مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEMafahim-Quran-part07imagesimage001.gif

١
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEMafahim-Quran-part07imagesrafed.png

٢
 &

بسم الله الرحمٰن الرحيم

عواطف ساخنة و مشاعر تقدير

من أرض الذكريات الإسلاميّة : الحبشة (أثيوبيا)

وصلنا كتاب من العالم الجليل الاُستاذ محمد كمال آدم المدرس في مدرسة أهل البيت يحمل في طيّاته عواطف ساخنة ، حول «سلسلة مفاهيم القرآن» و ما فيها من بحوث في التوحيد و النبوّة ، و قد وجد فيها صاحب الرسالة ما يعالج مشاكل العصر التي تثيره الأقلّيّات الدينية في تلك الديار و إليك بعض ما ورد في الكتاب :

حضرة العالم العلّامة و الحجّة الفهّامة ، الاُستاذ جعفر سبحاني أطال الله بقاءه ذخراً للاسلام و المسلمين.

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

يسرّني غاية السرور و مزيد الفرحة أن تصل رسالتي هذه إليكم ، و أنتم في تمام الصحّة و العافية و أتمنّى لكم النجاح و التوفيق في كل أعمالكم.

سيدي العزيز أنا أخوكم المسلم الأثيوبي محمد كمال آدم المدرس في مدرسة أهل البيت و إنّي أحد المتولّعين بمطالعة مؤلّفاتكم الكثيرة المفيدة ، و الرائعة ، التي قمتم بتأليفها لمعالجة المسائل الإسلامية معالجة جديدة و الدفاع عن حوزة الدين الإسلامي ، في جميع جهات المعركة الفكرية مع الأعداء ، فأوّل ما ظفرت به من مؤلّفاتكم هو كتاب «معالم التوحيد في القرآن الكريم» فطالعته سطراً بعد سطر فأثلج صدري بالفرح و السرور ، و الخطبة و الحبور ، و ألفيته قد انطبق على مسمّاه اسمه ، و تناسب تركيبه و رسمه.

٣
 &

حقّاً إنّ هذا الكتاب يُسحر الألباب و يجذب الأحباب ، يحقِّقُ و يبيِّن الصواب ، و يفحم المتقوّل الكذّاب ، حيث يقوم بتوضيح التوحيد الخالص ، و يفنِّد مزاعم من يشوّهون مفاهيم الدين الإسلامي و يقومون بتكفير اخوانهم المسلمين. فقد جمع بين دفّتيه دراسات كثيرة و مناقشات عديدة ، فيا بشراكم انّكم من الذين أدركوا حقيقة الدين الإسلامي ، و حملتهم غيرتهم على دينهم إلى أن يطلعوا الآخرين على ثمرات الحقائق فجزاكم الله خير الجزاء.

اُستاذي الحبيب نحن في أثيوبيا نفتخر بكم و بمؤلّفاتكم القيّمة و أستشعر شعوراً بأنّكم الحجّة و البرهان للدفاع عن الدين الإسلامي في هذا الزمان ، متّعنا الله بكم و وفّقنا لرؤيتكم.

و أخيراً نرجوا أن تزوّدنا بمعلومات تكشف عن عدد مؤلّفاتكم لنكون قادرين على متابعتها و جمعها ، و نحن واثقون بأنّكم تحققون مطلبنا هذا في أسرع وقت ممكن ، و الله يجزيكم عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء و دمتم في رعاية الله و حفظه و تقبّلوا فائق تحيّاتنا .

أديس أبابا ـ أثيوبيا

محمد كمال آدم

٢٨ / ١٢ / ١٤١١ ه‍

الموافق١٠ / ٧ / ١٩٩١ م

٤
 &

تقدير و اكبار

تفضّل به الاُستاذ المجاهد و الكاتب القدير : الشيخ حسن الصفار من علماء المنطقة الشرقية في الجزيرة العربية (قطيف) حيّاه الله و بيّاه

سماحة العلّامة الحجة الشيخ جعفر السبحاني... حفظه الله

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته... و مما جاء فيه :

كما أنّ الجيش في ميدان القتال يحتاج إلى دعم و امداد بالمؤنة و العتاد «الوجستيك» كذلك الدعاة إلى الله و طلائع الحركة الإسلامية ، هم في أمسِّ الحاجة إلى من يرفدهم بالفكر العميق ، و الدراسات العلمية و البحوث الهادفة عن قضايا العقيدة و مفاهيم الإسلام.

فالاُمّة الإسلامية تخوض اليوم صراعاً حضارياً ، فكريّاً ضارياً حيث يخشى الإستكبار العالمي من أن تعود للاُمّة ثقتها بدينها ، و تبني صرح الحضارة الإسلامية من جديد على أنقاض الحضارة الماديّة التي ذاق الإنسان ويلاتها ، و اتّضح لديه فسادها و انحطاطها.

إنّ العدوان العسكري و الحرب المفروضة التي شنّت على الجمهوريّة الإسلاميّة و حملات الإرهاب ، و القمع الشرسة التي يواجهها المؤمنون الرساليون في كل مكان ، و أعاصير الإعلام المضلّل المناوئ للثورة و الحركة الإسلامية... هذه كلّها مظاهر و وسائل للمعركة الرئيسية و الصراع الحقيقي بين الحضارة الإسلامية المرتقبة ، و الحضارة المادية المنحرفة.

و إذا كانت القيادة الميدانيّة ، و الإدارة اليومية لشؤون التحرّك و الصراع مع الأعداء تأخذ كل وقت و جهد العلماء و المفكّرين الإسلاميين الواعين ، فإنّ ذلك سيترك فراغاً خطيراً في مجال الدراسات العلمية العقائدية و العطاء الفكري.

٥
 &

فلابدّ و أن تتوجّه ثلّة من العلماء و المفكّرين العارفين بأبعاد الصراع الحضاري ، و المدركين لتطلّعات الاُمّة ، ليقوموا بدور الإمداد و الدعم الفكري و العلمي ، خلف جبهة الصراع العسكري و السياسي و الإعلامي.

و سماحتكم هو في طليعة من يطمأن و يعتمد عليه لملء هذا الفراغ الكبير و سدّ هذه الحاجة الماسَّة.

إنّ اهتمامكم باصدار البحوث العقائدية و الفكرية الرائعة ليشكّل سنداً و دعماً ضرورياً لكل الرساليين المجاهدين لإعلاء كلمة الله و انقاذ العالم من حضيض الإنحطاط المادّي.

لقد قرأت العديد من أجزاء موسوعتكم (التفسير الموضوعي للقرآن) و بحثكم القيّم حول (التوحيد و الشرك) فوجدت فيها الضالّة المنشودة من حيث الفكر العميق ، و الشموليّة الدقيقة و الطرح الهادئ الموضوعي فشكر الله سعيكم و أدام توفيقكم و نفع المسلمين بفيض علمكم.

أرجو أن تتابعوا كتاباتكم و بحوثكم في مجال التفسير الموضوعي للقرآن كما أرى ضرورة الإسراع في ترجمة هذه البحوث إلى اللغات العالمية الحية ، و خاصّة اللغة الإنكليزية ، فهناك الكثيرون من المسلمين ممّن لايجيدون اللغة العربية ، يتطلّعون بفارغ الشوق إلى مثل هذه الدراسات العلمية ، كما أنّ بعض مفكّري الغرب و الشرق يهمّهم الإطّلاع على مفاهيم الإسلام من بعد ما لفتت الثورة الإسلامية المباركة أنظارهم نحو الإسلام.

أسأل الله لكم دوام الصحّة و النشاط و لكلّ العاملين المؤمنين التوفيق و النجاح.

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

حسن موسى الصفار

القطيف

٦
 &

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

شخصية النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و سيرته في القرآن الكريم

كانت حياة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) منذ ولادته و نعومة أظفاره ، و حتى ساعة رحلته ، و لقائه ربّه ، طافحة بالحوادث ، زاخرة بالوقائع ، و قد لفتت تلك الحوادث و الوقائع أنظار المفكّرين و الباحثين و دفعتهم إلى ضبط كلّ جليل و دقيق منها ، و هم بين مؤمن بدينه و رسالته ، و شريعته و كتابه ، و منكر لصلته بالله سبحانه و بعثته من قبله و لكن مذعن بشخصيته الفذَّة ، و حياته المثالية ، فلا تجد شخصية في التاريخ وقعت محطّاً للبحث و الدراسة ، و لفتت نظر الباحثين كشخصية رسول الإسلام (صلّى الله عليه و آله و سلّم).

و لو اُتيح لإنسان أن يقوم باستقصاء ما أُلِّف حول حياته طيلة هذه القرون ، أو ما جادت به القرائح من القصائد و الأراجيز ، لعثر على مكتبة ضخمة حافلة بآلاف الكتب و الرسائل ، و الدواوين ، و لاُذعن ـ عندئذٍ ـ كلّ قريب و بعيد ، و كل صديق و مناوئ بأنّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) نسيج وحده ، لم تسمع اُذنُ الدنيا بأحدٍ مثله و لم تر عين الدهر نظيراً له.

و قد خدم المؤرخون الاُمّة الاسلاميّة بل البشريّة جمعاء بتآليفهم و تصانيفهم حول حياته و شخصيّته و جهوده و مساعيه في سبيل إنقاذ البشريّة من أغلال الوثنيّة

٧
 &

والجنوح إلى كلّ معبود سوى الله تعالى ، غير أنَّ نظر كلّ مؤلِّف كان إلى زاوية خاصّة من زوايا حياته ، و إلى بعد واحد من أبعاد سيرته.

فمن باحث عن أخلاقه المثاليّة ، و رأفته ، و عبادته و تهجّده ، و حسن سلوكه مع الناس ، و أمانته التي أقرَّ بها العدو و الصديق.

إلى آخر يهتمَّ ببيان كيفيّة نزول الوحي عليه ، و قيامه ـ بمفرده ـ بنشر دعوته ، و الإجهار برسالته ، و الصمود في سبيل عقيدته ، و تحمّل المشقّة كالجبل الراسخ لاتحرّكه العواصف.

إلى ثالث يُلقي الضوء على الجانب السياسي من حياته ، فيجمع رسائله الموجّهة إلى الملوك و الساسة و رؤساء القبائل ، كوثائق و كتب سياسية.

إلى رابع أعجبه ذكر مغازيه و بعثه للسرايا ، و جهاده ضدّ المشركين و المنافقين و الخونة من أهل الكتاب.

إلى خامس ركّز اهتمامه على الجليل و الدقيق من حياته من دون أن يجنح لجانب دون جانب لكنّه جمع و حشّد من دون تحقيق و لاتنقيب ، فكتب كلّ ما عثر عليه في هذه المجالات.

شكر الله مساعي الجميع حيث خدموا البشريّة ببحثهم عن هذه الفريدة و هذه الحلقة الأخيرة من سلسلة الأنبياء و المرسلين ، الّتي خصّها الله سبحانه بكتابه الخاتم ، و دينه الخالد ، و شريعته الأبديّة.

و لقد استند هؤلاء في تصوير حياة النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و وصف ما جرى عليه قبل البعثة ، و بعدها ، أو ما واجهه من الأحداث و الوقائع ، إلى الروايات المرويّة عن الصحابة و التابعين الذين شاهدوا نور الرسالة كما شاهدوا القضايا و الحوادث باُمّ أعينهم.

و لكن هناك طريقاً آخر أمثل و أشرف من الطريق الأوّل لم يهتم به الباحثون اهتماماً كافياً و لازماً ، و إن التفتوا إليه في بعض الأحيان ، و هو الإستضاءة ـ في

٨
 &

تدوين معالم حياته ـ بكتاب الله الكريم ، المنزّل على قلبه ، ففيه تصريحات بمعالم حياته ، و إشارات إلى خصوصيّاتها.

و القرآن الكريم و ان لم يكن كتاب تاريخ ، بل هو كما وصف نفسه (هُدًى لِّلنَّاسِ) أي كتاب هدي لجميع الناس إلى أن تقوم الساعة ، و لكنّه ربّما يتعرّض في بعض المناسبات لخصوصيّات حياته و أفعاله ، و جهوده و مساعيه ، و من خلال ذلك يستطيع الإنسان المتتبّع أن يستخرج صورة وضّاءة لحياته بالتدبّر في هذا القسم من الآيات و يقف على خلقه و سلوكه و سائر شؤونه ، و بالتالي تتجلّى لناحياته من أوثق المصادر و أمتنها ، فيرى القارئ صورته في مرآة القرآن كما ترى سيرته في ثنايا الكتب و السير ، مع الفارق الكبير بين الصورتين ، و المرآتين.

و هذا ما نقوم به في هذا الجزء من موسوعتنا القرآنية «مفاهيم القرآن» و نحن نعترف بأنّ هذا عبء لايقوم به إلّا لجنة تفسيريّة تتناول الموضوع بصورة شاملة و موسّعة و معمّقة غير أنّ الميسور لايسقط بالمعسور ، و ما نقوم به عمل فردي ليس له من المزايا ما للعمل الجماعي ، و لكن «ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه» . و توخّياً للتسهيل ، خصّصنا لكلّ موضوع و ما يناسبه فصلاً.

و في الختام نتقدّم بالشكر الجزيل ، إلى العالم الجليل و الكاتب القدير ، الشيخ محسن آل عصور ـ حفظه الله ـ حيث ساعدنا في تأليف هذه الجزء و تحريره و ترصيفه و تقريره حتى خرج بهذه الصورة البهيّة. شكر الله مساعيه الجميلة .

نسأله سبحانه أن يوفّقنا في هذا السبيل و يصوننا عن الزلل و الخطأ في فهم كتابه إنّه مجيب الدعاء. و يكتب التوفيق لكلّ مجاهد في سبيل القرآن ، و مخلص في خدمة الذكر الحكيم.

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

جعفر السبحاني

٩
 &

١٠
 &

(١) بشائره في الكتب السماويّة

لقد تعلّقت مشيئة الله الحكيمة ببعث رجال صالحين لإنقاذ البشرية من الجهالة و الضلالة ، و سوقهم إلى مرافئ السعادة ، و أنزل عليهم شرائع فيها أحكامه و تعاليمه ، و هذه الشرائع و إن كانت تختلف بعضها عن البعض الآخر ، لكنّها تتّحد جوهراً و حقيقة ، و تفترق صورة و شكلاً كما يشير إليه قوله سبحانه : (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران / ١٩). و قوله : (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران / ٦٧) (١).

فالدين النازل من الله سبحانه إلى كافّة البشر في جميع الأجيال و القرون أمر واحد ، و هو الإسلام ، و قد اُمر بتبليغه جميع رسله و أنبيائه من غير فرق بين السالفين و اللّاحقين.

هذا و قد يتفنّن القرآن الكريم في التعبير عن وحدة الشرائع من حيث الاُصول و المبادئ و اختلافها شكليّاً بتصوير الدين نهراً كبيراً يجري فيه ماء الحياة المعنويّة ، و الاُمم كلّها قاطنة على ضفَّة هذا النهر يردونه و يصدرون عنه ، و ينهلون منه حسب حاجاتهم و اقتضاء ظروفهم ، و كل ظرف يستدعي حكماً فرعيّاً خاصّاً.

قال سبحانه :

(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) (المائدة / ٤٨).

فالحقيقة ماء عذب ، و الاختلاف في المشرعة و المنهل ، و الطريقة و المنهاج.

__________________

(١) لاحظ سورة البقرة / ١٣٢ و الزخرف / ٢٨.

١١
 &

إنّ وحدة الشرائع جوهراً ، و اختلافها شكلاً و عَرْضا ، لاتعني ما يلوكه بعض الملاحدة من جواز التديّن بكلّ شريعة نازلة من الله سبحانه إلى اُمّة من الاُمم في العصور السابقة حتى أنّه يسوّغ التديّن بشريعة إبراهيم في زمن بعثة الكليم ، أو التمسّك بشريعة اليهود في عهد المسيح ، أو التديّن بالشرائع السابقة في عهد بعثة النبي الخاتم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، بل المفروض على كلّ اُمّة أن تتمسّك بالشريعة التي جاء بها نبيّها ، فلايجوز لليهود سوى تطبيق التوراة ، و لاللنصارى سوى العمل بما جاء به المسيح ، و لاللاُمّة المتأخّرة عنهما إلّا العمل بالقرآن و السنّة النبويّة ، و ذلك لأنّ للشكل و العَرْض سهماً وافراً في إسعاد الاُمّة و رقيّها ، فلكلّ اُمّة قابليات و مواهب فلا تسعدها إلّا الشريعة التي تناسبها و تتجاوب معها.

فربّ اُمّة متحضّرة تناسبها سنن و أنظمة خاصّة لاتناسب اُمّة اُخرى لم تبلغ شأنها في التكامل و التحضّر.

و هذا هو السبب في إختلاف الشرائع السماويّة في برامجها العباديّة و الإجتماعيّة و السياسيّة و الإقتصاديّة ، فكانت كلّ شريعة كاملة بالنسبة إلى الأمّة التي نزلت لهدايتها و إسعادها ، و لكنّها لاتتجاوب مع حاجات الاُمم المتأخّرة و لاتكفي لإحياء قابلياتها و ترشيد مواهبها ، فكأنَّ الاُمم التي خُصّت بالشرائع الالهيّة تلاميذ صفوف مدرسة واحدة ، و كلّ شريعة برنامج لصفّ خاصّ ، فما زالت البشريّة ترتقي من صفّ إلى صفّ ، و تتلقّى شريعة بعد شريعة ، حتّى تنتهي إلى الصفّ النهائي و الشريعة الأخيرة التي لاشريعة بعدها ، و قد أوضحنا حقيقة ذلك الأمر عند البحث عن الخاتمية(١).

أخذ الميثاق من النبيين على الإيمان به و نصره

إنّ وحدة الشرائع في الجوهر و الحقيقة أدَّت إلى أخذ الميثاق من النبيين بأنّه سبحانه مهما آتاهم الكتاب و الحكمة ، و جاءهم رسول مصدّق لما معهم ، يجب

__________________

(١) لاحظ مفاهيم القرآن ج ٣ ص ١١٩ ـ ١٢٣ .

١٢
 &

عليهم الإيمان به و نصره ، بل أخذ الإصر من اُممهم على ذلك ، فكان من وظائف كل رسول تصديق النبي اللاحق و الإيمان به ، و نصره ، عن طريق التبشير به و أمر اُمّته بالتصديق به و مؤازرته ـ إذا أدركوه ـ فعلى ذلك أخذ سبحانه من إبراهيم الخليل ذلك العهد بالنسبة إلى الكليم ، و من الكليم بالنسبة إلى المسيح ، و منه على النبي الخاتم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، و من جهة اُخرى أخذ الميثاق من الجميع على الإيمان بنبوّة النبي الخاتم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، و نصره ، و التبشير به ، و دعوة اُممهم إلى تصديق دعوته و الإقرار بها.

و المعاصرون للأنبياء السابقين و إن لم يدركوا عصر النبي الأكرم غير أنّ ذلك الهتاف العالمي وصل إلى أخلافهم و أولادهم فوجب عليهم تلبية النبي الخاتم بوصيّة من أنبيائهم ، و هذا هو المتبادر من قوله سبحانه :

(وَإِذْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران / ٨١).

ظهور الآية فيما ذكرناه من أخذ الميثاق من كلّ متقدّم للمتأخّر ، و من الجميع للأخير يتوقّف على تفسير الآية و تحليلها جملة بعد جملة :

١ ـ قوله : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ).

إنّ المراد من النبيين هم المأخوذ منهم الميثاق ، و يدلّ على ذلك قوله : (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ).

غير أنّ النبي الواقع في أوّل السلسلة يتمحّض في أنّهُ من أخذ منه الميثاق كنوح (عليه السلام) فإنّه من بُدئ به نزول الشريعة ، و هداية الناس و تعريفهم بوظائفهم و تكاليفهم السماوية ، كما أنّ النبي الواقع في آخر السلسلة يتمحّض في أنّه ممّن اُخذ له الميثاق لأنّ المفروض أنّه لانبيّ بعده.

١٣
 &

و أمّا الأنبياء الواقعون في ثنايا السلسلة فهم من جهة أخذ منهم الميثاق و من جهة أخذ لهم الميثاق.

فالكليم مأخوذ منه الميثاق للمسيح و مأخوذ له الميثاق من الخليل و هكذا.

٢ ـ قوله سبحانه : (لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ).

إنّ «ما» في هذه الجملة أشبه بالشرطيّة من الموصولة لوجود «اللام» في جزائها و المعنى : مهما آتيتكم من كتاب و حكمة ثُمَّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به و لتنصرنّه.

والآية تهدف إلى أنّ الله سبحانه أخذ من الأنبياء الميثاق بأنّه لو جاء رسول إليهم مصدّق لدعوتهم إلى التوحيد ورفض الوثنيّة والإقرار بعبوديّة الكلّ لله تعالى ، يلزم عليهم أمران :

الأوّل : الإيمان بهذا الرسول المُقْبِل.

الثاني : نصره.

فكأنّ إيتاء الكتاب والحكمة يلازم ـ عند تطابق الدعوتين ـ الإيمان بالداعي اللاحق ونصرته ، و على ذلك فالضمير المجرور والمنصوب في قوله : (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ) عائدان إلى الرسول المُقبِل.

٣ ـ قوله سبحانه : (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي).

يعرب هذا عن أنّه سبحانه لم يأخذ الميثاق من النبيّين وحدهم بل فرض عليهم أخذ الميثاق من اُممهم على ذلك ، ولأجل ذلك يخاطبهم بقوله : (أَأَقْرَرْتُمْ) أنتم يا معشر النبيين ، وهل أخذتم على ذلك عهدي ؟ فأجابوا بالإقرار.

و إنّما اقتصر في الجواب بإقرار الأنبياء فقط ، ولم يذكر أخذ الإصر من اُممهم للاكتفاء بقوله : (فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) لظهور الشهادة في أنّها على

١٤
 &

الغير ، فإذا كان الله سبحانه مع أنبيائه شهوداً فيجب أن يكون هناك مشهوداً عليهم وهو اُممهم.

فظهر أنّ الآية تهدف إلى أخذ العهد والإصر من الأنبياء ، واُممهم على الإيمان والنصرة.

فإذا راجعنا القرآن الكريم نرى أنّ المسيح قام بمسؤوليته الكبيرة حيث بشّر بالنبيّ وقال ـ كما حكى عنه سبحانه : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّـهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف / ٦).

وليس المسيح نسيج وحده في هذا المجال بل الأنبياء السابقون قاموا بنفس هذه الوظيفة ، يقول سبحانه : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة / ١٤٦).

والضمير في «يعرفونه» يرجع إلى النبيّ الأكرم وهو المفهوم من سياق الآية بشهادة تشبيه عرفانهم إيّاه بعرفان أبنائهم.

وما زعمه بعض المفسّرين من أنّ الضمير راجع إلى الكتاب الوارد في الآية لا يناسب هذا التشبيه ، والآية بصدد بيان أنّهم يعرفون النبيّ بما في كتبهم من البشارة به ، ومن نعوته وأوصافه وصفاته التي لا تنطبق على غيره ، و بما ظهر من آياته وآثار هدايته ، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولّون تربيتهم وحياطتهم حتّى لا يفوتهم من أمرهم شيء ، قال عبد الله بن سلام ـ وكان من علماء اليهود وأحبارهم ـ : أنا أعلم به منّي بابني(١).

فالمراد من أهل الكتاب هم اليهود والنصارى ، وكانت الأغلبية في المدينة اليهود ، والآية تعرب من أنّ الكليم قام بنفس ما قام به المسيح من التعريف بالنبيّ الخاتم حتّى عرّفهم النبيّ الخاتم بعلائم واضحة عرفته به اُمّتهُ عرفانها بأبنائها.

__________________

(١) المنار ج ٢ ص ٢٠.

١٥
 &

وعلى ضوء ذلك فالدّين السماوي دين موحّد ، والمبلّغون له رجال صالحون ، متلاحقون ، موحّدون في الهدف والغاية ، مختلفون في الشريعة والمنهل ، والجميع يبشّرون بالحلقات التالية بأمانة وصدق و إخلاص.

وهذه الآية و إن كانت تركّز على أخذ الميثاق من السابقين على اللاحقين ولكن الآية التالية تعرب بفحوى الكلام على أنّ المتأخّر أيضاً كان مأموراً بتصديق السابق ، و لأجل ذلك قال المسيح عند بعثته :

(مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) (الصف / ٦).

وقد أمر النبيّ اُمتّه بالإيمان بما اُنزل على من سبقه من الأنبياء ، وقال سبحانه :

(قُلْ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (آل عمران / ٨٤).

ثمّ إنّ القرآن الكريم يذكر ذلك الميثاق في آية اُخرى على وجه الاختصار ويقول : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ(١) وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (الأحزاب / ٧) .

__________________

(١) و قد ذكر سبحانه النبيين بلفظ عام يشمل الجميع ثمّ سمّى خمسة منهم بأسمائهم بالعطف عليهم ، و لم يخصّهم بالذكر إلّا لعظمة شأنهم و رفعة مكانتهم ، فإنّهم أصحاب الشرائع ، و قد عدّهم على ترتيب زمانهم لكن قدّم النبي و هو آخرهم زماناً لفضله و شرفه و تقدّمه على الجميع ، و سمّى هذا الميثاق بالميثاق الغليظ ، إذ به تستقر كلمة التوحيد و رفض الوثنية في المجتمع البشري ، فلو لم يؤمن نبي سابق باللاحق و لم ينصره ، كما أنّه لو لم يصدّق نبي لاحق النبي السابق لفشلت الدعوة الالهية من الانتشار و سادت الفوضى في الدين. و في الآية إحتمال آخر ، و هي انّها ناظرة إلى ميثاق آخر مأخوذ من الأنبياء و هو أخذ الوحي من الله و ادائه إلى الناس من دون تصرّف ، و يشهد على ذلك قول الإمام عليّ (عليه السلام) في حقّهم : «و اصطفى سبحانه من ولده أنبياءً ، أخذ على الوحي ميثاقهم ، و على تبليغ الرسالة أمانتهم». نهج البلاغة ، الخطبة / ١.

١٦
 &

إنّ إضافة الميثاق إلى النبيين (ميثاقهم) يعرب عن كون المراد من الميثاق هو الميثاق الخاص بهم ، كما أنّ ذكرهم بوصف النبوّة مشعر بذلك فهناك ميثاقان :

ميثاق مأخوذ من عامّة البشر وهو الذي يشير إليه قوله : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ) (الأعراف / ١٧٢).

وميثاق مأخوذ من النبيّين خاصّة بما أنّهم أنبياء وهو الذي تدل عليه الآية وهي و إن كانت ساكتة عن متعلّق الميثاق لكن تبيّنه الآية السابقة ، وهو أخذ الميثاق من النبيّين عامّة على أنّه إذا جاءهم رسول مصدّق لما معهم ، يفرض عليهم الإيمان به والنصرة له.

هذا و إنّ الهدف الأسمى من فرض الإيمان والنصرة هو تأييد بعضهم ببعض حتّى تستقرّ في ظل وحدة الكلمة ، كلمة التوحيد في المجتمع البشري و يكون الدّين كلّه لله سبحانه كما قال : (إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء / ٩٢). وقال : (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا. . .) (الشورى / ١٣).

ولأجل اتّفاق الأنبياء في الهدف والغرض يعدّ سبحانه قوم نوح مكذّبين للمرسلين ، وقال : (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ) (الشعراء / ١٠٥ و ١٠٦).

مع أنّهم لم يكذّبوا إلّا واحد منهم وهو نوح (عليه السلام) ، وذلك لأجل أنّ دعوتهم واحدة وكلمتهم متّفقة على التوحيد ، فيكون المكذّب للواحد منهم ، مكذّباً للجميع ، ولذا عدّ الله سبحانه الإيمان ببعض رسله دون بعض ، كفراً بالجميع ، قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا * أُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ

١٧
 &

حَقًّا) (النساء / ١٥٠ ـ ١٥١)(١).

و بما أنّ رسالة النبي الخاتم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) رسالة عالميّة خاتمة لجميع الرسالات اُخذ من جميع الأنبياء الميثاق على الايمان به ، ونصرته ، والتبشير به ليسدَّ باب العذر على جميع الاُمم حتّى يتظلّل الكلّ تحت لواء رسالته و يسير البشر عامّة تحت قيادته إلى السعادة.

و يشهد على ما ذكرنا ما روي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه ‌السلام) قال : «إنّ الله أخَذَ الميثاق على الأنبياء قَبْلَ نبيّنا أن يخبروا اُممهم بمبعثه ورفعته و يبشّروهم به و يأمروهم بتصديقه»(٢).

وروى الطبري والسيوطي عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال : «لم يبعث الله نبيّاً آدم فمن بعده إلّا أخذ عليه العهد في محمّد ، لئن بعث وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه ، و أمره بأن يأخذ العهد على قومه» ثمّ تلى هذه الآية : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ. .)(٣).

و يظهر من بعض الروايات أنّه أخذ الميثاق منهم على وصيّ النبيّ الخاتم.

روى المحدّث البحراني عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال :

لم يبعث الله نبيّاً ولا رسولاً إلّا وأخذ عليه الميثاق لمحمّد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بالنبوّة ولعليّ (عليه السلام) بالإمامة(٤).

وتخصيص الميثاق في هذه الروايات بالإيمان بالنبي الخاتم لا ينافي ما ذكرنا من عموميّة مفاد الآية ، وأنّها تعمّ جميع الأنبياء فالمتقدّم منهم كان مفروضاً عليه التبشير بالمتأخّر عن طريق الإيمان به ودعوة اُمّته إلى نصرته ، واقتفائه كائناً من كان ،

__________________

(١) الميزان ج ١٩ ص ٣٢١.

(٢) مجمع البيان ج ٢ ص ٤٦٨ (طبع صيدا).

(٣) تفسير الطبري ج ٣ ص ٢٣٧ ، و الدر المنثور ج ٢ ص ٢٧ ، و رواه الرازي في مفاتيح الغيب ج ٢ ص ٥٠٧ (طبع مصر) ، و الطبرسي في مجمعه ج ٢ ص ٤٦٨.

(٤) تفسير البرهان ج ١ ص ٢٩٤.

١٨
 &

لكن وجه التخصيص في تلك الروايات بالنبي الخاتم ، لأجل وقوعه آخر السلسلة و به ختم باب وحي السماء إلى الأرض ، فكأنَّ الكلّ بعثوا للتبشير به والدعوة إلى الإيمان به ونصرته.

بشائر النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الكتب السماويّة

لا تجد إنساناً سالماً في نفسه وفكره يقبل دعاوي الآخرين بلا دليل يثبتها ، وهذا أمر بديهي فطري جُبِل الإنسان عليه ، يقول الشيخ الرئيس : «من قبل دعوى المدّعي بلا بيّنة و برهان فقد خرج عن الفطرة الإسلامية»(١).

على هذا فيجب أن تقترن دعوى النبوّة بدليل يثبت صحّتها و إلّا كانت دعوى فارغة غير قابلة للإذعان والقبول ، لكن طرق التعرّف على صدق الدعوى ثلاث :

١ ـ التحدّي بالأمر الخارق للعادة على الشرائط المقرّرة في محلّه (الإعجاز).

٢ ـ تصديق النبيّ السابق بنبوّة النبيّ اللاحق.

٣ ـ جمع القرائن والشواهد من حالات المدّعي ، و المؤمنين به ومنهجه والأداة التي استعان بها في نشر رسالته ، إلى غير ذلك من القرائن التي تفيد العلم بكيفيّة دعوى المدّعي صدقاً وكذباً.

وقد استدلّ القرآن على صدق النبي الخاتم بتنصيص أنبياء الاُمم على نبوّته ، وقد عرفت تنصيص المسيح عليه بالاسم والتبشير به (٢) كما عرفت انّ سماته الواردة في العهدين كانت في الكثرة والوفور إلى درجة كانت الاُمم تعرفه على وجه دقيق كما تعرف أبناءها (٣).

وقد صرّح القرآن بأنّ أهل الكتاب يجدون اسم النبي الأكرم (صلّى الله عليه و آله

__________________

(١) نقله سيدنا الاُستاذ الإمام القائد الراحل في درسه و لم يذكر مصدره.

(٢) الصف / ٦.

(٣) البقرة / ٤٦.

١٩
 &

وسلّم) مكتوباً في التوراة و الإنجيل ، قال عزّ من قائل :

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ) (الأعراف / ١٥٧).

و قد آمن كثير من اليهود و النصارى بنبوّة النبيّ الخاتم (صلّى الله عليه وآله و سلّم) في حياته و مماته لصراحة البشائر الواردة في التوراة و الإنجيل ، بل لم يقتصر سبحانه على ذكر اسمه و سماته في العهدين ، بل ذكر سمات أصحابه و قال :

(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّـهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح / ٢٩).

كما لم يقتصر على أخذ العهد من النبيين ببيان البشائر به ، بل أخذ الميثاق من أهل الكتاب على تبيين بشائره للناس و عدم كتمانها ، قال سبحانه :

(وَإِذْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران / ١٨٧).

و هذه الآية تؤيّد ما استظهرناه من قوله سبحانه : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ... وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي...) و إنّ أخذ الميثاق لم يكن مختصّاً بالأنبياء ، بل أخذ سبحانه الميثاق من اُممهم بواسطتهم ، و ممّا أخذ منهم الميثاق عليه هو تبيين سمات الرسول الخاتم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و عدم كتمانها.

و قد كان ظهور النبي الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بين الاُمّيين على وجه كان اليهود يستفتحون به على مشركي الأوس و الخزرج ، و كانوا يقولون لمن ينابذهم : هذا نبيّ قد أطلّ زمانه ينصرنا عليكم ، قال سبحانه :

٢٠