساس ، وقد مرّ أنّ عمرو بن لحي عندما سافر من مكة إلى الشام ورأى أُناساً يعبدون الأصنام فسألهم عن سبب عبادتهم لها فقالوا له :

هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا. (١)

وقد كان ثمة فريق من الحكماء يعتقدون بأنّ لكل نوع من الأنواع « رب نوع » فوض إليه تدبير نوعه ، وسلمت إليه إدارة الكون التي هي من شأن الله ومن فعله تعالى ، كما أنّ عرب الجاهلية الذين عبدوا الملائكة والكواكب ـ سياراتها وثوابتها ـ إنّما كانوا يعبدونها ، لأنّ أمر الكون وأمر تدبيره قد فوّض إليها ـ كما في زعمهم ـ وإنّ الله عزل عن مقام التدبير عزلاً تامّاً ، فهي مالكة التدبير دون الله ، وبيدها هي دونه ناصية التصرّف ، ولهذا كان يعتبر أيُّ خضوع يجسد هذا الإحساس عبادة ، وسيوافيك عقائد العرب الجاهليين حول معبوداتهم.

° القسم الثاني من التفويض

إذا اعتقدنا بأنّ الله سبحانه فوّض إلى أحد مخلوقيه بعض شؤونه كالتقنين والتشريع ، والشفاعة والمغفرة فقد أشركناه مع الله ، وجعلناه نداً له سبحانه ، كما يقول القرآن الكريم :

( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّـهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّـهِ ). (٢)

ولا ريب أنّ الموجود لا يقدر أن يكون نداً لله سبحانه ، إلّا إذا كان قائماً

__________________

١. سيرة ابن هشام : ١ / ٧٩. وقد مر مفصل هذه القصة في الفصل الثامن : ٣٨٢ من هذا الكتاب.

٢. البقرة : ١٦٥.

٤٧١
 &

بفعل أو شأن من أفعال الله وشؤونه سبحانه « مستقلاً » لا ما إذا قام به بإذن الله وأمره ، إذ لا يكون عند ذاك نداً لله ، بل يكون عبداً مطيعاً له ، مؤتمراً بأمره ، منفذاً لمشيئته تعالى ، هذا وقد كان أخف ألوان الشرك وأنواعه بين اليهود والنصارى والعرب الجاهليين اعتقاد فريق منهم بأنّ الله فوّض حق التقنين والتشريع إلى الرهبان والأحبار كما يقول القرآن الكريم :

( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ ). (١)

وانّ الله فوّض حق الشفاعة والمغفرة التي هي حقوق مختصة بالله إلى أصنامهم ومعبوداتهم ، وأنّ هذه الأصنام والمعبودات مستقلّة في التصرّف في هذه الشؤون ولأجل ذلك كانوا يعبدونها ، لأجل أنّها شفعاؤهم عند الله ، وبأيديها أمر الشفاعة كما يقول سبحانه :

( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّـهِ ). (٢)

ولذلك أصرّت الآيات القرآنية على القول بأنّه لا يشفع أحد إلّا بإذن الله ، فلو كان المشركون يعتقدون بأنّ معبوداتهم تشفع لهم بإذن الله لما كان لهذا الإصرار على مسألة متفق عليها بين المشركين ، أيُّ مبرر ، على أنّ ذلك الفريق من عرب الجاهلية الذين كانوا يعبدون الأصنام ، إنّما كانوا يعبدونها لكونها تملك شفاعتهم ، لا أنَّها خالقة لهم أو مدبّرة للكون ، وعلى أساس هذا التصوّر الباطل كانوا يعبدونها وكانوا يظنون أنّ عبادتهم لها توجب التقرّب إلى الله ، إذ قالوا :

( مَا نَعْبُدُهُمْ إلّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَىٰ اللهِ زُلْفَىٰ ). (٣)

__________________

١. التوبة : ٣١.

٢. يونس : ١٨.

٣. الزمر : ٣.

٤٧٢
 &

° الشيعة الإمامية وفكرة التفويض

لقد شدد علماء الشيعة الإمامية ـ اقتداءً بأئمتهم ـ النكير على كل من يقول بالتفويض ، وعدّوا قائله مشركاً وخارجاً عن ربقة الموحّدين المسلمين.

فها هو العلّامة المجلسي قد عقد ـ في موسوعته المسمّاة بـ « بحار الأنوار » ـ باباً خاصاً أسماه « باب نفي الغلو في النبي والأئمّة وبيان معاني التفويض » سرد فيه مجموعة كبيرة من أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام التي استنكروا فيها قول من يعتقد بالتفويض في شأنهم ، أو في شأن أحد من عباد الله ، كما سرد بعض أقوال علماء الشيعة كالصدوق والمفيد رحمهما الله.

وإليك بعض الأحاديث أوّلاً :

١. في عيون أخبار الرضا ، قال الراوي : سألت الرضا (الإمام علي بن موسى) عليه‌السلام عن التفويض ؟ فقال :

« الغلاة كفّار ، والمفوّضة مشركون ، من جالسهم ، أو واكلهم ، أو شاربهم ، أو واصلهم ، أو زوّجهم ، أو تزوّج منهم ، أو أمنهم ، أو ائتمنهم على شيء ، أو صدّق حديثهم ، أو أعانهم بشطر كلمة ، خرج من ولاية الله عزّ وجل وولاية الرسول ، وولايتنا أهل البيت ». (١)

٢. في عيون أخبار الرضا ، قال الإمام عليه‌السلام :

« من زعم أنّ الله فوّض أمر الخلق والرزق إلى حججه فقد قال بالتفويض ، والقائل بالتفويض مشرك ».

وهناك أحاديث أُخرى صريحة وقاطعة ذكرها ، ونقلها المجلسي في البحار ،

__________________

١. عيون أخبار الرضا : ٣٢٥.

٤٧٣
 &

فمن شاء التوسع فليراجع الجزء ٢٥ من الصفحة ٢٦١ إلى الصفحة ٣٥٠.

ثم إنّ العلّامة المجلسي ذكر ما قاله عالمان كبيران من قدامى علماء الإمامية وأعلامهم حول التفويض ، وها نحن نذكر ما قالاه ـ هنا ـ :

قال الشيخ الصدوق ـ رحمه الله ـ في كتابه : الاعتقادات :

اعتقادنا في الغلاة والمفوّضة أنّهم كفار بالله ـ جل جلاله ـ وانّهم أشرّ من اليهود والنصارى والمجوس ، والقدرية والحرورية ، ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلّة ، وانّه ما صغَّر الله جلّ جلاله تصغيرهم شيء ، وقال الله تعالى : ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّـهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّـهِ وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (١) وقال عزّ وجل : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ إِلَّا الْحَقَّ ). (٢)

ثم أضاف الشيخ الصدوق قائلاً :

« وكان الرضا (علي بن موسى) عليه‌السلام يقول في دعائه :

« اللهم إنّي أبرأ إليك من الحول والقوّة ، فلا حول ولا قوّة إلّا بك. اللّهم إنّي أبرأ إليك من الذين ادّعوا لنا ما ليس لنا بحق. اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا. اللّهم لك الخلق ومنك الأمر وإيّاك نعبد وإياك نستعين اللّهمّ أنت خالقنا وخالق آبائنا الأوّلين وآبائنا الآخرين اللّهم لا تليق الربوبية إلّا

__________________

١. آل عمران : ٧٩ و ٨٠.

٢. النساء : ١٧١.

٤٧٤
 &

بك ، ولا تصلح الإلهية إلّا لك ، فالعن النصارى الذين صغّروا عظمتك ، والعن المضاهئين لقولهم من بريتك ، اللّهمّ انّا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، اللّهم من زعم أنّا أرباب فنحن منه براء ، ومن زعم أنَّ إلينا الخلق وعلينا [ أو إلينا ] الرزق فنحن براء منه كبراءة عيسى بن مريم عليه‌السلام من النصارى ، اللّهم انّا لم ندعهم إلى ما يزعمون فلا تؤاخذنا بما يقولون ، واغفر لنا ما يدّعون ولا تدع منهم على الأرض دياراً ، إنّك إن تذرهم يضلُّوا عبادك ولا يلدوا إلّا فاجراً كفارا ».

وروي عن زرارة إنّه قال : قلت للصادق [ جعفر بن محمد ] عليه‌السلام : إنّ رجلاً يقول بالتفويض ، قال : « وما التفويض ؟ » قلت : يقول : إنّ الله تبارك وتعالى خلق محمداً وعلياً صلوات الله عليهما ففوّض [ ثم فوض ] الأمر إليهما فخلقا ورزقا وأماتا وأحييا !! فقال عليه‌السلام : « كذب عدو الله ، إذا انصرفت إليه فاتل عليه هذه الآية التي في سورة الرعد : ( أَمْ جَعَلُوا لِلَّـهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّـهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ). (١)

يقول زرارة : فانصرفت إلى الرجل فأخبرته بكل شيء فكأنّه أُلقم حجراً. (٢)

وقال الشيخ المفيد ـ رحمه الله ـ في كتابه « تصحيح الاعتقاد » في شرح كلام الصدوق المتقدم :

الغلو في اللغة هو تجاوز الحد والخروج عن القصد ، قال الله تعالى : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ إِلَّا الْحَقَّ ) (٣) ، فمنع عن تجاوز

__________________

١. الرعد : ١٦.

٢. اعتقادات الصدوق : ١٠٩ ـ ١١٠.

٣. النساء : ١٧١.

٤٧٥
 &

الحد في المسيح وحذر من الخروج من القصد في القول ، وجعل ما ادّعته النصارى غلواً لتعدّيه الحق على ما بيّنّاه ، والغلاة من المتظاهرين بالإسلام ، هم الذين نسبوا أمير المؤمنين [ علياً ] والأئمّة من ذريته إلى الإلهية والنبوة ووصفوهم بالفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا من القصد ، وهم ضلّال كفّار ، حكم فيهم أمير المؤمنين بالقتل والتحريق بالنار ، وقضت الأئمّة عليهم بالإكفار والخروج عن الإسلام.

والمفوّضة صنف من الغلاة ، وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة : اعترافهم بحدوث الأئمّة ، وخلقهم ، ونفي القدم عنهم ، وإضافة الخلق والرزق مع ذلك إليهم ودعواهم أنّ الله تعالى تفرّد بخلقهم خاصة ، وانّه فوض إليهم خلق العالم بما فيه وجميع الأفعال ».

ثم قال الشيخ المفيد رحمه‌الله : ويكفي في علامة الغلو نفي القائل به عن الأئمّة : سمات الحدوث ، وحكمه لهم بالإلهية والقدم ، إذ قالوا بما يقتضي ذلك من خلق أعيان الأجسام واختراع الجواهر. (١)

ثم إنّ المجلسي ـ رحمه الله ـ نفسه قال في شرح معاني التفويض ما نصه : وأمّا التفويض فيطلق على معان بعضها منفي وبعضها مثبت :

فالأوّل : التفويض في الخلق والرزق والتربية ، والإماتة والإحياء ، فإنّ قوماً قالوا : إنّ الله تعالى خلقهم [ أي الأئمّة ] وفوّض إليهم أمر الخلق فهم يخلقون ويرزقون ويميتون ويحيون.

وهذا الكلام يحتمل وجهين :

__________________

١. تصحيح الاعتقاد للمفيد : ٦٣ ـ ٦٦.

٤٧٦
 &

أحدهما : أن يقال : أنّهم يفعلون جميع ذلك بقدرتهم وإرادتهم ، وهم الفاعلون حقيقة ، وهذا كفر صريح دلّت على استحالته الأدلة العقلية والنقلية ، ولا يستريب عاقل في كفر من قال به.

وثانيهما : انّ الله يفعل ذلك [ الخلق والرزق إلى آخره ] مقارناً لإرادتهم كشق القمر وإحياء الموتى وقلب العصا حية وغير ذلك من المعجزات ، فإنّ جميع ذلك إنّما يحصل بقدرته تعالى مقارناً لإرادتهم لظهور [ أي لأجل إثبات وإظهار ] صدقهم ، فلا يأبى العقل عن أن يكون الله خلقهم وأكملهم وألهمهم ما يصلح في نظام العالم ثمّ خلق كلّ شيء مقارناً لإرادتهم ومشيئتهم.

ثم قال : وهذا الوجه وإن كان العقل لا يعارضه كفاحاً ، لكن الأخبار السالفة تمنع من القول به في ما عدا المعجزات ظاهراً ، بل صراحة ، مع أنّ القول به قول بما لا يعلم ، إذ لم يرو ذلك في الأخبار المعتبرة في ما نعلم. (١)

ثم قال في معرض تفسيره لقول الله ( قُلِ اللَّـهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) (٢) : يدل هذا على عدم جواز نسبة الخلق إلى الأنبياء والأئمّة ، وكذا قوله : ( هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيْءٍ ) (٣) فإنّه يدل على عدم جواز نسبة الخلق ، والرزق والإماتة والإحياء إلى غيره سبحانه وإنّه شرك.

ثم قال ودلالة تلك الآيات على نفي الغلو والتفويض بالمعاني المذكورة

__________________

١. فما أبعد بين ما ذكره ذلك الوحيد الغواص في بحار علوم أهل البيت ، والغلو المزعوم الذي ربما ينسب إلى مشايخنا وحفّاظ علوم أئمتنا رضوان الله عليهم.

نعم يمكن تفسير المعجزات والكرامات بوجهين آخرين غير ما ذكره قدس سره ، وسيوافيك بيانهما في المستقبل.

٢. الرعد : ١٦.

٣. الروم : ٤٠.

٤٧٧
 &

ظاهرة ، والآيات الدالة على ذلك أكثر من أن تحصى ، إذ جميع آيات الخلق ودلائل التوحيد والآيات الواردة في كفر النصارى وبطلان مذهبهم دالة عليهم (أي على المفوضة). (١)

° لا ملازمة بين التوزيع ونفي الإله الأعلى

إنّ توزيع الإلوهية على صغار الآلهة المتخيّلة أمر باطل عقلاً ونقلاً ، ولا نطيل الكلام بسوق براهينه العقلية وما تدل عليه من الآيات.

ثمّ إنّ توزيع شؤون الإلوهية ـ كما في زعم عرب الجاهلية ـ ما كان يلازم نفي الإله الأعلى القاهر ، بل كان الجاهليون يعتقدون بالإله الأعلى رغم عبادتهم للأصنام واعتقاد توزيع الإلوهية عليها.

لكن الأُستاذ المودودي أبطل فكرة توزيع الإلوهية معللاً بأنّ : هذا التوزيع لا يجتمع مع الاعتقاد بإله أعلى ، حيث قال :

إنّ أهل الجاهلية ما كانوا يعتقدون في آلهتهم أنّ الإلوهية قد توزعت فيما بينهم ، فليس فوقهم إله قاهر ، بل كان لديهم تصوّر واضح لإله كانوا يعبّرون عنه بكلمة الله في لغتهم (٢).

وفي هذا الكلام نظر ، فإنّ الجمع بين قوله : « إنّ الإلوهية توزعت فيما بينهم » وقوله : « فليس فوقهم إله قاهر » يوهم بأنّ القول بتوزيع الإلوهية يلازم القول بنفي الإله القاهر الذي هو فوق الكل ، ولكنّه ليس كذلك ، فإنّ الصابئة الذين ورد ذكرهم في القرآن أثبتوا للشمس : الإلوهية والتدبير مع القول بوجود إله قاهر ،

__________________

١. راجع بحار الأنوار : ٢٥ / ٣٢٠ ـ ٣٥٠.

٢. كتاب المصطلحات الأربعة : ١٩.

٤٧٨
 &

حيث قالوا :

« إنّ الشمس ملك من الملائك ولها نفس وعقل ومنها نور الكواكب وضياء العالم ، وتكون الموجودات السفلية فتستحق التعظيم والسجود والتبخير والدعاء » (١).

وأيّ الوهية أكبر من تكوين الموجودات السفلية التي ينسبها الله سبحانه في القرآن إلى ذاته.

ومن الصابئة من يقول :

« إنّ القمر ملك من الملائك ، يستحق العبادة ، وإليه تدبير هذا العالم السفلي والأُمور الجزئية ، ومنه نضج الأشياء المتكوّنة وإيصالها إلى كمالها » (٢).

وليس لأحد أن يفسر قولهم بأنّ الشمس والقمر كانا ـ في عقيدتهم ـ يحتلان محل العلل الطبيعية ، وانّهما كانا يقومان بنفس الدور لا أكثر ، فإنّ المفروض إنّهم جعلوهما من الملائك وأثبتوا لهما العقل والنفس والتدبير القائم على التفكير ، وهذا يناسب الإلوهية ، وكونهما إلهين ، لا كونهما عللاً طبيعية ، إذ لو كانا عللاً طبيعية لما عبدوهما بتلك العبادة ، فإذن لا مانع من أن يعتقد المشرك ـ في حين اعتقاده بتوزيع شؤون الإلوهية بين صغار الآلهة ـ بوجود إله قاهر ، وهو الذي وزّع الإلوهية ، فالعربي الجاهلي كان يعتقد بتفويض المغفرة والشفاعة إلى أصحاب الأصنام والأوثان ، مع اعتقاده بوجود إله آخر قاهر وأعلى. والمغفرة والشفاعة من شؤون الإلوهية ، والدليل على أنّهم كانوا يعتقدون بالتفويض ، هو إصرار القرآن على القول بأنّه لا شفاعة إلّا بإذن الله سبحانه : ( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا

__________________

١ و ٢. الملل والنحل للشهرستاني : ٢٦٥ ـ ٢٦٦.

٤٧٩
 &

بِإِذْنِهِ ) (١) ، وإنّ الله هو الذي يغفر الذنوب : ( وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّـهُ ) (٢).

وأظن ـ ولعلّه ظن مصيب ـ أنّ للأُستاذ وراء هذا الكلام (توزيع الإلوهية ينافي الاعتقاد بإله آخر) قصداً وهدفاً آخر ، وهو إثبات أنّ الإله في القرآن إنّما هو بمعنى المعبود تبعاً لشيخ منهجه « ابن تيمية » فتوصيف الأصنام بالإلوهية إنّما هو بملاك المعبودية ، لا بملاك انّهم صغار الآلهة ، والله سبحانه كبيرها.

والأُستاذ وتلاميذ مدرسته نزّهوا المشركين عن قولهم بالوهية الأصنام ، وإنّما كانوا يعبدونها من دون أن يتخذوها آلهة صغاراً في مقابل إله قاهر.

أضف إلى ذلك إنّهم شوّهوا بذلك سمعة جمهرة من المسلمين حيث فسروا الآيات الناهية عن اتخاذ الآلهة ، بالنهي عن عبادتها ، لأنّ الإله عندهم بمعنى المعبود ، ثم طبقوا هذه الآيات على توسل المسلمين وزيارتهم لقبور أوليائهم.

فتفسير الآيات الناهية عن اتخاذ الآلهة ، باتخاذ المعبود خبط ، وعلى فرض الصحة فإنّ تطبيقها على توسّلات المسلمين وزيارتهم قبور أوليائهم خبط آخر.

° خلاصة القول

خلاصة القول في المقام أنّ أيَّ عمل ينبع من هذا الاعتقاد (أي الاعتقاد بأنّه إله العالم ، أو ربّه ، أو غني في فعله وانّه مصدر للأفعال الإلهية) ويكون كاشفاً عن هذا النوع من التسليم المطلق يعد عبادة ، ويعتبر صاحبه مشركاً إذا فعل ذلك لغير الله.

ويقابل ذلك : القول والفعل والخضوع غير النابع من هذا الاعتقاد ،

__________________

١. البقرة : ٢٥٥.

٢. آل عمران : ١٣٥.

٤٨٠