مفاهيم القرآن - ج ١

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

أي الشعور الديني الفطري ، واحدة من السخافات والمهازل.

إنّ وجود البعد الرابع في الروح الإنسانية يثبت أنّ لجميع الميول الدينية عند الإنسان جذوراً ضاربة في أعماق الوجدان ، وقد تجلى هذا الشعور في جميع أدوار الحياة البشرية حتى في تلكم الأدوار والمناطق التي لم تكن فيها مشكلة العامل ورب العمل (١) مطروحة بحال.

فقد كان هذا الشعور يدفع البشر في تلك الأدوار والمناطق إلى الله وإلى ما وراء الطبيعة.

كما أنّ آثار الشعور الديني لم تختف عن الكهوف والمغارات التي كان يسكنها الإنسان الأوّل.

هذا ونظائره يكشف بوضوح عن ملازمة هذا البعد للروح الإنسانية ملازمة الظل للشاخص ، وملازمة الزوجية للأربعة ... وكأنّ التوجه إلى الله وإلى قضايا ما وراء الطبيعة نشيد غيبي لا يفتأ ينبع من الفطرة الإنسانية ..

نشيد لا يهدأ ...

° الماركسيون وتقديس المبادئ الماركسية

رغم كل الدعايات المستمرة التي يقوم بها الماديون ضد « الدين » ووصمهم له بأنّه من عوامل الجمود والتأخر ، وكونه منافياً للحرية الإنسانية ومانعاً من تقدم

__________________

١. هذا هو رد تلويحي إلى ما يردّده الماديون الماركسيون حول الدين إذ يقولون : إنّ الدين لم يوجد إلّا لإخماد ثورة العمال الكادحين على أرباب العمل.

ولكن بعد أن ثبت أنّ للدين جذوراً في ضمير البشر ، وأنّه كان موجوداً حتى في النقاط التي لم يكن فيها خبر عن العامل ورب العمل لم يعد للنظرية الماركسية حول الدين أية قيمة.

٦١
 &

البشرية في مجالات البناء الفكري والاجتماعي.

رغم كل تلك الدعايات المضادة لم يستطيعوا أن ينبذوا الدين والأفكار الدينية من أدمغة البشر ، أو يقلّلوا من تقديس المجتمعات المؤمنة لمعتقداتها.

وربما عاب الماركسيون على المتدينين ذلك التقديس المفرط لمعتقداتهم والحال إنّ تقديس الماركسيين ـ أنفسهم ـ لمبادئ الماركسية ولمؤسسيها لم يقل ، ولم يختلف عن معاملة المتديّنين لمعتقداتهم وكتبهم السماوية ومن جاء بها.

إنّ الماركسيين يعتبرون أُصول الماركسية وما جاء به وقاله ماركس وانجلز ولينين ، أُموراً صحيحة مائة بالمائة ، ويرون أنّها منزّهة عن أي غلط أو عيب وعارية عن أي اشتباه وخطأ ، وإنّها قطعية لا يأتي الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، ولا يمكن أن تتغيّر أو تتبدل (١) تماماً كما يعتقد المتديِّنون والإلهيون في شأن الوحي والكتب السماوية.

ويكفي لمعرفة مدى تقديس الشيوعيين والماركسيين لشخصياتهم ومؤسسي مبادئهم ما نشرته صحيفة البرافدا الناطقة بلسان الحزب الشيوعي في ٢٦ أبريل ١٩٤٩ م إذ قالت :

نحن نؤمن بثلاثة أشياء : كارل ماركس ، ولينين؛ وستالين ، ولا نؤمن بثلاثة أشياء : الله ، والدين ، والملكية الخاصة.

إنّهم يحرمون أية إعادة نظر في المبادئ والأُصول الماركسية ، ويصمون كل من يحاول ذلك بالردة الفكرية ، والمروق من اللينينية الماركسية ... ويعتبرونه مرتداً حزبياً ، تماماً كما يفعل المتدينون ، إذ يعتبرون الانحراف عن التعاليم النبوية وإنكار

__________________

١. هذا رغم أنّ من أُصول المادية الديالكتيكية هو التغير المستمر في الأشياء !!!

٦٢
 &

بعض الضروريات الدينية سبباً للارتداد ، ويعدون منكرها « مرتدّاً دينياً » ويهدرون دمه.

إنّ الاحترام الذي يلقاه مؤسسو الاشتراكية من قبل أتباعهم لا يختلف كثيراً عن احترام أتباع الديانات الإلهية للأنبياء والرسل إن لم يزدد عليه.

وغاية التفاوت بين السلوكين أنّ أتباع هذه الأحزاب والمبادئ المادية يحترمون قادتهم السياسيين ما داموا يحتلون المناصب ، ففي مثل هذه الفترة تجدهم يصفون قادتهم بأنّهم « ملائكة الرحمة » وأنّهم « محطمو قيود الاستعمار والاستبداد » وأنّهم « ملجأ الجماهير الكادحة » وما إلى ذلك من ألفاظ المديح والثناء.

ولكن ما أن أُقصي هؤلاء القادة من مناصبهم أو حان موتهم وأُودعوا باطن الأرض إلّا ووجدت انعكاس الآية. فإذا بالأسياد المحترمين بالأمس المستحقين لأجمل وأسمى آيات المديح والثناء ، ينهال عليهم كل ما في قاموس الشتائم من سباب واتهامات ، فإذا بالقائد التقدمي يصبح رجعياً ، ضد الكادحين ، سفاكاً ، خرق أُسس الماركسية وتجاوز عليها ، واستهان بآراء الجماهير ، إلى غير ذلك من الاتهامات الرخيصة !!!

وقد وجدنا ووجد العالم كله ـ طوال الفترة التي عشناها ـ نوعين متضادين من الوصف في حق ستالين .. فبينما كان يعد ذات يوم ملاكاً طاهراً مقدساً صار يعد في يوم آخر سفاكاً دموياً إلى درجة أنّ تماثيله أُزيلت من الساحات والميادين العامة في الاتحاد السوفياتي بعد موته (١).

__________________

١. بل وأُريد إخراج جثمانه للحرق انتقاماً ، كما تتحدث عن ذلك بعض الكتب عن الاتحاد السوفياتي.

٦٣
 &

وها نحن اليوم نشاهد بدايات لنفس الموقف في شأن « ماو » ، وسوف لن يمضي زمان طويل إلّا ونجد « ماو » وقد أُصيب بما سبق أن أُصيب به سلفه ستالين المنكود الحظ.

إنّ الاحترام والتعظيم الذي يظهره أتباع الفلسفة المادية لمؤسّسي أُصول الماركسية كماركس وانجلز ، لدليل قاطع على فطرية سلسلة من المفاهيم كالخلود والأبدية.

فهذه المفاهيم صحيحة في حد ذاتها وهي أُمور قطعية مائة بالمائة إلّا أنّ القوم استخدموها في غير مواضعها خطأ. (١)

فبدل أن يستخدموا وصف الخلود والأبدية في حق « الوحي الإلهي » ويعتبروا الانحراف عن ذلك الوحي ارتداداً ، نجدهم وصفوا « الماركسية » بالخلود ونعتوا مؤسسيها بالأبدية فإذا بهم يواجهون ذلك التخبط الذريع.

ولو لم تكن مفاهيم كمفهوم الخلود والأبدية أُموراً فطرية لما راح الماركسيون يطلقونها على هذا أو ذاك حتى ولو خطأ.

ثم إنّنا كثيراً ما نجد الماركسيين يستخدمون في شعاراتهم ونشراتهم ألفاظاً كـ « التضحية والفداء » في حين أنّ هذه المفاهيم لا تتلاءم مع أُصول الماركسية لحصرها الوجود في « العالم المادي » وإنكارها لما وراء ذلك.

وإذا كنا نعلم بأنّ الإنسان لا يعمل شيئاً إلّا لتحقيق منفعة شخصية إلى

__________________

١. يقصد الأُستاذ بأنّ الإيمان الفطري بوجود أُمور خالدة وأبدية أمر صحيح وموجود في باطن البشر ، وأنّ هناك بالفعل أُموراً خالدة وأبدية في الوجود بيد أنّ الماركسيين أخطأوا في استعمال هذه الأوصاف فاستخدموها في غير مواضعها ـ الهادي ـ.

٦٤
 &

درجة أنّ المنافع الاجتماعية أيضاً لا يريدها الإنسان إلّا لمنفعة نفسه ، فلمن يضحي الماركسي ولمن يقدم نفسه فداء وهو لا يعتقد بالآخرة وما فيها من أجر وثواب ؟!

أما يعتقد المنطق الماركسي بأنّ الإنسان يفنى بالموت فناء كاملاً ولا تعود منافعه إليه بعد موته ؟

فماذا تعني التضحية والفداء عند الماركسيين ؟

أليس ذلك يدل على أنّ دوافع التضحية والفداء أُمور فطرية متأصلة في ضمير الإنسان ووجدانه ، وأنّ الماركسيين أخطأوا في طريقة استخدامها ؟

° المعنى الآخر لفطرية الإيمان بالله

وقد تفسر فطرية الإيمان بالله بنحو آخر إذ يقال : يكمن في قرارة كل إنسان عشق للكمال والخير المطلق لم يزل ولا يزال يدفع الإنسان إليه.

فإذا ما وجد الإنسان في نفسه ميلاً شديداً إلى العلم أو إلى الأخلاق أو الفن والجمال ، فإنّ هذا الميل إنّما هو شعبة نابعة من ذلك العشق للكمال ، وإشعاعة من إشعاعاته.

إنّ أوضح دليل على وجود مثل هذا العشق للكمال المطلق في باطن البشر هو أنّ أي كمال مادي لا يروي عطش الإنسان ولا يطفئ ظمأه.

فها هو الإنسان يسعى جهده ليبلغ إلى ما يريده من المناصب الرفيعة ، ويظل يطمح إلى ما هو أعلى وأعلى حتى إذا نال ما أراد ، فكّر في أن يسخّر قمة أعلى ممّا ناله وكلّما ازداد رقياً ازداد عطشاً وظمأ وطموحاً أكثر فأكثر.

كل هذا ـ لو تأملنا ـ دليل واضح على أنّ للإنسان ضالة ينشدها أبداً ،

٦٥
 &

ويبحث عنها باستمرار وقد كان يظنها في الكمالات المادية المزيجة بالنقائص والشرور وأنّها قادرة على إرواء ظمئه وغليله ، ولكنَّه كلّما خطا خطوة جديدة إلى الأمام رأى خلاف ما كان يتصوره ويتوقعه ، ووجده دون ما يهواه ويعشقه.

إنّ عشق الكمال المطلق لدليل ـ حقاً ـ على وجود مثل هذا الكمال ، ولدليل أيضاً على وجود رابطة قائمة بين الإنسان والكمال ذاك.

إنّ الوصول إلى ذلك الكمال وبلوغه يحتاج إلى تفكّر وتدبّر ، وإلى السير في الطريق المؤدّي إليه ، وإلى الرياضة الدؤوبة التي تشعل الجذوة الكامنة في أعماق النفس وتوجد في حناياه شغفاً أكبر وعطشاً أعمق ، وتحوله بالتالي من باحث عن الله إلى واجد لله ، ثم يتحول وجدانه لله إلى الشهود ، واليقين الذي لا ينفذ إليه شك ، ولا يتسلل إليه تردد وارتياب.

إنّ هذا الشهود ليس برؤية العين بل بعين البصيرة التي نوّه عنها في كلام الإمام علي عليه‌السلام إذ قال :

« لم تدركه العيون بمشاهدة العيان ، بل تدركه القلوب بحقائق الإيمان » (١).

إنّ اليقين الحاصل للسالك والعارف في مسألة « وجدان الله » لهو أعلى من اليقين الحاصل من استخدام الجوارح والحواس ، انّه نور لا ظلمة فيه ، ويقين لا شك فيه ، ولا تردد ولا احتمال ولا ظن.

والآن ما هو طريق الوصول إلى مثل هذا الكمال واليقين المطلق والشهود الأعلى ؟

إنّ القرآن الكريم يشير بنحو ما إلى هذا الطريق في آية ، إذ يقول :

__________________

١. نهج البلاغة : شرح محمد عبده ، خطبة ١٧٤.

٦٦
 &

( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (١).

ففي هذه الآية وصفت العبادة والدعاء بكونها طريقاً للوصول إلى هذا اليقين والمعرفة القلبية اليقينية. (٢)

إنّ هذا اليقين هو غير اليقين الذي يحصل لكل العابدين .. إنّ هذا هو ذلك الشهود الذي يكون على غرار اليقين الحاصل من الاحتكاك بالمحسوسات الذي يكون من القوة بحيث يمنع من تطرق أي شك أو ترديد إليه.

وهذا الطريق ليس في وسع كل أحد سلوكه كيفما اتفق ، بل لابد لسلوكه من التهيؤ اللازم الذي لا يوجد إلّا عند القليلين من عباد الله المخلصين.

° الشعور الديني الفطري في الأحاديث

نظراً للأهمية التي تتمتع بها مسألة فطرية الحس الديني في العلوم الإنسانية وردت بعض الأحاديث الصادرة من النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والأئمّة الطاهرين الصادقين عليهم‌السلام التي تتحدث عن ذلك وإليك طائفة منها :

١. صحيح البخاري في تفسير الآية ( فِطْرَتَ اللَّـهِ ... ) نقل الحديث التالي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« ما من مولود إلّا يولد على الفطرة ثم أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو

__________________

١. الحجر : ٩٨ ـ ٩٩.

٢. انّ التفسير المذكور في المتن للآية هو أحد المداليل والأبعاد التي يمكن استخراجها من الآية ولا ينافي تفسير بعض الأحاديث اليقين هنا بالموت.

٦٧
 &

يمجّسانه » ثم قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) (١).

وقد ورد في أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام في تفسير آية الفطرة ما يقارب (١٥) حديثاً فسرت الفطرة بالتوحيد ، وهي تفيد أنّ توحيد الله والإيمان بذاته ووجوده وصفاته ممّا جبل عليه البشر وعجنت به فطرته (٢).

وربما فسرت بعض هذه الأحاديث الفطرة المذكورة في الآية بـ « الإسلام » و « معرفة الله » التي تعود في الحقيقة إلى المعنى السالف.

ونذكر هاهنا كل تلك الأصناف من الروايات مع الإشارة إلى ما هو مكرر منها :

أمّا ما صرح منها بالتوحيد فهي :

٢. سأل هشام بن سالم الإمام الصادق جعفر بن محمد عليهما‌السلام عن معنى الفطرة فقال الإمام :

« فطرهم على التوحيد » (٣).

وقد روى مثل هذا عن الإمام الصادق عليه‌السلام غير هشام كزرارة والعلاء بن فضيل ومحمد الحلبي وعبد الرحمن بن كثير مولى أبي جعفر.

٣. ما رواه زرارة عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما‌السلام حينما سأله قائلاً : أصلحك الله ، قول الله عزّ وجلّ في كتابه : ( فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) فقال الإمام مجيباً :

__________________

١. التاج الجامع للأُصول : ٤ / ١٨٠ ، وتفسير البرهان : ٣ / ٢٦١ ، الحديث ٥.

٢ و ٣. راجع تفسير البرهان : ٣ / ٢٦١ ـ ٢٦٣ ، والتوحيد للصدوق : ٣٢٨ ـ ٣٣١.

٦٨
 &

« فطرهم على التوحيد (١) عند الميثاق على معرفته أنّه ربّهم ». (٢)

وأمّا ما فسرت الفطرة فيه بالمعرفة فهي :

٤. ما عن زرارة أيضاً عن أبي جعفر الإمام محمد بن علي الباقر عليهما‌السلام قال سألته عن قول الله عزّ وجل : ( حُنَفَاءَ لِلَّـهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ ) وعن الحنيفية ، فقال الإمام :

« هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله ».

ثم قال :

« فطرهم الله على المعرفة » (٣).

وقد أوضح الإمام الباقر المقصود بهذه المعرفة في رواية أُخرى رواها زرارة عنه أيضاً لمّا سأله عن نفس الآية فقال عليه‌السلام :

« فطرهم على معرفة أنّه ربهم ، ولولا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربهم ومن رازقهم » (٤).

وأمّا ما فسرت الفطرة بالإسلام فهي :

٥. ما عن عبد الله بن سنان ، عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام لمّا سأله عن قول الله عزّ وجلّ : ( فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) ما تلك الفطرة ؟ قال الإمام :

__________________

١. انّ تفسير الدين المفطور عليه ، في هذه الأحاديث بالتوحيد لا يدل على اختصاص الدين في الآية بالتوحيد خاصة بل أنّ ذكر التوحيد إنّما هو من باب ذكر أظهر المصاديق وأجلاها.

٢ و ٣ و ٤. نفس المصادر السابقة.

٦٩
 &

« هي الإسلام ». (١)

ثم أوضح الإمام نفسه في رواية أُخرى عن عبد الله بن سنان أيضاً المقصود بالإسلام وأنّه هو التوحيد ومعرفة الله إذ قال عليه‌السلام :

« هي الإسلام فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد » (٢).

٦. سأل محمد بن حكيم الإمام الصادق عليه‌السلام عن المعرفة من صنع من هي ؟ فقال عليه‌السلام :

« من صنع الله ، ليس للعباد فيها صنع » (٣).

٧. سأل أبو بصير الإمام الصادق عليه‌السلام فقال الإمام عليه‌السلام :

« نعم وليس للعباد فيها صنع » (٤).

٨. ولقد تعرض الإمام علي عليه‌السلام إلى هذا المطلب « أي فطرية الاعتقاد بالله » في نهج البلاغة في أوّل خطبة فيه عندما ذكر بأنّ الأنبياء أُرسلوا لإثارة دفائن العقول ، أي لإحياء ما هو مرتكز في عقول البشر وما هو كامن في حنايا فطرتهم من الاعتراف بوجود الله والإذعان بإلهيته ، إذ يقول عليه‌السلام :

« فبعث الله فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكروهم منسي نعمته ، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول » (٥).

مع ملاحظة هذا الكلام العلوي يمكننا القول بأنّ المقصود من قول الله

__________________

١ و ٢. المصادر السابقة.

٣. أُصول الكافي : ١ / ٨٥ ، ٩٣ ، ١٦٥.

٤. أُصول الكافي : ١ / ١٦٣.

٥. نهج البلاغة : الخطبة الأُولى.

٧٠
 &

تعالى : ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ) (١) في حق الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو : أن يذكّر الرسول الأكرم الناس بما هو كامن ومودوع ـ أساساً ـ في فطرتهم .. أو أنّ هذا هو أحد أبعاد الآية ومعانيها ـ على الأقل ـ.

٩. ما دار بين رجل والإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما‌السلام .. قال الرجل : يابن رسول الله دلّني على الله ما هو ؟ فقد أكثر عليّ المجادلون وحيّروني.

فقال له الإمام : « يا عبد الله هل ركبت سفينة قط ؟ » قال : نعم ، قال : « فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ، ولا سباحة تغنيك ؟ » قال : نعم.

قال : « فهل تعلَّق قلبك هنالك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك ؟ » قال : نعم.

قال الصادق عليه‌السلام : « فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي ، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث » (٢).

° تنبيه

دلّت الأبحاث الماضية على أنّ للإنسان إدراكات فطرية منذ أن يولد ، وهي تواكب جميع مراحل حياته ، وتتكامل بتكامل وجوده وتتفتح بتفتح مشاعره .. ولكن ربّما يتوهم أنّ هذا منقوض بقوله تعالى :

( وَاللَّـهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (٣).

__________________

١. الغاشية : ٢١.

٢. بحار الأنوار : ٣ / ٤١ ، نقلاً عن معاني الأخبار للشيخ الصدوق.

٣. النحل : ٧٨.

٧١
 &

فهذه الآية تؤيد ما ذهب إليه علماء النفس من خلو صفحة النفس من المعلومات في بدء تكونها ، بلا فرق بين العلوم الفطرية وغيرها.

والجواب عن هذا واضح بعد الوقوف على مقدمة وهي : انّ التصورات والتصديقات إمّا كسبية أو بديهية ، والكسبية إنّما يمكن تحصيلها بواسطة تركيب البديهيات فلابد من سبق هذه العلوم البديهية.

أمّا العلوم البديهية فلم تكن حاصلة في نفوسنا ، بل حصلت هي أيضاً بمعونة الحواس كالسمع والبصر ، فالطفل إذا أبصر أو سمع شيئاً مرّة بعد أُخرى ارتسمت ـ في ذهنه ـ ماهيّة ذلك المبصر أو المسموع ، وكذا القول في بقية الحواس.

فالمدركات على قسمين : ما يكون نفس حضورها موجباً تاماً في جزم الذهن باسناد بعضها إلى بعض كما إذا حضر في الذهن إنّ الواحد ما هو ؟ وانّ نصف الاثنين ما هو ؟ كان حضور هذين التصوّرين في الذهن علّة تامة في جزم الذهن بأنّ الواحد محكوم عليه بأنّه نصف الاثنين وهذا القسم هو عين العلوم البديهية.

والقسم الثاني ما لا يكون كذلك ، وهو العلوم النظرية ، مثلما إذا أُحضر في الذهن انّ الجسم ما هو ؟ وإنّ المحدث ما هو ؟ فإنّ مجرد هذين التصوّرين لا يكفي في جزم الذهن بأنّ الجسم محدث بل لابد فيه من دليل منفصل وعلوم سابقة.

وهذا هو الملاك في تقسيم العلوم إلى بديهية وكسبية (١).

والآية ناظرة إلى العلوم الحصولية التي تنقسم إلى البديهي والنظري لا العلوم الحضورية مثل علم النفس بذاتها ، ولا العلوم الفطرية التي ليس لها إلّا قوة العلم

__________________

١. راجع مفاتيح الغيب للرازي : ٥ / ٣٤٩.

٧٢
 &

وإنّما تنفتح إذا خرج الإنسان إلى هذا العالم واعمل حواسه ، ولامس الحقيقة الخارجية ، فعند ذاك ينقلب ما هو علم بالقوة إلى العلم بالفعل.

وصفوة القول : إنّ هناك في النفس البشرية سلسلة من المعلومات على صورة خمائر تتجلّى وتظهر وتتفتح شيئاً فشيئاً مع مرور الزمن ومع احتكاك الإنسان بالوقائع الخارجية ولا يسمّى هذا علماً فعلياً وإدراكاً حاضراً.

وبالتالي فالآية ناظرة إلى ذلك .. أي انّ الإنسان منذ يخرج من بطن أُمّه ليس فيه علم فعلي ولا ينافي وجود ما يشبه خمائر العلوم التي تحتاج إلى أرضية للتفتح والظهور.

٧٣
 &
٧٤
 &

الفصل الثاني الله وعالم الذر

٧٥
 &



° ما هو عالم الذر وما هو الميثاق ؟

١. استعراض الآيات أوّلاً.

٢. نقاط جديرة بالاهتمام.

٣. آراء العلماء حول « الميثاق في عالم الذر ».

٤. النظرية الأُولى المستندة إلى الأحاديث.

٥. انتقادات على هذه النظرية.

٦. النظرية الثانية.

٧. إشكالات على هذه النظرية.

٨. النظرية الثالثة.

٩. أسئلة حول هذه النظرية.

١٠. بحث حول الأحاديث الواردة في تفسير الآية.

٧٦
 &



° استعراض الآيات أوّلاً

قبل أن نعطي رأينا في حقيقة ذلك العالم وواقع ذلك الميثاق المأخوذ في العالم المذكور ، ولأجل أن نتجنب اتخاذ أي موقف قبل دراسة ومراجعة الآية المرتبطة بهذا الموضوع يتعين علينا استعراض هذه الآية ، أوّلاً ، لكي ندفع القارئ نفسه إلى التأمل فيها والتفكير حولها لمعرفة معنى هذه الآية ومغزاها.

وإليك فيما يأتي نص الآية المتعلّقة بالموضوع مضافاً إلى آيتين لاحقتين لها :

( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (١).

° نقاط جديرة بالاهتمام

١. لقد وردت لفظة (الذرية) في (١٨) موضعاً آخر ما عدا هذا الموضع أيضاً .. والمقصود بها في كل تلك الموارد هو : « النسل البشري » وليس في ذلك خلاف ، انّما وقع الخلاف في أصل هذه اللفظة وانّها مأخوذة من ماذا ؟

__________________

١. الأعراف : ١٧٢ ـ ١٧٤.

٧٧
 &

فذهب فريق إلى أنّ لفظة « الذرية » مشتقة من « الذرء » بمعنى الخلق ، وفي هذه الصورة تكون الذرية بمعنى : المخلوق.

وذهب فريق آخر إلى أنّها مشتقة من « الذر » بمعنى الكائنات الصغيرة الدقيقة جداً كذرات الغبار وصغار النمل.

وذهب فريق ثالث إلى أنّها مأخوذة من « الذرو » أو « الذري » بمعنى التفرّق والانتشار وانّما تطلق « الذرية » على ولد آدم ونسله لتفرقهم على وجه الأرض وأكناف البسيطة (١).

٢. تستعمل لفظة الذرية ـ غالباً ـ في الأولاد الصغار مثل قوله تعالى :

( وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ ) (٢).

وقد تستعمل في مطلق الأولاد مثل قوله سبحانه :

( وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ) (٣).

كما أنّها قد تستعمل في فرد واحد مثل قوله سبحانه :

( هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) (٤).

وفيها يطلب زكريا ولداً صالحاً (٥).

وقد تستعمل في الجمع مثل قوله تعالى :

__________________

١. راجع في هذا الصدد : مفردات الراغب مادة « ذرو » ، ومجمع البيان : ١ / ١٩٩ تفسير آية ( قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ).

٢. البقرة : ٢٦٦.

٣. الأنعام : ٨٤.

٤. آل عمران : ٣٨.

٥. ويؤكد هذا أنّ طلب زكريا تكرر في آية أُخرى بلفظ « ولي » إذ يقول : ( فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (مريم : ٦).

٧٨
 &

( وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ) (١).

٣. يجب المزيد من الدقة والعناية في عبارة الآية ....

فالآية تفيد أنّ الله أخذ من ظهور كل أبناء آدم ، أنسالهم وذرياتهم ، وليس من ظهر آدم وحده.

وذلك بدليل أنّ الله تعالى يقول :

( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ ).

ولم يقل : وإذ أخذ ربك من آدم .. وعلى هذا الأساس فإنّ مفاد هذه الآية هو غير ما هو معروف عند المفسرين الذاهبين إلى أنّ الذرية أُخذت من ظهر آدم فحسب.

٤. تصرح الآية بأنّ الله أخذنا شهداء على أنفسنا ، وأننا جميعاً اعترفنا بأنّه إلهنا ، وانّ هذا الاعتراف كان بحيث لم يبق من ذكراها في ذاكرتنا شيء.

٥. كما تفيد الآية بأنّ هذا الاستيثاق والاستشهاد سيسد باب العذر في يوم القيامة في وجه المبطلين والمشركين ، فلا يحق لهم بأن يدّعوا بأنّهم لم يعطوا مثل هذه الشهادة ، ولم يكن عندهم علم بمثل هذا الميثاق والاعتراف كما يشهد به قوله سبحانه :

( أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ ... ).

من هنا يتخذ المفاد لنفسه شكلاً خاصاً وطابعاً مخصوصاً.

فمن جانب لم يك عندنا أي علم بهذا الميثاق والاعتراف.

__________________

١. الأعراف : ١٧٣.

٧٩
 &

فمن جانب آخر لا يحق لنا أن ندعي الغفلة عن هذا الميثاق ، وعن مثل هذا الإقرار كما تقول الآية :

( أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ).

أي أن لا تقولوا. (١)

في هذه الصورة ينطرح هذا السؤال :

كيف يمكن أن يسد اقرار لا نعلم به هنا أبداً (باب العذر) علينا ؟!

وكيف يمكن أن نلزم بميثاق لا نتذكره وعهد لا نعرف عنه شيئاً ؟!

وبعبارة أُخرى : إنّنا ـ لا شك ـ لا نعلم مثل هذا الميثاق على نحو العلم الحصولي ، في حين أنّ الآية (١٧٢) تقول بمنتهى الصراحة والتأكيد : إنّه لا حق لأحد أن يغفل أو يتغافل عن هذا الميثاق ... فكيف تتلاءم هذه الغفلة وعدم تذكرنا له في هذه الدنيا مع قوله تعالى : ( أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ) ؟

٦. لا شك أنّ الخطاب في هذه الآية أمّا موجه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمّا إلى

__________________

١. إنّ للمفسرين في أمثال هذه الآية مذهبين :

أحدهما : تقدير لا ، ففي مثل قوله سبحانه :

( يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ) (النساء : ١٧٦) قالوا : إنّ المعنى هو أن لا تضلّوا.

فهم جعلوا قوله : ( أَن تَضِلُّوا ) مفعولاً له ليبين ، بنحو « التحصيلي » فيكون المعنى « يبيّن الله لكم لأجل أن لا تضلوا ».

الثاني : عدم تقدير لا وجعل المفعول له من باب « الحصولي » كقول القائل ضربته لسوء أدبه ، أي لوجود هذا وحصوله فعلاً ضربته.

فيكون معنى الآية السابقة هو « يبين الله لوجود الضلالة فيكم » ومنه يعلم حال الآية المبحوثة عنها ، فيجوز فيها وجهان.

٨٠