مفاهيم القرآن - ج ١

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

الأوقات ـ متمثلة أمام عبدتها بحيث ينظرون إليها في كل حين ، لأجل هذا استعمل الخليل عليه‌السلام لفظة رب في كل الموارد التي حمل فيها على عبادة الكواكب والأجرام فقال مستفهماً : ( هَـٰذَا رَبِّي ) ؟!!

و « رب » في لغة العرب هو المتصرّف والمدبِّر الذي يدبِّر الشيء ويديره ويتحمل أمر تربيته ويتصرف فيه ، وهذه القصة ـ مع ملاحظة كل خصوصياتها ـ دليل على وجود « الشرك الربوبي » في عصر إبراهيم عليه‌السلام.

إنّ الشرك في الربوبية يشبه إلى حد بعيد قصة من يريد أن يحصل على بيت لنفسه ، فيهيّئ كمية كبيرة من المواد الإنشائية ويجعلها تحت تصرف البنّاء والعامل ، ويطلب منهم أن يبنوا له البيت الذي يريد ، ففي هذه الصورة تكون المواد الإنشائية من صاحب العمل ، ولكن تنسيق هذه المواد وتشغيلها والتصرف فيها يتعلّق بالبنّاء والمعمار والعمال الذين أوكل إليهم بناء البيت المذكور على نحو ما يريدون وكيفما شاءوا.

هذا هو أوضح مثال للشرك الربوبي ، ولقد كان القائلون بربوبية الملائكة والجن والأرواح المقدسة يعتقدون بأنّ موجودات هذا العالم من القمر والشمس إلى الحيوان والإنسان إلى الشجر والحجر إنّما هي المواد الإنشائية لهذا العالم ، وإنّ الله فوّض أمر التصرف في هذه المواد ـ بعد أن خلقها ـ إلى هذه الأرباب ثم راحت تشتغل بتدبير الكون والتصرف فيه بالاستقلال وبمطلق الاختيار.

لقد كان هذا الفريق يعتقد أنّ مقام الخلق غير التدبير وأنّ الذي يرتبط بالله إنّما هو الخلق والإيجاد الابتدائي من العدم ، ولكن حيث إنّ الخلق غير التدبير ، فالتدبير يتعلّق بموجودات أُخرى غير الله ، أعني : الموجودات المتصرفة لهذا العالم والتي فوض إليها تدبير عالم الطبيعة ، وليس لله أية مشاركة في أمر تدبير الكون

٣٨١
 &

وإدارته وتنظيم شؤونه ، وتصريفه والتصرف فيه.

٢. لقد دخلت الوثنية في مكة ونواحيها أوّل ما دخلت في صورة « الشرك في الربوبية » ، فقصة « عمرو بن لحي » دليل واضح على أنّ أهل الشام كانوا يعتبرون الأوثان والأصنام مدبّرة لجوانب من الكون.

يكتب ابن هشام في هذا الصدد :

كان « عمرو بن لحي » أول من أدخل الوثنية إلى مكة ونواحيها ، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الأوثان ، وعندما سألهم عمّا يفعلون قائلاً : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها ؟

قالوا : هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا.

فقال لهم : أفلا تعطونني منها فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه.

وهكذا استحسن طريقتهم واستصحب معه إلى مكة صنماً كبيراً باسم « هبل » ، ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة ، ودعا الناس إلى عبادتها. (١)

إذن فاستمطار المطر من هذه الأوثان والاستعانة بها يكشف عن أنّ بعض المشركين كانوا يعتقدون بأنّ لهذه الأوثان مشاركة في تدبير شؤون الكون وحياة الإنسان.

على أنّه ينبغي أن لا يتصوّر أحد بأنّهم كانوا يعتبرون هذه الأصنام الحجرية والخشبية هي ذاتها المتصرّفة والمدبِّرة للكون ليقال : ليس هناك من جاهل ـ فضلاً عن عاقل ـ يقول بأنّ هذه الأصنام الجامدة تكون منشأ كل هذه الآثار والحوادث ، بل الحق أنّهم كانوا يعتقدون بأنّ هذه الأصنام الخشبية تمثّل صور الآلهة المدبّرة لهذا

__________________

١. سيرة ابن هشام : ١ / ٧٩.

٣٨٢
 &

العالم التي فوّض إليها إدارة الكون وتصريفه والتصرف فيه ، ولكن حيث إنّ هذه الآلهة المزعومة لم تكن في متناول أيديهم ، وحيث كانت عبادة الموجود البعيد عن متناول الحس واللمس صعب التصور لديهم عمدوا إلى تجسيد تلك الآلهة وتصويرها في أوثان وأصنام ورسوم وأجسام وقوالب من الخشب أو الحجر أو المعدن وراحوا يعبدون الصور والتماثيل عوضاً عن عبادة أصحابها الحقيقين ( وهي الآلهة المزعومة).

ويمكنك أيها القارئ الكريم أن تقف على مفصل هذه الأُمور في الفصل التاسع ، عند البحث عن « التوحيد في العبادة ».

٣. يكتب المفسرون الإسلاميون أنّ « ودّاً » و « سواعاً » و « يغوث » و « يعوق » و « نسراً » كانوا من عباد الله الصالحين ، وكان يتبعهم في ذلك فريق من قومهم ، ولمّا ماتوا ظن فريق بأنّهم لو نظروا إلى صورهم وتماثيلهم لأمكنهم أن يعبدوا الله بنحو أفضل باعتقاد أنّ صورهم تذكرهم بالله ، وبمرور الزمن تحولت هذه الفكرة إلى عبادة تلك الصور والتماثيل ذاتها.

وإليك نص ما كتبه صاحب مجمع البيان في هذا الصدد :

« عن محمد بن كعب أنّ هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح عليهما‌السلام ، فنشأ قوم بعدهم يأخذون مأخذهم في العباد ، فقال لهم إبليس : لو صوّرتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة ، ففعلوا ، فنشأ بعدهم قوم فعبدوهم ، فمبدأ عبادة الأوثان كان ذلك الوقت ». (١)

يقول المحقّق المعاصر الأُستاذ جواد علي في كتاب : « المفصّل » الذي كتبه

__________________

١. مجمع البيان : ١٠ / ٣٦٤ طبع صيدا.

٣٨٣
 &

حول تاريخ العرب قبل الإسلام ، ويقع في ثمانية مجلدات ضخمة استقصى فيها أحوال العرب في كل جوانب الحياة ومجالاتها.

يقول عن اعتقادهم بالنسبة إلى معبوداتهم المزعومة :

إنّ معارفنا عن الأساطير العربية الدينية قليلة جداً ، وهذا ممّا حمل بعض المستشرقين على القول بأنّ العرب لم تكن لهم أساطير دينية عن آلهتهم ، كما كان عند غيرهم من الأُمم كاليونان والرومان والفرس وعند بقية الآريين ، وإذا لم تصل إلينا نصوص دينية جاهلية عن العرب ، صعب علينا تكوين فكرة صحيحة عن مفهوم الدين عند العرب ، وعن كيفية عبادتهم لآلهتهم ، وعن كيفية تصوّرهم للآلهة.

فكلمات مثل ود وسعد (١) وهي أسماء لبعض آلهتهم تفيدنا في فهم عبادة الجاهلين وتفكيرهم في تلك الآلهة. (٢)

٥. لم يكن المتنوّرون والطبقة المثقّفة يعتقدون بمدبّر غير الله ، بل كانوا يعتبرون الأصنام شفعاء توجب عبادتها الزلفى عند الله ، والقربى لديه ، ويدل على هذا الأمر آيات إليك بعضها :

( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّـهِ زُلْفَىٰ ). (٣)

( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّـهُ

__________________

١. التي تكون لها معان تشير إلى صفة الآلهة ، إذ الأوّل يشير إلى أنّه إله المحبة والثاني يشير إلى أنّه إله السعادة.

٢. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام : ٦ / ١٩.

٣. الزمر : ٣.

٣٨٤
 &

فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ). (١)

ولكن مع الاعتراف بهذا المطلب لابد من القول ـ بصراحة ـ بأنّ مفاد هذه الآية لا يمثل اعتقاد الجميع ، بل كان ثمت فريق من الوثنيين يعتقدون في حق آلهتهم ومعبوداتهم المزعومة بأنّها تملك بعض القوى الغيبية ، وأنّها تتصرف في عالم الطبيعة والكون على غرار ما يفعل الآلهة ، خاصة وأنّهم كانوا قد اختاروا معبوداتهم وآلهتهم المزعومة من صفوف الملائكة والجن والأرواح المقدسة.

صحيح أنّ وثنية « العرب الجاهليين » كانت تصرفاً خاطئاً وباطلاً ولم تكن تستند إلى قاعدة فكرية ، ولم تكن على نمط وثنية اليونانيين والروم والفرس التي كانت تقوم على أساس فلسفي ، ولكن بعض أُولئك العرب كانوا في نفس الوقت يعتقدون بربوبية الأوثان ، وهذا ما يستفاد من عدة آيات في هذا المجال.

ولكن قبل أن نعمد إلى نقل نصوص هذه الآيات نرى لزاماً علينا أن نعرف بدقة ماذا تعنيه لفظة رب التي اشتق منها الربوبية.

يقول اللغوي العربي المعروف ابن فارس :

« الرب : المالك ، الخالق ، الصاحب والرب المصلح للشيء يقال : رب فلان ضيعته إذا قام على إصلاحها والرب ، المصلح للشيء ، والله جل ثناؤه الرب ، لأنّه مصلح أحوال خلقه ؛ والراب ، الذي يقوم على أمر الربيب ». (٢)

ويكتب الفيروزآبادي قائلاً :

« رب كل شيء : مالكه ومستحقه وصاحبه ...

__________________

١. يونس : ٣١.

٢. مقاييس اللغة : ٢ / ٣٨١.

٣٨٥
 &

رب الأمر : أصلحه ». (١)

وجاء في المنجد :

« الرب : المالك ، المصلح ، السيد ». (٢)

وما يشابه هذا المعنى في كتب اللغة والقواميس الأُخرى.

° هل للرب معان مختلفة ؟

إنّ وظيفة كتب اللغة والقواميس هي ضبط موارد استعمال اللفظة ، سواء أكان المستعمل فيه هو الذي وضع عليه اللفظة أم لا ، وأمّا تعيين الأوضاع وتمييز الحقائق عن المجازات فخارج عما ترتئيه كتب اللغة.

وهذا هو نقص ملحوظ ومشهود بوضوح في كتب اللغة ومعاجمها ، إذ ما أكثر ما يجد الإنسان عدة معاني متباينة ومتمايزة للفظة واحدة حتى أنّه ليتصور ـ في أوّل وهلة ـ أنّ الواضع العربي جعل هذه اللفظة على عشرة معان في عشرة أوضاع ، ولكن بعد التحقيق والدراسة يتبيّن أنّه ليس لهذه اللفظة سوى معنى واحد لا غير ، وأمّا بقية المعاني المذكورة فهي من شعب المعنى الأصلي.

ومن المصادفات أنّ لفظة رب تعاني من هذا المصير حتى أنّ كاتباً كالمودودي تصور أنّ لهذه اللفظة خمسة معان ـ في الأصل ـ ، وذكر لكل معنى من المعاني الخمسة شواهد من القرآن الكريم.

ولا شك في أنّ لفظة رب استعملت في الكتاب العزيز واللغة في الموارد التالية التي لا تكون إلّا صورة موسعة ومصاديق متعددة لمعنى واحد لا أكثر ،

__________________

١. قاموس اللغة مادة الرب.

٢. المنجد مادة ربب.

٣٨٦
 &

وإليك هذه الموارد والمصاديق :

١. التربية مثل رب الولد ، ربّاه.

٢. الإصلاح والرعاية مثل ربّ الضيعة.

٣. الحكومة والسياسة مثل فلان قد رب قومه ، أي ساسهم وجعلهم ينقادون له.

٤. المالك كما جاء في الخبر عن النبي : صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربّ غنم أم ربّ أبل.

٥. الصاحب مثل قوله : رب الدار ، أو كما يقول القرآن الكريم : ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَـٰذَا الْبَيْتِ ). (١)

لا ريب أنّ هذه اللفظة قد استعملت في هذه الموارد وما يشابهها ولكن جميعها يرجع إلى معنى واحد أصيل ، وما هذه المعاني سوى مصاديق وصور مختلفة لذلك المعنى الأصيل ، وسوى تطبيقات متنوعة لذلك المفهوم الحقيقي الواحد ، أعني : من فوّض إليه أمر الشيء المربي من حيث الإصلاح والتدبير والتربية.

فإذا قيل لصاحب المزرعة إنّه ربها ، فلأجل أنّ إصلاح أُمور المزرعة مرتبط به وفي قبضته.

وإذا أطلقنا على سائس القوم ، صفة الرب ، فلأنّ أُمور ذلك القوم مفوّض إليه فهو قائدهم ، ومالك تدبيرهم ومنظم شؤونهم.

وإذا أطلقنا على صاحب الدار ومالكه اسم الرب ، فلأنّه فوّض إليه أمر تلك الدار وإدارتها والتصرف فيها كما يشاء.

فعلى هذا يكون المربي والمصلح والرئيس والمالك والصاحب وما يشابهها

__________________

١. الإيلاف : ٣.

٣٨٧
 &

مصاديق وصور لمعنى واحد أصيل يوجد في كل هذه المعاني المذكورة ، وينبغي أن لا نعتبرها معاني متمايزة ومختلفة للفظة الرب ، بل المعنى الحقيقي والأصيل للفظة هو : من بيده أمر التدبير والإدارة والتصرف ، وهو مفهوم كلّي ومتحقّق في جميع المصاديق والموارد الخمسة المذكورة (أعني : التربية والإصلاح والحاكمية والمالكية والصاحبية).

فإذا أطلق يوسف الصديق عليه‌السلام لفظ الرب على عزيز مصر ، حيث قال : ( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ) (١) ، فلأجل أنّ يوسف تربّى في بيت عزيز مصر وكان العزيز متكفّلاً لتربيته وقائماً بشؤونه.

وإذا وصف عزيز مصر بكونه رباً لصاحبه في السجن فقال : ( أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ) (٢) ، فلأنّ عزيز مصر كان سيد مصر وزعيمها ومدبّر أُمورها ومتصرّفاً في شؤونها ومالكاً لزمامها.

وإذا وصف القرآن اليهود والنصارى بأنّهم اتّخذوا أحبارهم أرباباً ، إذ يقول : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ ) (٣) ، فلأجل أنّهم أعطوهم زمام التشريع واعتبروهم أصحاب سلطة وقدرة فيما يختص بالله.

وإذا وصف الله نفسه بأنّه « رب البيت » ، فلأنّ إليه أُمور هذا البيت مادّيها ومعنويّها ، ولا حق لأحد في التصرف فيه سواه.

وإذا وصف القرآن « الله » بأنّه ( رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (٤) وأنّه ( رَبُّ

__________________

١. يوسف : ٢٣.

٢. يوسف : ٤١.

٣. التوبة : ٣١.

٤. الصافات : ٥.

٣٨٨
 &

الشِّعْرَىٰ ) (١) وما شابه ذلك ، فلأجل أنّه تعالى مدبّرها ومديرها والمتصرّف فيها ومصلح شؤونها والقائم عليها ، وبهذا البيان نكون قد كشفنا القناع عن المعنى الحقيقي للرب ، الذي ورد في مواضع عديدة من الكتاب العزيز.

* * *

إنّ الشائع بين الوهابيين تقسيم التوحيد إلى :

١. التوحيد في الربوبية.

٢. التوحيد في الإلوهية. (٢)

قائلين : إنّ التوحيد في الربوبيّة بمعنى الاعتقاد بخالق واحد لهذا الكون كان موضع اتفاق جميع مشركي عهد الرسالة.

وأمّا التوحيد في الإلوهية فهو التوحيد في العبادة الذي يعني منه أن لا يعبد سوى الله ، وقد انصب جهد الرسول الكريم على هذا الأمر.

والحق أنّ اتفاق جميع مشركي عهد الرسالة في مسألة التوحيد الخالقي ليس موضع شك ، ولكن تسمية التوحيد الخالقي بالتوحيد الربوبي خطأ واشتباه.

وذلك لأنّ معنى « الربوبية » ليس هو الخالقية كما توهم هذا الفريق ، بل هو ـ كما أوضحنا وبيّنّا سلفاً ـ ما يفيد التدبير وإدارة العالم ، وتصريف شؤونه ولم يكن هذا ـ كما بيّنّا ـ موضع اتفاق بين جميع المشركين والوثنيين في عهد الرسالة كما ادّعى هذا الفريق.

نعم كان فريق من مثقفي الجاهليين يعتقدون بعدم مدبّر سوى الله ولكن

__________________

١. النجم : ٤٩.

٢. سيوافيك معنى الالوهية في الفصل التاسع ، ونبين خطأهم في تفسيرها.

٣٨٩
 &

كانت تقابلهم جماعات كبيرة ممّن يعتقدون بتعدّد المدبّر والتدبير ، وهي قضية تستفاد من الآيات القرآنية مضافاً إلى المصادر المتقدمة.

هنا نلفت نظر الوهابيّين الذين يسمّون التوحيد في الخالقية بالتوحيد في الربوبية إلى الآيات التالية ، ليتضح لهم أنّ الدعوة إلى التوحيد في الربوبيّة لا تعني الدعوة إلى التوحيد في الخالقية ، بل هي دعوة إلى « التوحيد في المدبّرية » والتصرف ، وقد كان بين المشركين في ذلك العصر من كان يعاني انحرافاً وشذوذاً في التوحيد الربوبي ، ويعتقد بتعدّد المدبّر رغم كونه معتقداً بوحدة الخالق.

ولا يمكن ـ أبداً ـ أن نفسر الرب في هذه الآيات بالخالق والموجد ، وإليك بعض هذه الآيات :

أ. ( بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ ). (١)

فلو كان المقصود من الرب هنا هو الخالق والموجد ، لكانت جملة ( الَّذِي فَطَرَهُنَّ ) زائدة بدليل أنّنا لو وضعنا لفظة الخالق مكان الرب في الآية للمسنا عدم الاحتياج ـ حينئذ ـ إلى الجملة المذكورة ، أعني : ( الَّذِي فَطَرَهُنَّ ) ، بخلاف ما إذا فسر الرب بالمدبِّر والمتصرف ، ففي هذه الصورة تكون الجملة الأخيرة مطلوبة ، لأنها تكون ـ حينئذ ـ علّة للجملة الأُولى ، فتعني هكذا : أنّ خالق الكون هو المتصرف فيه وهو المالك لتدبيره والقائم بإدارته.

ب. ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ). (٢)

فإنّ لفظة الرب في هذه الآية ليست بمعنى « الخالق » ، وذلك على غرار ما

__________________

١. الأنبياء : ٥٦.

٢. البقرة : ٢١.

٣٩٠
 &

قلناه في الآية المتقدّمة المشابهة لما نحن فيه ، إذ لو كان الرب بمعنى الخالق لما كان لذكر جملة ( الَّذِي خَلَقَكُمْ ) وجه ، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الرب يعني المدبر ، فتكون جملة ( الَّذِي خَلَقَكُمْ ) علّة للتوحيد في الربوبية ، إذ يكون المعنى حينئذ هو : أنّ الذي خلقكم هو مدبِّركم.

ج. ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّـهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ). (١)

وهذه الآية حاكية عن أنَّ مشركي عصر الرسالة كانوا على خلاف مع الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مسألة الربوبية على نحو من الأنحاء ، وأنّ النبي الأعظم كان مكلّفاً بأن يفنّد رأيهم ويبطل عقيدتهم ولا يتخذ غير الله رباً على خلاف ما كانوا عليه ، ومن المحتم أنّ خلاف النبي مع المشركين لم يكن حول مسألة « التوحيد في الخالقية » بدليل أنّ الآيات السابقة تشهد في غير إبهام بأنّهم كانوا يعترفون بأنّه لا خالق سوى الله تعالى ، ولذلك فلا مناص من الإذعان بأنّ الخلاف المذكور كان في غير مسألة الخالقية ، وليست هي إلّا مسألة تدبير الكون ، بعضه أو كلّه.

د. ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ). (٢)

فقد أخذ الله في هذه الآية ـ من جميع البشر ـ الإقرار بالتوحيد الربوبي ، وكانت علّة ذلك هي ما ذكره من أنّه سيحتج على عباده بهذا الميثاق يوم القيامة ، كما يقول :

( أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ

__________________

١. الأنعام : ١٦٤.

٢. الأعراف : ١٧٢.

٣٩١
 &

الْمُبْطِلُونَ ) (١).

إذا تبيَّن هذا فنقول : إنّ نزول هذه الآية في بيئة مشركة دليل ـ ولا شك ـ على وجود فريق معتد به في تلك البيئة كانوا يخالفون هذا الميثاق ، فإذا كانت الربوبية بمعنى الخالقية استلزم ذلك أن يكون في تلك البيئة من يخالفون النبي في الخالقية ، ولكن الفرض هو عدم وجود أي اختلاف في مسألة « توحيد الخالقية » في عصر الرسالة ، فلم يكن المشركون في ذلك العصر مخالفين في هذه المسألة ليعتبروا مخالفين للميثاق المذكور ، فلا محيص ـ حينئذ ـ من أنّ الخلاف كان ـ آنذاك ـ في مسألة تدبير العالم وإدارة الكون.

وبهذا التقرير يكون معنى الرب في الآية المبحوث هنا هو المدبّر.

هـ. ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّـهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ) (٢).

تتعلّق هذه الآية بمؤمن آل فرعون الذي كان يدافع عن النبي موسى عليه‌السلام وراء قناع الصحبة والصداقة لآل فرعون ، ويسعى تحت ستار الموافقة معهم أن يدفع الخطر عن ذلك النبي العظيم ، وأمّا دلالتها على كون الرب بمعنى المدبّر فواضحة ، لأنّ فرعون ما كان يدّعي الخالقية للسماء والأرض ولا الشركة مع الله سبحانه في خلق العالم وإيجاده ، وهذه حقيقة يدلّ عليها تاريخ الفراعنة أيضاً ، وفي هذه الصورة يجب أن يكون المراد من دعوة النبي موسى بقوله : ( رَبِّيَ اللَّـهُ ) هو حصر « التدبير » في الله سبحانه لا مسألة الخلق ، ولو كانت تتعلّق بمسألة الخلق والإيجاد لما كان بينه وبين فرعون أي خلاف ونزاع ، إذ المفروض اعتراف فرعون بخالقية الله ـ كما أسلفنا ـ هذا مضافاً إلى أنّ الله تعالى يقول في الآية السابقة

__________________

١. الأعراف : ١٧٣.

٢. غافر : ٢٨.

٣٩٢
 &

لهذه الآية :

و. ( ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ) (١).

فإنّ التوحيد في الخالقية لم يكن موضع خلاف لتكوين دعوة موسى لبني إسرائيل سبباً لأي تبدّل وتبديل.

ومن هذا البيان يتضح المراد من قول فرعون : ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ) (٢).

ز. ( فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَـٰهًا ) (٣).

إنّ الفتية الذين فرّوا من ذلك الجو الخانق الذي أوجدته طواغيت ذلك الزمان كانوا جماعة يسكنون في مجتمع يعتقد بالوهية غير الله ، ولكن الوهية غير الله ـ في ذلك المجتمع ـ لم تكن في صورة تعدّد الخالق ، خاصة وأنّ واقعة أهل الكهف حدثت بعد ميلاد السيد المسيح حيث كانت عقول البشرية وأفكارها قد تقدّمت في المسائل التوحيدية بشكل ملحوظ وحظيت من الرقي بمقدار معتد به ، ولم يكن يعقل ـ في ظل هذا الرقي الفكري ـ وجود مجتمع منكر لخالقية الله ، أو مشرك فيها ، فلابد أن يقال أنّ شركهم يرجع إلى أمر آخر وهو الاعتقاد بتعدّد المدبّر.

ح. انّ البرهان الواضح على أنّ مقام الربوبية هو مقام المدبّرية وليس الخالقية كما يتوهم ، هو الآية المتكررة في سورة الرحمن :

( فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ).

فقد وردت هذه الآية في السورة المذكورة ٣١ مرة ، وجاءت لفظة رب جنباً

__________________

١. غافر : ٢٦.

٢. النازعات : ٢٤.

٣. الكهف : ١٤.

٣٩٣
 &

إلى جنب مع لفظة الآلاء التي تعني النعم ، وغير خفي أنّ قضية النعمة مع التذكير بمقام ربوبية الله لحياة البشر وحفظها من الفناء أنسب وأكثر انسجاماً ، إذ ذكر النعم (التي هي من شعب التربية الإلهية التي يوليها سبحانه للبشر) يناسب موضوع التربية والتدبير الذي تندرج فيه إدامة النعم وإدامة الإفاضة.

ط. لقد اقترنت مسألة الشكر مع لفظة الرب في خمسة موارد في القرآن الكريم ، والشكر إنّما يكون في مقابل النعمة التي هي سبب بقاء الحياة الإنسانية ودوامها وحفظها من الفناء وصيانتها من الفساد ، وليست حقيقة تدبير الإنسان إلّا إدامة حياته وحفظها من الفساد والفناء.

وإليك هذه الموارد :

( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ). (١)

( وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ). (٢)

( قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ). (٣)

( قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ). (٤)

( كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ). (٥)

__________________

١. إبراهيم : ٧.

٢. النمل : ١٩.

٣. النمل : ٤٠.

٤. الأحقاف : ١٥.

٥. سبأ : ١٥.

٣٩٤
 &

ي. وممّا يدلّ على ما قلنا قوله سبحانه :

( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ). (١)

ومثله في سورة هود الآية ٥٢.

وهكذا : يلاحظ القارئ الكريم كيف جعلت إدارة الكون وتدبير شؤونه تفسيراً للرب : فهو الذي يرسل المطر ، وهو الذي يمدد بالأموال والبنين ، وهو الذي يجعل الجنات ، وهو الذي يجعل الأنهار ، وكلّ هذه الأُمور جوانب وصور من التدبير.

° نتيجة هذا البحث

من هذا البحث الموسّع يمكن أن نستنتج أمرين :

١. أنّ ربوبية الله عبارة عن مدبِّريته تعالى للعالم لا عن خالقيته.

٢. دلّت الآيات المذكورة في هذا البحث على أنّ مسألة « التوحيد في التدبير » لم تكن موضع اتفاق بخلاف مسألة « التوحيد في الخالقية » ، وانّه كان في التاريخ ثمّت فريق يعتقد بمدبّرية غير الله للكون كله أو بعضه ، وكانا يخضعون أمامها باعتقاد أنّها أرباب.

وبما أنّ الربوبية في التشريع غير الربوبية في التكوين ، فيمكن أن يكون بعض الفرق موحداً في الثاني ، ومشركاً في القسم الأوّل ، فاليهود والنصارى تورّطوا في « الشرك الربوبي » التشريعي ، لأنّهم أعطوا زمام التقنين والتشريع إلى الأحبار

__________________

١. نوح : ١٠ ـ ١٢.

٣٩٥
 &

والرهبان وجعلوهم أرباباً من هذه الجهة ، فكأنّه فوَّض أمر التشريع إليهم !!. (١)

فها هو القرآن يقول عنهم :

( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ ). (٢)

( وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ ). (٣)

في حين أنّ الشرك في الربوبية لدى فريق آخر ما كان ينحصر بهذه الدائرة بل تمثل في اسناد تدبير بعض جوانب الكون ، وشؤون العالم إلى الملائكة والجن والأرواح المقدسة أو الأجرام السماوية ، وإن لم نعثر ـ إلى الآن ـ على من يعزى تدبير « كل » جوانب الكون إلى غير الله ، ولكن مسألة الشرك في الربوبية تمثّلت في الأغلب في تسليم « بعض » الأُمور الكونية إلى بعض خيار العباد والمخلوقات.

إنّ الآيات الدّالّة على هذه النتيجة ـ في الحقيقة ـ أكثر من أن يمكن سردها هنا ، لهذا نكتفي بما ذكرنا من الآيات تاركين للقارئ الباحث التفتيش عنها في القرآن الكريم.

° القرآن لا يعترف بمدبِّر سواه

ينص القرآن الكريم ـ بمنتهى الصراحة ـ على أنّ الله سبحانه هو المدبِّر الوحيد للعالم ، وينفي أي تدبير مستقل يكون مظهراً لربوبية غير الله.

( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا

__________________

١. سوف يوافيك في الفصل العاشر أنّ التقنين والتشريع من أفعاله سبحانه ، لا يشترك فيها غيره.

٢. التوبة : ٣١.

٣. آل عمران : ٦٤.

٣٩٦
 &

تَذَكَّرُونَ ). (١)

( اللَّـهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ). (٢)

ففي هاتين الآيتين وما شابههما تستدعي الجمل التالية التأمّل أكثر من أي شيء :

١. ثم استوى على العرش.

٢ يدبّر الأمر.

٣. ما من شفيع إلّا بإذنه.

فنقول توضيحاً لهذه الجمل : ينتقل القرآن الكريم في هاتين الآيتين ـ بعد ذكر مسألة خلق السماوات والأرض ـ إلى مسألة الاستيلاء على العرش ، والهدف من ذلك هو الإشعار بأنّ زمام الكون ـ بعد خلقه ـ بيده تعالى ، ولم يفوّضه إلى غيره ، فهو الآخذ بزمام العالم كما هو خالقه ، دون إهمال أو إيكال أو تفويض.

إنّ الاستيلاء على العرش (والمعني به مطلق عالم الوجود) كناية عن السيطرة الكاملة والتسلّط التام على كل أجزاء الكون ، وتمام عالم الممكنات.

وفي هاتين الآيتين والآيات المشابهة لهما (٣) طرح القرآن ـ بعد موضوع الاستيلاء على العرش ـ موضوع تدبير العالم ليفيد بأنّ المدبِّر هو تعالى ، وليس سواه

__________________

١. يونس : ٣.

٢. الرعد : ٢.

٣. مثل : الأعراف : ٥٤ ، السجدة : ٤ ، الحديد : ٤.

٣٩٧
 &

من مدبِّر.

ثم إنّ النكتة في ذكر شفاعة الشفيع بإذنه سبحانه بعد مسألة حصر التدبير بالله سبحانه هو أنّ المراد منه ـ في المقام ـ هو الشفيع التكويني ، أعني : نظام العلة والمعلول الحاكم على عالم الطبيعة ، فتشير الآية إلى أنّ تأثير أيّة علّة في العوالم العلوية أو السفلية منوطة بالإذن الإلهي كما أسلفنا.

ولأجل ذلك صرح بأنّه « ما من شفيع » أي وسيط مادياً كان أم مجرداً إلّا من بعد إذنه لكي يفيد بأنّ مدبّرية الله المطلقة لا تنافي الاعتقاد بنظام العلية في عالم الطبيعة ، إذ أنّ وجود هذا النظام العلّي السببي نفسه مظهر من مظاهر تدبير الله ، وناشئ عن إرادته العليا ، فالمدبِّر الأصيل والمستقل ليس إلّا هو وحده ، ولا تدبير لسواه إلّا بأمره ومشيئته ، وإنّما أطلق لفظ الشفيع على نظام العلية ، لأنّه من الشفع بمعنى الزوج ، فكأنّ نظام العلية يتسبب في إيجاد آثاره وظواهره بالإنضمام إلى إرادة الله ومشيئته ، فكل علّة مشفوعة إلى إرادته وإذنه سبحانه تكون مؤثرة.

ولو أُريد من الشفيع الشفاعة التشريعية ، فهو أيضاً داخل في إطار تدبيره سبحانه ، فلا يشفع شفيع في الدنيا والآخرة في حق عباده إلّا بإذنه سبحانه.

* * *

وربما يتصور البعض أنّ القرآن الكريم طرح مسألة « التوحيد في الربوبية » دون أن يقيم عليها أي برهان ، في حين أنّ القرآن أثبت هذا المطلب بالبراهين الواضحة القاطعة.

وإليك فيما يلي بعض هذه الأدلة.

٣٩٨
 &

° ١. التدبير لا ينفك عن الخلق

إنّ النقطة الأساسية في خطأ المشركين تتمثل في أنّهم قاسوا تدبير عالم الكون بتدبير أُمور عائلة أو مؤسسة وتصوروا أنّهما من نوع واحد.

إنّ تدبيره سبحانه لهذا العالم ليس كتدبير حاكم البلد بالنسبة إلى مواطنيه أو رب البيت بالنسبة إلى أهله حيث إنّ ذاك التدبير يتم بإصدار الأوامر ، في حين أنّ التدبير الإلهي هو إدامة الخلق والإيجاد ، وقد سبق أنّ الخالقية منحصرة بالله سبحانه.

فالفريق الذي يعتقد بأنّ الله تعالى هو الخالق الوحيد يجب عليه أيضاً أن يعتقد بأنّه تعالى هو « المدبّر الوحيد » لكون التدبير خلقاً بعد خلق وهو فعل الله خاصة.

توضيح ذلك : أنّ النظام الإمكاني ـ بحكم كونه فقيراً ممكناً ـ فاقد للوجود الذاتي ، فإنّ فقره هذا ليس منحصراً في وجوده في بدء تحقّقه ، وإنّما يستمر هذا الفقر معه في جميع الأزمنة والأمكنة ، كما أنّ فقره ليس منحصراً في أصل وجوده ، فحسب بل هو محتاج حتى في علاقاته وروابطه وتأثيراته مع الموجودات الأُخرى وانسجامه مع مجموع العالم.

وليس التدبير إلّا إفاضة الوجود وإعطاء « القدرة على التأثير » للشيء الممكن ، ثمّ إنّ وجود النظام الإمكاني كما أنّه مفاض عليه من جانب الله سبحانه ، فكذلك تدبيره وإدارة وجوده تقوم به سبحانه وليس هذا إلّا نوع من الخلق.

وإذ ليس هناك من خالق سواه سبحانه ، فليس هناك مدبِّر سواه أيضاً ، وبذلك يستلزم الاعتراف بوحدة الخالق ، الاعتراف بوحدة المدبِّر.

٣٩٩
 &

فإنّ « تدبير » الوردة ليس إلّا تقوّمها من المواد السكرية في الأرض ثم توليدها الأوكسجين في الهواء ، إلى غير ذلك من عشرات الأعمال الفيزيائية والكيميائية في ذاتها ، وليس هذا إلّا شعبة من الخلق.

ومثلها ، الجنين منذ تكونه في رحم الأُم ، فهو لم يزل يمر بالتفاعلات حتى يخرج من بطن الأُم ، وليست هذه التفاعلات إلّا شعبة من عملية الخلق وفرع منه وإيجاد بعد إيجاد.

ويمكن تقرير هذا المطلب بصورة أُخرى بأن نقول :

إنّ التدبير مأخوذ من مادة دبّر أي تابع وواصل وعقب ، وحقيقة التدبير ليست إلّا لأنّ خالق العالم جعل الأسباب والعلل بحيث تأتي المعاليل والمسببات دبر الأسباب وعقيب العلل بحيث تأتي أجزاء الكون وراء بعضها تباعاً وبحيث يؤثر بعضها في البعض الآخر حتى يصل كل موجود إلى كماله المناسب وهدفه المطلوب ، فإذا كان المراد من « التدبير » هو هذا ، فهو بعينه عبارة عن مسألة الخلق ، ومع هذا كيف يجوز أن نعتقد بأنّ التدبير مغاير للخلق ونعتبرهما أمرين مختلفين.

ولذا يذكر القرآن الكريم ـ بعد ذكر مسألة الخلق للسماوات والأرض ـ مسألة تسخير الشمس والقمر (١) الذي هو من التدبير ، ومن هذا الطريق يوقفنا القرآن الكريم على حقيقة التدبير الذي هو نوع من الخلق.

° وحدة النظام دليل على وحدة المدبِّر

في البحث السابق تحدّثنا عن وحدة نظام الكون ، وأثبتنا بوضوح أنّ مطالعة كل صفحة من صفحات هذا الكتاب التكويني العظيم تقودنا إلى نظام موحد ،

__________________

١. الأعراف : ٥٤ ، الرعد : ٣.

٤٠٠