مفاهيم القرآن - ج ١

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

الموجودات تسبّح لله ، عن شعور وإدراك لا بلسان « الحال » والتكوين كما ذهبت إليه النظريات الأُخرى.

° البرهان العقلي على هذا الرأي

ويمكن إثبات هذا الرأي بالدليل العقلي ، وأُصول « الحكمة المتعالية » (١) وخلاصة ذلك هي : أنّ الوجود ـ في كل مراتبه ـ ملازم للشعور والعلم والوعي ، وكل شيء نال حظاً من الوجود ، فإنّه يتمتع بالوعي والعلم والشعور بقدر ما نال من الوجود.

ويتألّف الدليل الفلسفي لهذا الادّعاء من مقدمتين ونتيجة :

١. انّ ما هو أصيل في الكون ، ومصدر لجميع الآثار والكمالات هو : « الوجود ».

فهو منبع كل فيض معنوي ومادي وهو منشأ كل علم وقدرة وكل إدراك وحياة.

فكل ذلك ناشئ من وجود الأشياء ، بحيث لو انتفى الوجود من البين ، لتوقّفت جميع الحركات وسكنت جميع النشاطات وانعدمت كل الفيوض وآل كل ذلك إلى العدم.

٢. ليس للوجود ـ في كل مراحله من واجب وممكن ومجرد ومادي وعرض وجوهر ـ إلّا حقيقة واحدة لا أكثر.

وحقيقة الوجود وان لم تكن واضحة لنا ولكننا يمكننا أن نتعرف عليها

__________________

١. هذه اللفظة تشير إلى مدرسة شيخ المتألّهين صدر الدين الشيرازي ـ رحمه الله ـ.

٢٦١
 &

بسلسلة من المفاهيم الذهنية ونقول :

إنّ الوجود هو الذي يطرد العدم وتفيض العينية والتحقّق منه للأشياء.

وبعبارة أُخرى : ليست للوجود ـ من أشرفه إلى أخسّه ، من واجبه إلى ممكنه ـ إلّا حقيقة واحدة ، تتفاوت في الشدة والضعف حسب تفاوت مراتبه ودرجاته وليست الشدة إلّا نفس الوجود ، لا أمراً منضماً إليه وليس الضعف إلّا محدودية الوجود.

فللوجود ـ في جميع مراتبه ـ حقيقة واحدة ، ونشير إلى تلك الحقيقة الواحدة بأنّها « طاردة للعدم » أو كونها نفس العينية الخارجية ، وإن كانت لتلك الحقيقة مراتب مختلفة من الشدة والضعف لكن الاشتداد ليس إلّا نفس الوجود لا أمراً زائداً عليه ، كما أنّ الضعف ليس إلّا محدوديته ، لا أمراً ينضم إليه.

فإذا اعتبرنا الوجود منبعاً للكمالات ، وأنّه ليس له إلّا حقيقة واحدة لا أكثر وجب أن نستنتج من تلك المقدمات هذه النتيجة وهي : إذا كان الوجود في مرتبة خاصة من مراتبه ـ كوجود الحيوانات ـ ذا أثر ، وهو العلم والشعور فلابد أن يكون هذا الأثر سارياً في كل المراتب بنسبة ما فيها من الوجود.

وغير هذه الحالة يجب إمّا أن لا يكون الوجود منشأ للكمالات ومنبعاً للآثار وإمّا أن نتصور للوجود حقائق متباينة ، أي أن نعتبر حقيقته في مرتبة الحيوانات متغايرة عما هي في مرتبة النباتات والجمادات.

إذ ليس من المعقول أن يكون لحقيقة واحدة أثر معين في مرتبة دون مرتبة أُخرى منها.

وبتعبير آخر إذا كان الوجود ذا حقائق متباينة جاز أن يكون ذا أثر معين في

٢٦٢
 &

مورد ما بينما يكون فاقداً لذلك الأثر في مورد آخر.

ولكن إذا كانت للوجود حقيقة واحدة ، ولم تختلف مصاديقها إلّا في الشدة والضعف فحينئذ لا معنى لأن يكون الوجود ذا أثر في مرحلة بينما يكون فاقداً لذلك الأثر في مرحلة أُخرى.

هذه هي خلاصة البرهان الفلسفي الذي تحدث عنه المرحوم صدر المتألّهين في مواضع مختلفة من كتبه.

على أنّ ظواهر الآيات القرآنية تؤيد هذه الحقيقة إذ تقول : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ). (١)

° سريان الشعور والعلم الحديث

من حسن الحظ أنّ العلوم الحديثة ـ اليوم ـ أثبتت بفضل جهود المحققين والباحثين : « وجود الوعي والعلم » في عالم النبات إلى درجة أنّ علماء روس اعتقدوا بأنّ للنبات أعصاباً على غرار الإنسان ، وأنّها تصرخ وتظهر من نفسها ردود فعل معينة.

وإليك ما نشرته صحيفة اطلاعات في هذا الصدد :

« كشفت إذاعة موسكو عن نتائج جديدة لتحقيقات علماء روس في عالم النبات حيث قالت : بأنّ العلماء توصلوا مؤخراً إلى أنّ للنباتات أجهزة عصبية شبيهة بالأجهزة في الحيوانات.

ولقد توصل العلماء إلى هذه الحقيقة بعد أن علّقوا أجهزة سمع وبث

__________________

١. الإسراء : ٤٤.

٢٦٣
 &

الكترونية دقيقة على ساق نبات القرع ثم لاحظوا ـ بوضوح ـ ظهور ردود فعل غريبة على ساق النبات المذكور عندما راحوا يقطعون بعض جذوره !!

وفي الوقت ذاته كانت قد أُجريت اختبارات مشابهة في المختبر الفسيولوجي للنبات بأكاديمية العلوم الزراعية أفرزت نتائج مشابهة أيضاً !

ففي هذه الاختبارات وضعوا جذور إحدى النباتات في ماء ساخن فضبطوا على أثره صيحات ألم وأنات صدرت من النبات غير أنّ هذه الأصوات لم تسمع بالطبع بالأُذن المجردة ، وإنّما أجهزة تسجيل الأصوات الالكترونية الدقيقة هي التي التقطت هذه الصرخات ، وسجلتها على أشرطة خاصة ». (١)

__________________

١. جريدة اطلاعات.

٢٦٤
 &

الفصل الخامس الله والتوحيد الذاتي « وانّه لا نظير ولا مثيل له »

٢٦٥
 &



° الله والتوحيد الذاتي

١. أنواع الوحدات.

٢. شهادة الله على وحدانيته سبحانه.

٣. بحث حول كيفية شهادته سبحانه.

٤. إجابة عن سؤال.

٥. وجود الله غير متناه.

٦. عوامل المحدودية منتفية في ذاته تعالى.

٧. اللامحدود لا يتعدد.

٨. سؤال وجواب.

٩. سؤال آخر وجواب.

١٠. أحاديث أئمّة أهل البيت حول وحدانية الله.

١١. وحدة الله ليست وحدة عددية.

١٢. الآلهة الثلاثة أو خرافة التثليث.

١٣. كيف تسرب التثليث إلى النصرانية ؟

١٤. رأي القرآن في التثليث.

١٥. آثار المسيح البشرية.

٢٦٦
 &

التوحيد في الذات

قبل الخوض في دراسة الآيات القرآنية وتحليل الدلائل العقلية والمرتبطة بوحدانية الذات الإلهية المقدسة يلزم أن نذكّر القارئ الكريم بنقاط هي :

١. قلنا فيما تقدم أنّ المحقّقين الإسلاميين اختصروا ولخصوا مراتب التوحيد في أربع هي :

أ. التوحيد الذاتي.

ب. التوحيد الصفاتي.

ج. التوحيد الإفعالي.

د. التوحيد العبادي.

لكن مراتب التوحيد ـ في الحقيقة ـ لا تنحصر في هذه الأقسام الأربعة ، بل ثمة مراتب أُخرى له قد ورد ذكرها في الكتاب العزيز ، وسوف يوافيك شرحها ، وبيانها تدريجياً.

والمقصود من « التوحيد الذاتي » هو أنّ الله لا شريك ولا نظير ولا شبيه ولا مثيل له.

وبتعبير أوضح ، إنّ « التوحيد الذاتي » هو أنّ الذات الإلهية لا تقبل التعدّد

٢٦٧
 &

ولا يمكن أن يتصوّر الذهن مصداقاً وفرداً آخر لله في عالم الخارج ، فالذات الإلهية تكون بحيث لا تقبل التعدّد والتكثّر.

* * *

٢. يتركز اهتمام القرآن ـ في الأغلب ـ على : مسألة « التوحيد الافعالي » و « التوحيد العبادي » وقلّما يهتم القرآن ـ في الظاهر ـ بالتوحيد « الذاتي » والتوحيد في « الصفات » وقلّما يتناولهما بالبحث والبيان.

بيد أنّ الناظر في المفاهيم والمعارف التي يتناولها القرآن الكريم لو أجاد النظر في الآيات القرآنية لوجد أنّ القرآن تعرض للمسألتين الأخيرتين أيضاً ، ولكن في مستويات أرفع يحتاج فهمها واستيعابها واستنتاجها إلى مزيد فحص وإمعان.

* * *

٣. لقد قسّم الفلاسفة الإسلاميون الوحدة إلى أربعة أنواع :

أ. الوحدة الشخصية (العددية).

ب. الوحدة الصنفية.

ج. الوحدة النوعية.

د. الوحدة الجنسية.

ولتوضيح ذلك نقول :

هناك « وحدة شخصية » و « واحد بالشخص » كما أنّ هناك « وحدة صنفية » و « واحداً بالصنف » ثم « وحدة نوعية » و « واحداً بالنوع » كما أنّ هناك « وحدة جنسية » و « واحداً بالجنس ».

٢٦٨
 &

وربما يخلط بينهما وإلى هذا الاختلاط والالتباس يشير الحكيم السبزواري في منظومته الفلسفية قائلاً :

و واحد بالنوع غير النوعي

في مثله التمييز أيضاً مرعي

وعمدة الفرق بين الصورتين أنّ الأمرين اللّذين يقعان تحت الصنف أو النوع الواحد مثلاً يسميان « واحداً بالنوع أو بالصنف أو بالشخص أو بالجنس ».

فزيد وعمرو بما أنّهما داخلان تحت « نوع واحد » وهو « الإنسانية » فهما واحدان بالنوع كما أنّ مفهوم الإنسانية له « وحدة نوعية ».

والإنسان والفرس بما أنّهما داخلان تحت جنس واحد فهما « واحدان بالجنس » أعني الحيوانية ، كما أنّ ذلك المفهوم « أي مفهوم الحيوانية » له وحدة جنسية.

وقس عليه الوحدة الصنفية مثلاً ، فالطالبان بما أنّهما داخلان تحت عنوان طلبة العلم فهما واحدان بالصنف ويكون لمفهوم الطالبية « وحدة صنفية ».

٤. على هذا الأساس لا يمكن ولا يجوز أن نصف الله تعالى بالوحدة العددية بأن نقول الله واحد ليس باثنين.

إذ أنّ هذا التعبير إنّما يجوز استعماله فيما يمكن تصور فرد « ثان » للشيء الموصوف بالوحدانية ، في الخارج ، أو في عالم الذهن ، وان لم يكن للمفهوم المعين سوى مصداق واحد.

ولكن إذا كانت كيفية وجود الشيء بحيث لا يمكن تصور فرد آخر مثيل له أبداً ، كما بالنسبة إلى الله سبحانه ، ففي هذه الصورة لا تتحقق الوحدة العددية مطلقاً ، ولا يصح إطلاقها واستعمالها في مثل هذا المورد بتاتاً.

٢٦٩
 &

إنّ الدلائل العقلية ، التي سنذكر طائفة منها ـ في هذا المقام ـ لتذكرنا وتهدينا إلى النقطة الهامة ، وهي : أنّ الذات الإلهية « حقيقة خارجية » لا تقبل التعدّد والكثرة بأي شكل من الأشكال وحتى لو أمكننا افتراض « ثان » له فإنّه سيكون نفسه لا غيره (١).

هذا مضافاً إلى أنّ الوحدة العددية إنّما تصح إذا اندرج الفرد الواحد المعين تحت ماهية كلية كالفرد أو الفردين من أفراد الإنسان التي تندرج تحت عنوان الإنسان.

وهذا التصور باطل في شأن « الله » ، إذ لا تندرج ذاته سبحانه أبداً تحت أية ماهية كلية.

وبتعبير فلسفي ، إنّ الله منزّه عن الماهية وأن يندرج تحت مفهوم ذاتي.

٥. سنبحث في الفصل التاسع من هذا الكتاب حول لفظة « الإله » و « الله » وسوف نقول هناك أنّ لفظة إله ولفظة الله ترجعان ـ لفظاً ومعنى ـ إلى شيء واحد غير أنّ لفظة « إله » عامّة ولفظة « الله » اسم خاص ، ولذلك يجمع الأوّل لكونه اسماً عاماً ، في حين لا يمكن جمع الثاني لكونه اسماً خاصاً ، وعلماً.

فعلى هذا تكون الآيات التي وردت في القرآن الكريم بشكل « لا إله إلّا الله » وما شابهها ناظرة إلى وحدانية الذات الإلهية ، ونفي المثيل والنظير له تعالى.

وقد أخطأ من حمل هذه الآيات على « التوحيد العبادي » ونفي معبودات غير الله ، لأنّ « إله » كما قلنا ليس بمعنى المعبود ، بل هو ولفظة الله سواسية في اللفظ والمعنى.

__________________

١. سوف نوضح هذا البرهان بمزيد من البيان في المستقبل.

٢٧٠
 &

٦. انّ أوضح آية دلالة على توحيد الذات ونفي الشريك والنظير لله سبحانه هو قوله تعالى :

( شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ). (١)

وقد وردت في القرآن آيات أُخرى بهذا المضمون وفي عبارات متنوعة مثل :

( لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّـهُ ). (٢)

( لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ). (٣)

( لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ ). (٤)

( لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا ). (٥)

وغير ذلك مما يمكن الوقوف عليها بمراجعة « المعجم المفهرس لألفاظ القرآن » بسهولة ويسر.

وإليك آيات أُخرى في هذا الصدد :

( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ). (٦)

__________________

١. آل عمران : ١٨.

٢. محمد : ١٩.

٣. الحشر : ٢٢.

٤. الأنبياء : ٨٧.

٥. النحل : ٢.

٦. الشورى : ١١.

٢٧١
 &

وهل الكاف في الآية زائدة فيكون هدف الآية نفي المثل له ، أو غير زائدة فيكون معناها نفي مثل المثل له ، ويستلزم ذلك نفي المثل بالدلالة الالتزامية إذ من الطبيعي أنّه إذا لم يكن لمثل الشيء مثل فلن يكون لذاته مثل أصلاً.

وتوضيح ذلك :

قال التفتازاني : إنّ الآية بصدد نفي شيء بنفي لازمه ، لأنّ نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم كما يقال : ليس لأخي زيد أخ فأخو زيد ملزوم والأخ لازمه ، لأنّه لابد لأخي زيد من أخ هو زيد ، فنفيت هذا اللازم والمراد نفي ملزومه ، أي ليس لزيد أخ ، إذ لو كان له أخ لكان لذلك الأخ أخ هو زيد.

فكذا نفيت أن يكون لمثل الله مثل ، والمراد نفي مثله تعالى إذ لو كان له مثل لكان هو مثل مثله إذ التقدير انّه موجود.

ثم نقل عن صاحب الكشاف وجهاً آخر لعدم زيادة الكاف ، وهو : انّهم قد قالوا مثلك لا يبخل والغرض نفيه عن ذاته ، فسلكوا طريق الكناية قصداً إلى المبالغة ، لأنّهم إذا نفوه عما يماثله وعمّن يكون على أخص أوصافه فقد نفوه عنه. فحينئذ لا فرق بين قوله : ليس كالله شيء وقوله : ليس كمثله شيء ، إلّا ما تعطيه الكناية من فائدتها وهما عبارتان معتقبتان على معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته. (١)

( قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ * اللَّـهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ). (٢)

__________________

١. المطول : بحث المجاز المفرد ٣٢٠.

٢. الإخلاص : ١ ـ ٤.

٢٧٢
 &

° توضيحات حول الآية الأُولى

تذكر الآية الأُولى ـ بجلاء تام ـ شهادة الله والملائكة والعلماء على وحدانية الله ، وعلينا هنا أن نعرف كيف تكون شهادة الله على هذا الموضوع.

١. يمكن أن تحمل هذه الشهادة على الشهادة القولية كما نشهد نحن على وحدانيته بقولنا : « لا إله إلّا الله ».

وقد شهد الله على وحدانيته بالشهادة اللفظية عن طريق القرآن وهو الوحي والكلام الإلهي ، ضمن الآيات التي تعرضت لبيان هذه الوحدانية وإثباتها ، وقد أشرنا إلى بعضها ـ فيما تقدم ـ.

وجملة ( قَائِمًا بِالْقِسْطِ ) إشارة إلى القسط الإلهي في القول والعمل ، ومن المعلوم أنّ قبول الشهادة فرع « عدالة الشاهد » وصدقه فلما كان الشاهد عادلاً كانت شهادته صادقة وصحيحة.

٢. يمكن أن تكون هذه الشهادة (المذكورة في الآية) شهادة عملية ، لأنّ الله بخلقه الكون الذي يسوده نظام واحد ، وتترابط أجزاؤه ، وكأنّها موجود واحد ، وكائن فارد أثبت عملياً وحدانية الذات المدبرة لهذا الكون ووحدانية الإرادة المنظمة ، الحاكمة على هذا العالم.

أليس لو كان يحكم إلهان أو أكثر على هذا الكون لم يكن هذا النظم ، ولما كان لهذا التلاحم والترابط وجود ولا أثر ؟

والحق أنّ « الرأي الأوّل » أفضل وأقوم ، لانسجام هذا الرأي مع شهادة الفريقين الآخرين ، أعني : شهادة الملائكة وأُولي العلم ، التي يناسب أن تكون شهادتهما « قولية » ، وحفظ سياق الآية يقتضي تفسير الشهادات الثلاث بمعنى

٢٧٣
 &

واحد.

هذا مع العلم أنّ هذه الآية ليست هي الآية الوحيدة التي تخبر عن شهادة « الله » ، بل ورد نظير ذلك في آيات أُخرى أيضاً ، ولا يمكن لأحد حملها على الشهادة العملية فقط .. وذلك مثل :

( لَّـٰكِنِ اللَّـهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ شَهِيدًا ). (١)

ولأجل ورود مثل هذه الشهادة في القرآن الكريم (خاصة بالنظر إلى قوله يشهد بما أنزل) ينبغي أن نحمل الشهادة المذكورة في الآية المبحوثة على : الشهادة اللفظية ، التي يحكي « الوحي » الإلهي عنها.

° سؤال في المقام

إنّ الهدف من الشهادة هو أن يتعرف السامع على حقيقة ما ، لاعتقاده بعدالة الشاهد وصدقه حتى إذا كان « المشهود به » من القضايا الاعتقادية اعتقد به ، وإذا كان من الوظائف العملية أتى به.

ولا شك في أنّه لا شاهد أعدل من « الله » ولا أصدق منه حديثاً ، فإذا شهد بوحدانية نفسه ، أزالت هذه الشهادة كل شك في ذلك وكل ريب وتردد.

ولكن من أين يمكن إثبات أنّ هذا القرآن الذي يتضمن شهادة الله ، هو كلام الله وحديثه وخطابه ووحيه ؟!

والجواب : أنّ القرآن أثبت انتسابه إلى الله تعالى عن طريق تحدي الناس ، وأنّه

__________________

١. النساء : ١٦٦.

٢٧٤
 &

ليس من صنع الفكري البشري ، وعن طريق عجز الناس عن مواجهة هذا التحدي ، والإتيان بمثل القرآن في جميع الدهور.

وإذا ثبت كون القرآن « وحياً إلهياً » عن هذا الطريق ، لزم قبول كل الشهادات الواردة فيه ـ بشكل مطلق ـ دونما مناقشة أو تردد.

* * *

وأمّا الفريق الثاني من الشهود ، أعني : الملائكة ، فهو يسبح لله باستمرار وعلى الدوام وينزّهه ، ويقدّسه عن كلّ عيب ونقص وخاصة عن الشريك.

وقد نقلت شهادة هذا الفريق في الكتاب العزيز بنحو آخر ، إذ يقول القرآن :

( وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ). (١)

* * *

وأمّا الفريق الثالث من الشهود ، أعني : أُولي العلم ، فهم يشهدون بوحدانية الله بالاستلهام من البراهين المتنوعة ، كبرهان « الفطرة » ، لأنّ الإنسان يتوجه عند الشدائد ، إلى الله الواحد دائماً ، وهذا هو خير دليل على وحدانيته سبحانه.

هذا بالإضافة إلى غيره من الأدلّة العقلية ، وآيات وحدانية ذاته تعالى ، التي تهديهم إلى هذه الشهادة ، ونحن ـ في هذا الفصل ـ سنشير إلى بعض هذه الأدلة العقلية الدالة على وحدانية الذات الإلهية ، كما سنورد الدلائل الآفاقية ، والأنفسية ، على وحدانية خالق الكون في فصل « التوحيد في الخالقية ».

__________________

١. الشورى : ٥.

٢٧٥
 &

ولا يفوتنا أن نطلب من القارئ الكريم في هذا المقام أن يعيد مطالعة الآية المبحوثة ويمعن فيها وفي مفادها ثم يسلم ويخضع أمام منزلها وموحيها ، لكي يكون في عداد الشهود بوحدانية الله ، مع الملائكة وأُولي العلم.

قال الزبير بن العوّام : قلت لأدنونّ هذه العشية من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي عشية عرفة حتى أسمع ما يقوله ، فحبست ناقتي بين ناقة رسول الله وناقة رجل كانت إلى جنبه فسمعته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ) إلى آخرها ، فما زال يردّدها حتى رفع. (١)

والآن حين انتهينا من دراسة الآية الأُولى ، يلزم أن نعطي بعض التوضيحات حول الآية الثانية ، والثالثة.

ففي الآية ١١ من سورة الشورى جاء قوله سبحانه هكذا :

( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ).

وفي الآية الرابعة من سورة الإخلاص نقرأ قوله سبحانه :

( وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ).

فلماذا ليس لله مثيل ولا نظير ؟

فهل من غير الممكن أن يكون له نظير ؟

أم أنّ ذلك ممكن ـ أساساً ـ ولكن لم يكن لله تعالى نظير ولا مثيل من باب المصادفة والاتفاق.

إنّ الدلائل العقلية والقرآنية تهدينا إلى امتناع مثل هذا الكفو والنظير ـ

__________________

١. مجمع البيان : ١ ـ ٢ / ٧١٧.

٢٧٦
 &

أساساً ـ ولذلك يتعين علينا أن نتوقف هنا قليلاً ونصغي إلى شهادة العقل.

لقد استدل الفلاسفة الإسلاميون على وحدانية الذات الإلهية المقدسة من طريقين :

أ. الوجود « غير المتناهي » لا يقبل التعدّد.

ب. الوجود « المطلق » لا يقبل التعدّد.

وسنعمد ـ هنا ـ إلى توضيح البرهان الأوّل فحسب ، لكونه ذا جذور قرآنية.

وأمّا البرهان الثاني فيطلب توضيحه من الكتب الفلسفية والكلامية ، التي تتحدث عن الصفات الإلهية. (١)

وإذا ثبتت لنا « لا محدودية » وجود الله ، حينئذ يسهل علينا تصوّر توحيده.

والآن يجب علينا إثبات الأمرين (٢) بأوضح دليل وبرهان.

° أ. وجود الله غير متناه

إنّ محدودية الموجود ملازمة للتلبس بالعدم.

لنفترض كتاباً طبع بحجم خاص ثم لننظر إلى كل طرف من أطرافه الأربعة ، فإنّا نرى أنّه ينتهي ـ ولا شك ـ إلى حد معين ينتهي إليه وجود الكتاب ، وحدود حجمه ، ولا شيء وراء ذلك.

ولنفترض جبال الهملايا فهي مع عظمتها محدودة أيضاً ، ولذلك لا نجد بين

__________________

١. شرح المنظومة للحكيم السبزواري : ١٤٣ ، وفي ذلك يقول :

صرف الوجود كثرة لم تعرضا

لأنّه أمّا التوحد اقتضى

٢. أي لا محدودية الله ، واستلزام ذلك ، لتوحيده تعالى.

٢٧٧
 &

كل جبلين من جبال الهملايا أي أثر للجبل وذلك دال على أنّ كلّاً من الجبلين محدود.

من هذا البيان نستنتج أنّ « محدودية » أية حادثة من حيث « الزمان » أو محدودية أي جسم من حيث « المكان » هي أن يكون وجوده مزيجاً بالعدم ، وانّ المحدودية والتلبس بالعدم متلازمان.

ولذلك فإنّ جميع الظواهر والأجسام المحدودة « زماناً ومكاناً » مزيجة بالعدم ، ويصح لذلك أن نقول في حقّها بأنّ الحادثة الفلانية ، لم تتحقق في الزمان الفلاني أو أنّ الجسم الفلاني لا يوجد في المكان الفلاني.

على هذا الأساس لا يمكن اعتبار ذات « الله » محدودة ، لأنّ لازم المحدودية هو الامتزاج بالعدم ، والشيء الموجود الممزوج بالعدم موجود باطل لا يليق للمقام الربوبي الذي يجب كونه حقاً ثابتاً مائة بالمائة كما هو منطق القرآن الكريم والعقل حول الله سبحانه.

( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ). (١)

ويمكننا أن نستدل لإثبات لا محدودية الذات الإلهية بدليل آخر هو :

° عوامل المحدودية منتفية في ذاته

ويقصد من « انتفاء عوامل المحدودية في ذاته » أنّ للمحدودية موجبات وأسباباً ، منها : « الزمان والمكان » فهما من أسباب محدودية الظواهر والأجسام.

فالحادثة التي تقع في برهة خاصة من الزمان حيث إنّ وجودها مزيج

__________________

١. الحج : ٦٢.

٢٧٨
 &

بالزمان ، فمن الطبيعي أن لا تكون هذه الظاهرة في الأزمنة الأُخرى.

كما أنّ الجسم الذي يشغل حيزاً ومكاناً معيناً من الطبيعي أن لا يكون في مكان وحيز آخر ، وهذا هو معنى « المحدودية ».

في هذه الصورة لا بد أن يكون وجود الله المنزّه عن الزمان والمكان منزّهاً من هذه القيود المحدّدة.

وحيث لا يمكن تصوّر الزمان والمكان في شأنه تعالى ، لزم وصفه سبحانه باللامحدودية من جانب الزمان والمكان.

وبتعبير آخر ، أنّ الشيء الذي يتصف بالكم والكيف لابدّ وأن يكون محدوداً بحد ، إذ لازم اتصاف الشيء بكمية أو كيفية معينة ، هو عدم اتصافه بكمية وكيفية أُخرى مضادة. (١)

أمّا عندما يكون الشيء خالياً وعارياً عن أي نوع من أنواع الكيفية والكمية ، بل يكون وجوده أعلى من الاتصاف بهذه الأوصاف فإنّه يكون لا محالة « غير متناه » وغير محدود من هذه الجهات ، كما هو واضح وبديهي.

إلى هنا استطعنا أن نثبت ـ ببيان واضح ـ لا محدودية الذات الإلهية ، وقد حان الأوان أن نثبت المطلب الثاني ، أعني : عدم إمكان تعدّد اللامحدود.

° ب. اللامحدود لا يتعدّد

هذا أمر يتضح بأدنى تأمل ، لأنّنا إذا اعتبرنا « اللامحدود » متعدداً فإنّنا

__________________

١.لأنّ التكيّف والاتصاف بالكيفيات والكميات والإضافات والانتسابات توجب للأشياء المحدودية بالحدود ، والموجود العاري عن هذه القيود لا يتحدد بأي نوع من المحدودية ، والله سبحانه منزَّه عن الكيف والكم ، منزَّه عن الانتساب والإضافة.

٢٧٩
 &

نضطر حينئذ ـ لإثبات الاثنينية ـ إلى أن نعتبر كل واحد منهما « متناهياً » من جهة أو جهات ، ليمكن أن نقول : هذا غير هذا.

لأنّ ذينك الشيئين إذا كان أحدهما عين الآخر من كل الجهات لم يصدق ـ حينئذ ـ كونهما اثنين ، أي لم تصح الاثنينية.

وبعبارة أُخرى : انّ نتيجة قولنا : هذا غير ذاك. هي أنّ وجود كل واحد منهما خارج عن وجود الآخر ، وإنّ الثاني يوجد حيث لا يوجد الأوّل ويوجد الأوّل حيث لا يوجد الثاني ، وهذه هي « المحدودية » و « التناهي » ، في حين أنّنا أثبتنا في الأصل الأوّل : « عدم محدودية الله وعدم تناهيه ».

ومن باب المثال نقول : إنّما يمكن افتراض خطين غير متناهيين في الطول إذا كانا متوازيين (أي كانا بحيث لا يشغل الأوّل مكان الثاني) ، ففي مثل هذه الصورة فقط يمكن افتراض اللانهائية واللامحدودية في كل من الخطين.

أمّا عندما نفترض جسماً غير متناه في الكبر والسعة في جميع أبعاده فإنّه لا يمكن ـ حينئذ ـ أن نفترض وجود جسم آخر غير متناه في الكبر والسعة في جميع أبعاده على غرار الجسم الأوّل.

لأنّ المفروض أنّ الجسم الأوّل لكونه « غير محدود » في الكبر والسعة ، شغل كل الفضاء ، وبهذا لم يترك أي مجال لجسم آخر ، وإلّا لعاد الجسم الأوّل « محدوداً » وهو خلاف ما افترضناه.

وحينئذ إمّا أن يكون الجسم الثاني عين الجسم الأوّل قطعاً ، وإمّا أن يكون الجسم الأوّل محدوداً من جهة أو من جهات.

وهكذا الأمر في الحقيقة الإلهية التي لا حد لها ولا نهاية.

* * *

٢٨٠