مفاهيم القرآن - ج ١

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ).

ففي هذه الآية وما قبلها استعملت لفظة « تدعون وندعوا » في حين استعملت في الآية الأُولى لفظة « تعبدون ».

ونظير ما سبق قوله سبحانه :

( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا ). (١)

هذا وقد ترد كلا اللفظتين في آية واحدة وتستعملان في معنى واحد :

( قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ ). (٢)

وقوله سبحانه : ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ). (٣)

والآية وما تقدمها ظاهرتان في أنّ المراد من الدعوة هو العبادة لا مطلق النداء وطلب الحاجة ، وذاك ليس بمعنى استعمال الدعاء ابتداء في معنى العبادة حتى يكون الاستعمال مجازياً بل إنّما استعملت في معناها الحقيقي ، أعني : الدعاء ، ولكن لمّا كان الدعاء مقروناً باعتقاد الداعي بالوهية المدعو صار المراد منه ـ بالمآل ـ العبادة ، وقد تقدمت تلك النكتة آنفاً.

ويؤيد ما ذكرناه ما ورد في دعاء سيد الساجدين مشيراً إلى مفاد الآية المتقدمة حيث يقول :

« وسميت دعاءك عبادة ، وتركه استكباراً ، وتوعّدت على تركه دخول جهنم

__________________

١. العنكبوت : ١٧.

٢. الأنعام : ٥٦.

٣. غافر : ٦٠.

٥٨١
 &

داخرين » (١).

وإنا لنطلب من القارئ الكريم أن يراجع بنفسه مادة الدعوة في المعجم المفهرس ، فسيرى ورود مضمون واحد تارة بلفظ العبادة ، وأُخرى بلفظ الدعاء والدعوة.

وهذا هو أوضح دليل على أنّ المقصود من الدعوة في الآيات المذكورة (في مطلع هذا الفصل) هو العبادة وليس مطلق النداء.

هذا والقارئ الكريم إذا درس مجموع الآيات التي ورد فيها لفظ الدعوة وأُريد منه القسم الملازم للعبادة لرأى أنّ الآيات أمّا وردت حول خالق الكون الذي يعترف جميع الموحدين بإلوهيته وربوبيته ومالكيته ، أو وردت في مورد الأوثان التي كان عبدتها يتصورون إلوهيتها وأنّها مالكة لمقام الشفاعة ، وفي هذه الحالة فإنّ الاستدلال بهذه الآيات في مورد بحثنا الذي هو الدعاء مجرداً عن تلك العقيدة لمن أعجب العجب.

° سؤال وجواب

إلى هنا تبيَّن أنّ دعوة العباد الصالحين بأي شكل كان ، سواء أكان لأجل التوسل والاستشفاع أم لأجل طلب الحاجة وإنجازها ليست عبادة ، ولا تشملها الآيات الناهية عن الدعوة بتاتاً غير أنّه ينطرح هنا سؤال ، وهو : انّه إذا كان غيره سبحانه لا يملك من قطمير ولا يملك كشف الضر والتحويل ، فما فائدة هذه الدعوة ، إذ قال سبحانه :

( فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ) (٢).

__________________

١. الصحيفة السجادية ، الدعاء : ٤٩.

٢. الإسراء : ٥٦.

٥٨٢
 &

( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ) ؟. (١)

والجواب : انّ البحث في هذا الفصل مركز على تمييز العبادة عن غيرها ، وأمّا كون الدعوة مفيدة أو لا ، فخارج عن موضوع بحثنا ، أضف إلى ذلك أنّ الآيات التي استدل بها تهدف إلى موضوع آخر لا يرتبط بالمقام.

° ملخّص البحث

إنّ هذه الآيات راجعة إلى أصنام العرب الخشبية والمعدنية والحجرية ويتضح ذلك من سياق الآيات ، هذا أوّلاً ، وثانياً أنّ الهدف من نفي المالكية عن غير الله ليس هو مطلقها ، بل المراد المالكية المناسبة لمقامه سبحانه ، أعني : المالكية المستقلة ، ونفي هذه المالكية عن غيره سبحانه لا يدل على انتفاء ما يستند إليه سبحانه ، عنهم ، ويؤيد ذلك أنّه سبحانه يقول : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (٢) والمراد من الفقر هنا هو الفقر الذاتي ولا ينافي القدرة المكتسبة والفعالة بإذنه سبحانه.

والدليل على أنّ العرب كانوا يعتقدون في أصنامهم القدرة المستقلة قوله سبحانه : ( قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ). (٣)

وقوله سبحانه : ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ). (٤)

__________________

١. فاطر : ١٣.

٢. فاطر : ١٥.

٣. المائدة : ٧٦.

٤. النحل : ٧٣.

٥٨٣
 &

وعلى ذلك فلو قال سبحانه لا يملكون عن الله كشف الضر ولا تحويلاً فالمقصود هو نفي تلك المالكية لا الأعم منها ومن المكتسبة.

° البحث مركز على معرفة التوحيد في العبادة

قد ثبت بحمد الله أنّ طلب الشفاء والشفاعة والعون من عباد الله الصالحين ليست عبادة لهم ، وأمّا أنّهم قادرون على الإجابة أم لا ، مأذونون في الإعانة من قبله سبحانه أو لا ، أو أنّ هذا الطلب جائز في الشرع أو لا وإن لم يكن شركاً ؟ أو غير ذلك من الأسئلة ، فكلّها خارجة عن محط البحث الذي هو التعرف على معايير التوحيد والشرك ، وتطلب أجوبة تلك الأسئلة من مظانها.

نعم كفانا في الإجابة عليها ما كتبه أعلام السنّة والشيعة في هذا المقام ، فراجع « الدرر السنية » للسيد أحمد زيني دحلان المكي ، و « كشف الارتياب » للعلامة الأمين العاملي ، و « التوسل والزيارة في الشريعة الإسلامية » للعلّامة المعاصر محمد الفقي من علماء الأزهر الشريف ، فقد تكفّلت هذه الكتب الإجابة عليها ، ولم تبق لأي مشكك مجالاً للتشكيك ، شكر الله مساعيهم.

٥٨٤
 &

١٠ عقائد الوثنيين في العصر الجاهلي

إنّ الوقوف على عقائد الوثنيين في العصر الجاهلي يسلط أضواء على البحث الحاضر ، فإليك بعض عقائد الوثنيين من أصحاب الهياكل وأصحاب الأشخاص والحرنانية والدهرية ، والتفصيل يطلب من مواضعه.

° ١. أصحاب الهياكل

وكانوا يقولون : إنّ الإنسان ليس في مستوى عبادة الله والاتصال المباشر به ، بل لابد له من واسطة ، فيتوجه إليه ويتقرب به ، وحيث إنّ الأرواح لم تكن في متناول أيديهم ، فزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبع ، وكانوا يتقربون إلى هذه الهياكل تقرباً إلى الروحانيات ، ويتقربون إلى الروحانيات تقرباً إلى البارئ تعالى ، لاعتقادهم بأنّ الهياكل أبدان الروحانيات.

وكانوا يقومون بمراسيم خاصة لدى عبادة هذه الهياكل ، فيعملون الخواتيم على صورها وهيئتها وصنعتها ، ويلبسون اللباس الخاص به في ساعات مخصوصة

٥٨٥
 &

من اليوم ، ويبخرون ببخوره الخاص ، ويعبدون كل واحد من تلك السيارات في وقت معين ، ثم يسألون حاجتهم منها ، ويسمّونها : « أرباباً » « آلهة » والله هو رب الأرباب وإله الآلهة. (١)

° ٢. أصحاب الأشخاص

وكان هؤلاء يشتركون مع الفريق السابق ـ في بعض العقائد ـ إلّا أنّهم كانوا يعبدون أشكال السيارات بدل السيارات نفسها ، لأنّ لها طلوعاً وأُفولاً وظهوراً بالليل وخفاء بالنهار ، ولهذا صنعوا لها صوراً ثابتة على مثالها ، ويقولون : نعكف عليها ونتوسل بها إلى الهياكل ، فنتقرّب إلى الروحانيات ، ونتقرّب بالروحانيات إلى الله سبحانه وتعالى ، فنعبدهم ( لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّـهِ زُلْفَىٰ ). (٢)

° ٣. عقائد العرب الجاهلية

قليل من العرب من كان يتديّن بالدهرية فقالوا بالطبيعة المحيية ، والدهر المفني وكانت الحياة ـ في نظرهم ـ تتألف من الطبائع والعناصر المحسوسة في العالم السفلي ، فيقصرون الحياة والموت على تركبها وتحلّلها ، فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر ، ولكن أغلبهم كانوا يقرّون بالخالق وحدوث الخلق ، وينكرون البعث والإعادة وإرسال الرسل من جانب الله. (٣)

ومنهم من كان يعبد الملائكة والجن ويعتبرونها بناتٍ لله سبحانه ، وصنف منهم كانوا من الصابئة الذين يعبدون الكواكب.

ومنهم من كان ينكر الخالق ، وحدوث الخلق والبعث وإرسال الرسل ولكن

__________________

١. الملل والنحل : ٢ / ٢٤٤.

٢ و ٣. الملل والنحل : ٢ / ٢٤٤.

٥٨٦
 &

كلا الفريقين كانوا يعبدون الأصنام ويعتبرونها مالكة لمقام الشفاعة عند الله.

ومن العرب من كان يتديّن باليهودية أو بالنصرانية ، وكانت المدينة محط الأُولى ونجران محط الثانية.

وأمّا الطوائف المسيحية الثلاث التي كانت تختلف فيما بينها في السيد المسيح وروح القدس والأب ، فكانت عبارة عن : الملكانية والنسطورية واليعقوبية.

وكانت هذه الطوائف رغم اختلافاتها تشترك في عبادة المسيح الذي لم يكن غير رسول.

وفي الآيات المتعرضة لذكر احتجاج إبراهيم ، إشارة إلى عقائد عبدة الكواكب والأجرام السماوية. (١)

كما أنّه وردت في بيان عقائد المسيحيّين آيات. (٢)

والآيات التي استنكر فيها القرآن ، الوثنية ـ بشدة وعنف ـ ترتبط بعرب الجاهلية الذين كانوا يعتنقون عقائد مختلفة إذ كان أكثرهم يعبد الأصنام باعتقاد أنّها الشفعاء وأنّها آلهة صغار ، ومن هذه الآيات ـ على سبيل المثال ـ :

( وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَـٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ ). (٣)

( أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ ). (٤)

__________________

١ و ٢. راجع الفصل الثالث ، والفصل الخامس : ٢٨٥ ـ ٣٠٢.

٣. الأنبياء : ٣٧.

٤. الأنبياء : ٤٣.

٥٨٧
 &

( وَجَعَلُوا لِلَّـهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ). (١)

( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ ). (٢)

° إلى من تشير هذه الآيات ؟

إنّ الهدف الأساسي في هذه الآيات ونظائرها هو : النهي عن دعوة الفرق الوثنية ، التي كانت تتخذ الأصنام شريكة لله في بعض لتدبير أو مالكة للشفاعة على الأقل فكان ما يقومون به من خضوع واستغاثة واستشفاع بهذه الأصنام باعتبار أنّها آلهة صغار ، فوّض إليها جوانب من تدبير الكون وشؤون الدنيا والآخرة.

فأي ارتباط لهذه الآيات بالاستغاثة بالأرواح الطاهرة مع أنّ المستغيث بها لا يتجاوز عن الاعتقاد بكونها عباد الله الصالحين.

فالمقصود من قوله سبحانه : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّـهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّـهِ أَحَدًا ) (٣) ، وما شابهها مما تقدم في أوّل البحث هو الدعوة العبادية التي كان المشركون يقومون بها أمام اللات والعزى ومناة أو الأجرام الفلكية والملائكة والجن ، وكأنّ الآية تريد أن تقول :

فلا تعبدوا مع الله أحداً.

فلو نهى القرآن الكريم عن إشراك غير الله معه سبحانه في العبادة ، فأي ربط لهذه المسألة بمسألة دعوة الصالحين وطلب الحاجة منهم مما يقدرون عليها

__________________

١. الأنعام : ١٠٠.

٢. النجم : ٢٠ ـ ٢١.

٣. الجنّ : ١٨.

٥٨٨
 &

بإذن الله واقداره :

فإذا قال القرآن الكريم :

( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ). (١)

( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ). (٢)

( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ). (٣)

( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ). (٤)

( قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّـهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا ). (٥)

( وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّـهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ). (٦)

وما سواها من الآيات مما يوجد في القرآن بوفرة ، فكل هذه الآيات مرتبطة بالدعوة التي تكون عبادة للأصنام والكواكب والملائكة والجن ، باعتبار أنّها آلهة صغار وباعتبار أنَّها معبودات ومدبّرة للكون وشفعاء تامي الاختيار ، ولا مرية في أنّ أية دعوة تكون هكذا ، تكون مصطبغة ـ لا محالة ـ بصبغة العبادة ، فأي ربط لهذه الآيات بدعوة الصالحين وطلب الشفاعة منهم مع الاعتقاد بأنّهم لا يقدرون على شيء بدون الإذن الإلهي ، ومع الاعتقاد بأنّهم لا يملكون أي مقام إلهي وربوبي وتدبير ، وما شابههما ؟ فهل يمكن قياس الدعوتين بالأُخرى وبينهما بون شاسع ؟

إنّ أوضح دليل على التباين بين هاتين الدعوتين هو أنّ الوهابيين يعتقدون بأنّ مثل هذا الطلب من الأنبياء الصالحين شرك حرام بعد وفاتهم ، وجائز مشروع

__________________

١. الرعد : ١٤.

٢. الأعراف : ١٩٧.

٣. الأعراف : ١٩٤.

٤. فاطر : ١٣.

٥. الأنعام : ٧١.

٦. يونس : ١٠٦.

٥٨٩
 &

حال حياتهم ، وقد أثبتنا ـ فيما سبق ـ أنّ الموت والحياة غير مؤثرين ـ مطلقاً ـ في ماهية العمل ، وفي جوازه وعدم جوازه.

ومما سبق تبين ما في فتح المجيد ، إذ قال :

وقوله : (أو يدعو غيره) : اعلم أنّ الدعاء نوعان : دعاء عبادة ، ودعاء مسألة ، ويراد به في القرآن هذا تارة وهذا تارة ، ويراد به مجموعهما.

فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر ، ولهذا أنكر الله على من يدعو أحداً من دونه ممّن لا يملك ضرّاً ولا نفعاً ، كقوله تعالى : ( قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّـهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (١) وقوله : ( قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّـهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّـهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّـهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (٢) ، وقال : ( وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّـهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ). (٣)

قال شيخ الإسلام [ ابن تيمية ] : فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة قال الله تعالى : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ). (٤)

__________________

١. المائدة : ٧٦.

٢. الأنعام : ٧١.

٣. يونس : ١٠٦.

٤. الأعراف : ٥٥.

٥٩٠
 &

وقال تعالى : ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّـهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّـهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ). (١)

وقال تعالى : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّـهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّـهِ أَحَدًا ). (٢)

وقال تعالى : ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ). (٣)

وأمثال هذا في القرآن في دعاء المسألة أكثر من أن يحصر ، وهو يتضمن دعاء العبادة ، لأنّ السائل أخلص سؤاله لله ، وذلك من أفضل العبادات ، وكذلك الذاكر لله والتالي لكتابه ونحوه طالب من الله في المعنى فيكون داعياً عابداً.

فتبيّن بهذا من قول شيخ الإسلام أنّ دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة ، كما أنّ دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة. (٤)

فمن هذا البحث الضافي حول الدعوتين وكون إحداهما مسألة عبادية ، والأُخرى مسألة غير عبادية ، تتضح أُمور :

الأوّل : كيف استفاد ابن تيمية من الآية : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) والآية : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّـهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّـهِ أَحَدًا ) إنّ طلب الحاجة من أحد تكون دعوة عبادة للمدعو.

__________________

١. الأنعام : ٤٠ ـ ٤١.

٢. الجنّ : ١٨.

٣. الرعد : ١٤.

٤. فتح المجيد : ١٦٦.

٥٩١
 &

فإذا كانت لفظة « ادعوا » في قوله سبحانه : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا ) ولفظة ( لَّا تَدْعُوا ) في قوله سبحانه ( فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّـهِ ) بمعنى المناداة ، فكيف تكون الدعوة الطلبية مستلزمة للدعوة العبادية ؟

إنّ هاتين الآيتين ـ على فرض دلالتهما ـ (ولا دلالة لهما) لا تدلان على أكثر من النهي عن دعوة غير الله ، وأمّا أنّ دعوته تكون مستلزمة لعبادته فلا يدل ظاهر الآية عليه أبداً ، إذ أنّ النهي عن الشيء ليس دليلاً على كون المنهي عنه مصداقاً للعبادة.

الثاني : انّ الدعوة الطلبية إنّما تستلزم الدعوة العبادية إذا اعتقد الداعي بإلوهية المدعو على مراتبها ، ففي هذه الموارد تستلزم الدعوة الطلبية ، الدعوة العبادية ، بل هي الدعوة العبادية عينها ، وليست مستلزمة لها ، وتكون مثل هذه الدعوة عبادة لا أنّها مسلتزمة للعبادة.

ولكن إذا دعا الداعي أحداً ، مجرّداً عن الاعتقاد المذكور ، فلا تكون دعوته ـ حينئذ ـ عبادة له.

ثالثاً : من الغريب جداً أنّ تصح الاستغاثة بالأحياء وتكون مشروعة ـ على الإطلاق ـ غافلاً عن أنّه لو كان مطلق الاستغاثة بغير الله (حتى إذا لم تكن مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية أو مالكية المستغاث) شركاً لما كان لموت المدعو وحياته أيُّ أثر في هذا القسم.

وما ورد عن النبي الأكرم من أنّ الدعاء مخ العبادة ، فالمراد هو الدعوة الخاصة ، أعني : ما إذا كانت مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية المدعو.

وبتعبير آخر ، أنّ المقصود بالدعاء في الحديث المذكور إنّما هو دعاء الله ، فيكون دعاء الله مخ العبادة.

٥٩٢
 &

فأيّ ربط لهذا الحديث بدعوة الصالحين التي لا تكون مقرونة بأيّ شيء من الاعتقاد بإلوهية المدعو ؟!!

نعم يبقى هنا سؤال وهو أنّ دعوة الغير وإن لم تكن عبادة له على ما أوضحناه ، ولكنها أمر محرّم بحكم هذه الآيات ، فدعوة الصالحين من الأموات من الدعوات المحرّمة ، لأنّها دعوة غيره سبحانه ، ودعوة الغير منهية عنه ، نعم لا تشمل الآيات دعوة الأحياء لأنّه أمر جائز بالضرورة ، فيستنتج منها حرمة دعوة الصلحاء الماضين وإن لم يكن شركاً.

والجواب عنه واضح بعد الاحاطة بما ذكرناه ، لأنّ الآيات ناظرة إلى دعوة خاصّة صادرة من المشركين ، وهي دعوة آلهتهم وأربابهم المزعومة ، والنهي عن هذه الدعوة المخصوصة لا توجب حرمة جميع الدعوات حتى فيما لم تكن بهذه المنزلة.

وأوضح دليل على ما ذكرناه هو ما اعترف به السائل من عدم شمول الخطابات لدعوة الأحياء وطلب الحاجة منهم ، فإنّ خروج هذا القسم ليس خروجاً عن حكم الآيات حتى يكون تخصيصاً ، بل خروج عن موضوعها وعدم شمولها له من أوّل الأمر ، وليس الوجه لخروجه عن الآيات إلّا ما ذكرناه من أنّ الآيات ناظرة إلى الدعوة التي كان المشركون يقومون بها طيلة حياتهم ، وهي دعوة الأصنام والأوثان بما هي آلهة ، بما هم يملكون لهم النفع والضر والشفاعة والغفران ، وهذا الملاك ليس بموجود في دعوة الصلحاء.

ولأجل هذه العقيدة في حق الآلهة يقول سبحانه في الإله الذي صنعه السامري : ( هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ * أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ) (١).

__________________

١. طه : ٨٨ ـ ٨٩.

٥٩٣
 &

ومما يدل على ما ذكرناه هو تكرار كلمة « من دونه » في الآيات ، فإنّها ليست لتعميم كل دعوة متوجهة إلى غيره سبحانه ، حتى نحتاج إلى إخراج بعض الأقسام ، أعني : دعوة الأحياء لطلب الحوائج ، أو دعوة الأموات لا لطلب الحاجة ، بل للتوسل والاستشفاع ، بل جيء به لتبيين خصوصية هذه الدعوة ، وهي دعوة الغير بظن أنّه يقوم بالفعل مستقلاً من دون الله كما هو المزعوم للمشركين في آلهتهم.

وأمّا طلب الحاجة ممّن لا يقوم (في زعم الداعي) إلّا بأمره سبحانه ومشيئته بحيث لا تكون دعوته منفكة عن دعوة الله سبحانه فلا يصدق عليه قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ). (١)

وغيره من الآيات.

° بناء المساجد على القبور

قد سبق (٢) منا أنّ التبرّك بآثار الأولياء وعباد الله الصالحين خصوصاً التبرك بآثار النبي كان أمراً رائجاً بين المسلمين ، وعلى ذلك فبناء المساجد على القبور بعنوان التبرّك ممّا لا إشكال فيه ، هذا ، ويظهر من بعض الآيات أنّ أهل الشرائع السماوية كانوا يبنون المساجد على قبور أوليائهم أو عندها ، ولأجل ذلك لما كشف أمر أصحاب الكهف تنازع الواقفون على آثارهم ، فمنهم من قال وهم المشركون : ( ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ) (٣) ، وقال الآخرون وهم المسلمون : ( لَنَتَّخِذَنَّ

__________________

١. الرعد : ١٤.

٢. من كتابنا هذا ص ٥٣٥.

٣. الكهف : ٢١.

٥٩٤
 &

عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ). (١)

قال الزمخشري في تفسير قوله : ( ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ) : أي ابنوا على باب كهفهم لئلّا يتطرّق إليهم الناس ضنّاً بتربتهم ومحافظة عليها ، كما حفظت تربة رسول الله بالحظيرة.

وقال في تفسير قوله : ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ) ، أي قال المسلمون وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم : لنتخذنّ على باب الكهف مسجداً ، يصلي فيه المسلمون ويتبرّكون بمكانهم. (٢)

وقال في تفسير الجلالين : فقالوا ـ أي الكفّار ـ : ابنوا عليهم أيّ حولهم بنياناً يسترهم ، ربّهم أعلم بهم ، قال الذين غلبوا على أمرهم : أمر الفتية وهم المؤمنون : لنتخذن عليهم ـ حولهم ـ مسجداً يصلّى فيه. (٣)

وعلى الجملة : فقد اتفق المفسرون على أنّ القائل ببناء المسجد على قبورهم كان هم المسلمون ، ولم ينقل القرآن هذه الكلمة منهم إلّا لنقتدي بهم ونتّخذهم في ذلك أُسوة.

ولو كان بناء المسجد على قبورهم أو قبور سائر الأولياء أمراً محرماً لتعرض عند نقل قولهم بالرد والنقد لئلا يضل الجاهل.

وأمّا ما روي عن النبي من قوله : « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » (٤) ، فالمراد منه هو السجود على قبور الأنبياء واتخاذها قبلة في

__________________

١. الكهف : ٢١.

٢. الكشاف : ٢ / ٢٥٤.

٣. تفسير الجلالين : ٢ / ٣.

٤. صحيح البخاري : ٢ / ١١١ ، كتاب الجنائز.

٥٩٥
 &

الصلاة وغيرها ، والمسلمون بريئون من ذلك ، وقد أوضحه القسطلاني في كتابه « إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري ».

° اقتراح على كتّاب الوهابية

إنّ كثيراً من كتّابهم خلطوا في البحث بين العناوين التالية : الشرك ، البدعة ، المحرم.

فتجب عليهم الدقة في تطبيق هذه العناوين على أفعال المسلمين فربّما يكون شيء محرماً ولا يكون بدعة ، وربما يكون محرماً وبدعة ولا يكون شركاً ، فليس كل حرام بدعة ، وليس كل بدعة شركاً ، غير أنّهم لا يميّزون بين هاتيك العناوين ويطلقون على كل حرام ـ في زعمهم ـ شركاً وبدعة.

وفي الختام نذكّر القارئ أنّ التوسع المشهود في هذا الفصل لم يكن إلّا لتوضيح الحقيقة والإصحار بها مع التحفظ على الأدب الإسلامي في نقل الكلمات ونقدها ، فإن صدر هناك شيء فلم يكن ذلك إلّا لأجل الصراحة في القول لا للقسوة في الحجاج ، وإلّا فيجمعنا التآخي في الله والدين : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (١) فنحن كما قال شاعر الأهرام :

إنا لتجمعنا العقيدة أمة

ويضمنا دين الهدى أتباعاً

ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا

مهما ذهبنا في الهوى أشياعاً

بقيت هنا أبحاث طفيفة ملأت كتب الوهابية :

١. التوسّل إلى الله بالأنبياء.

__________________

١. الحجرات : ١٠.

٥٩٦
 &

٢. الإقسام على الله بمخلوق ، أو بحق مخلوق ، ونحوه مثل أن تقول : أقسم عليك بفلان ، أو بحقه.

٣. الحلف بغير الله ، الذي ملأ القرآن ذلك الحلف كما في سورة الشمس ، فقد ورد في القرآن قرابة أربعين حلفاً بغير الله ، وقد نبهنا آنفاً أنّ ورود شيء في القرآن يدل على جوازه وكونه أُسوة.

٤. النحر والذبح باسمه سبحانه وإهداء الثواب إلى الأموات.

٥. بناء القبور وعقد القباب فوقها.

٦. الدعاء والصلاة عند قبر النبي والإسراج عنده.

٧. شدّ الرحال لزيارة القبور.

ونرجئ البحث عن هذه العناوين إلى محل آخر ، وقد أوضحنا حالها في بعض تآليفنا.

على أنّنا لا نحب أن نعبّر عن هذه الطائفة بالوهابية غير أنّ اشتهارهم بهذا واستعمالهم هذه الكلمة في حقّهم سوّغ لنا هذا الأمر ، كيف ، وقد نشرت الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة كتاباً باسم « الحركة الوهابية » ، طبع عام ١٣٩٦ هـ رداً على مقال للدكتور محمد البهي.

٥٩٧
 &

٥٩٨
 &

الفصل العاشر الله والتوحيد في التقنين والتشريع

٥٩٩
 &



° التوحيد في التقنين والتشريع

١. حاجة المجتمع إلى القانون.

٢. شرائط المشرّع.

٣. لا تتوفر هذه الشروط إلّا في الله.

٤. الآيات الدالة على التوحيد في التشريع.

٥. الصنف الأوّل الدال على عدم جواز التشريع لغير الله.

٦. الصنف الثاني الدال على تقريع من يحلون حرامه ويحرمون حلاله.

٧. إجابة على سؤال.

٨. الصنف الثالث الدال على أنّ الأنبياء بعثوا مع نظم كاملة للحياة.

٩. ما هي معاني الشريعة والملة والدين ؟

١٠. الصنف الرابع الدال على المنع من التحاكم إلى الطاغوت.

١١. الصنف الخامس الآيات التي تذم النصارى على إعطاء الأحبار حق التشريع.

١٢. الصنف السادس الآيات الحاثّة على اتّباع الرسول.

١٣. ماذا يراد من الشرك في التشريع ؟

١٤. سؤال واجابة.

١٥. الشيعة وفكرة حق التشريع للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمّة عليهم‌السلام.

٦٠٠