مفاهيم القرآن - ج ١

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ذاتياً ـ ذلك الفهم والفكر والشعور الهادي وتكون ـ هي بذاتها ـ موجدة للأفكار التي تعين تلك الأحياء على الاهتداء إلى سبل حياتها.

وحيث إنّ هذا الاحتمال لا يمكن أن يكون وارداً وصحيحاً ، لذلك لابد أن نسلك طريقاً آخر بأن نقول :

٢. انّ طبيعة البناء الميكانيكي والتركيب المادي لهذه الأحياء تكفي ـ دون شيء آخر ـ لإيقاع هذه الأعمال ، ونقول بالتالي : إنّ اهتداء هذه الأحياء وما سوى ذلك من الأعمال التي ذكرناها والتي نشاهدها في عالم النمل والنحل وحشرة الموروفيل أو الاسفنج البحري ، كل ذلك إنّما هو نتيجة انتظام الأجزاء والعناصر الجسمانية لهذه الأحياء وانضمامها إلى بعض بنحو يؤدي ذلك النظم والتركيب الخاص إلى صدور هذه العمليات والأفعال من هذه الأحياء بصورة تلقائية لا إرادية.

وبعبارة أُخرى : أنّ الخواص الفيزياوية والكيمياوية لخلايا هذه الأحياء هي التي تقتضي وتوجب هذه السلسلة من الأعمال والنشاطات دون تدخل من خارج.

وفي هذه الصورة لن يكون موضوع « اهتداء » هذه الأحياء إلى سبيل حياتها دليلاً مستقلاً على وجود الله ، بل يندرج تحت عنوان « برهان النظم » لكونه مسألة ترجع إلى النظم ، فقد جهّزت خلقة هذه الأحياء بجهاز متين على نظم خاص رصين يقدر معه وبفضله على القيام بشؤون حياته كالأشجار فيكون اهتداؤها ليس إلّا مقتضي كيفية تركيب أجزائها.

٣. أن نختار ما اختاره بعض المحقّقين إذ قال ما خلاصته : إنّ الحركات

٢٢١
 &

والفعّاليات الصادرة من أي جهاز من الأجهزة إنّما يمكن التنبّؤ بها من قبل ما دامت ترتبط بنفس ذلك الجهاز وتركيبته ، بمعنى أنّ نفس الجهاز المادي وتشكيلاته الداخلية تكون كافية لأن تكون الإحاطة به سبباً للتنبّؤ بأعماله وفعالياته.

وبعبارة أُخرى : انّ ما تقوم به هذه الحشرات من الأعمال البديعة إنّما تصح نسبتها إلى الجهاز الميكانيكي إذا كان ذلك الجهاز كافياً في صدور تلك الأعمال منها بأن يكون نفس نظام ذلك الجهاز وكيفية تركيبه كافياً في القيام بهذه الأعمال.

وأمّا عندما يصل الأمر إلى موضع لا يجب أن يقوم ذلك الجهاز فيه بفعل مخصوص بل يواجه مفترق طريقين ، ومع ذلك يختار أحد الطريقين مما يكون موصلاً إلى الهدف فهناك لابد من الإذعان بأنّ مجرد النظم المادي لذلك الجهاز غير كاف لاختيار أحد الطريقين دون سواه ، بل انّ هذا النوع من الاهتداء والانتخاب كاشف عن وجود رابطة خفية بين الجهاز المذكور وبين مصيره ، وأنّ هذه الحقيقة ، أعني : الابتكار والابتداع ، دليل على الهداية من النوع الثاني « أي الذي لا يرتبط بنفس الجهاز ونفس نظامه وتركيبه العضوي » بل يرتبط بهداية عليا.

إنّ آلة حاسبة يمكن أن تصنع وتنظم بشكل تؤدي كل عمليات الجمع والطرح والضرب والتقسيم الحسابية بدقة متناهية ، ولكن من المستحيل أن تقدر هذه الآلة الحاسبة على القيام بابتكار وابتداع قاعدة رياضية واحدة.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى آلة ترجمة فإنّها قادرة على ترجمة كلام شخص أو مقالة ، ترجمة دقيقة متقنة ، ولكن نظمها لا يقدر ـ أبداً ـ على تصحيح أخطاء ذلك

٢٢٢
 &

القائل والقيام بعمل ابتكاري ، وابداعي من هذا النمط. (١)

ونستخلص مما سبق أنّ القدرة الغيبية الخفية التي تهدي هذه الأحياء ، قوة واسعة مطلقة تحيط علماً بكل الحشرات ، إحاطة شاملة كاملة وهي عنده بمنزلة سواء.

وتلك القوة الهادية العظيمة ليست سوى الله تعالى أو سائر القوى الغيبية المدبّرة لأُمور الكون العاملة بإذن الله ومشيئته ، التي أُنيطت إليها هداية هذه الحشرات وإرشادها وتوجيهها.

وأخيراً لابد من الإشارة إلى نكتة مهمة وهي :

أنّ هذا البرهان سواء رجع إلى برهان النظم بمعنى أنّ أعمال هذه الأحياء ما هي إلّا نتيجة النظم المادي الحاكم على تركيبتها المادية ، وتشكيلاتها الداخلية ، أو قلنا بأنّ هناك قوة هادية هي التي تقوم بهداية هذه الحشرات إلى تلك الأعمال والمواقف العجيبة ، وتساعدها في هذه الابتكارات والإبداعات فيكون هذا برهاناً مستقلاً بنفسه.

أقول : سواء كان هذا أم ذلك فإنّ مما لا شك فيه انّ دراسة « الأحياء » في حد ذاتها واحدة من سبل معرفة الله وإحدى الطرق للتعرف عليه.

وقد اعتمد القرآن على ذلك في غير الآية المذكورة ـ في مطلع بحثنا هذا ـ إذ يقول ـ في موضع آخر ـ مخبراً عن الله بأنّه :

( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ). (٢)

__________________

١. راجع تعاليق أُصول الفلسفة للأُستاذ الشهيد مرتضى مطهري : ٤٩ ـ ٥١.

٢. الأعلى : ٢ ـ ٣.

٢٢٣
 &

والجدير بالذكر أنّ الإمام علياً عليه‌السلام أشار إلى هذا البرهان ذاته عندما تحدّث عن خلقة النمل قائلاً :

« ولو فكروا في عظيم القدرة ، وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق ، ولكن القلوب عليلة والبصائر مدخولة !

ألا ينظرون إلى صغير ما خلق ، كيف أحكم خلقه ، وأتقن تركيبه ، وفلق له السمع والبصر ، وسوى له العظم والبشر ؟

انظروا إلى النملة في صغر جثتها ، ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبتّ على أرضها ، وصبت على رزقها ، تنقل الحبة إلى جحرها ، وتعدّها في مستقرها ، تجمع في حرّها لبردها ، وفي ورودها لصدرها ، مكفولة برزقها ، مرزوقة بوفقها ، لا يغفلها المنّان ، ولا يحرمها الديّان ولو في الصفا اليابس والحجر الجامس !

ولو فكرت في مجاري أكلها في علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها ، وما في الرأس من عينها وأذنها ، لقضيت من خلقها عجباً ، ولقيت من وصفها تعباً ! فتعالى الذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها ! لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه في خلقها قادر ، ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلتك الدلالة إلّا على أنّ فاطر النملة هو فاطر النخلة لدقيق تفصيل كل شيء وغامض اختلاف كل حي ، وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلّا سواء ».

وفي سياق هذا الكلام يقول الإمام عليه‌السلام :

٢٢٤
 &

« وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان » ؟ (١)

وتبعه في ذلك الإمام الصادق عليه‌السلام حيث ذكر في أماليه التي أملاها على تلميذه « المفضل » إذا قال عن النحل مثلاً :

« انظر إلى النحل واحتشاده في صنع العسل ، وتهيئته البيوت المسدّسة ، وما ترى في ذلك من دقائق الفطنة ، فإنّك إذا تأمّلت العمل رأيته عجيباً ، وإذا رأيت المعمول (أي العسل) وجدته عظيماً شريفاً موقعه من الناس.

و إذا راجعت إلى الفاعل (أي النحل) ألفيته غبياً جاهلاً بنفسه (٢) فضلاً عمّا سوى ذلك ، ففي هذا أوضح الدلالة على أنّ الصواب والحكمة في هذه الصنعة ليس للنحل ، بل هي للذي طبعه عليها وسخّره فيها لمصلحة الناس ». (٣)

__________________

١. نهج البلاغة : الخطبة : ١٨٠ ، وللإمام نظير هذا الكلام في الخفاش والطاووس والجراد ، راجع نهج البلاغة.

٢. قال المجلسي ـ رحمه الله ـ في بحار الأنوار في تعليقته : ٣ / ١١٠ على هذا المقطع من كلام الإمام : أي ليس له عقل يتصرف في سائر الأشياء على نحو تصرفه في ذلك الأمر المخصوص ، فظهر أنّ خصوص هذا الأمر (الهام) من مدبّر حكيم.

٣. المصدر السابق.

٢٢٥
 &
٢٢٦
 &

الفصل الرابع الله وسريان معرفته في العالم كلّه

٢٢٧
 &



° سريان معرفة الله في الكون بأسره

١. الكون بأسره يسجد لله ويسبّح بحمده.

٢. ما هو المقصود من سجود أجزاء الكون ؟

٣. بيان حقيقة سجود الكائنات.

٤. ما المراد من السجود الطوعي والإكراهي ؟

٥. الحمد والتسبيح الكوني كيف ؟

٦. آراء المفسرين في تسبيح الكائنات.

٧. النظرية الأُولى.

٨. النظرية الثانية.

٩. النظرية الثالثة.

١٠. النظرية الرابعة.

١١. القرآن وسريان الشعور في عموم الموجودات.

١٢. القرآن وسريان الشعور في الجمادات.

١٣. البرهان العقلي على هذا الرأي.

١٤. سريان الشعور والعلم الحديث.

٢٢٨
 &

ذرّات الكون بأجمعها تسجد لله وتسبّح بحمده

من الحقائق الجليلة والمعارف الرفيعة التي تضمّنها القرآن الكريم هو إخباره عن سجود الكائنات ـ بأجمعها ـ لله وتسبيحها له سبحانه.

وتلك حقيقة عليا لم تسمع إذن الدهر من غير هذا الكتاب العزيز بمثل هذا التفصيل والشمولية.

وبعبارة أُخرى فإنّ القرآن الكريم يخبرنا ـ وفي صراحة كاملة ـ أنّ جميع أجزاء العالم ـ بدءاً من الذرة حتى أعظم مجرّة ـ تقوم بثلاث وظائف وأعمال كبرى هي :

١. السجود لله تعالى.

٢. حمده وتمجيده عز شأنه.

٣. تسبيحه وتنزيهه سبحانه.

وكأنّ الكون بأسره : « كتلة واحدة » من الخضوع والخشوع ، والشعور والإحساس والوعي.

أو كأنّ الكون ـ بجميع أجزائه وذرّاته ـ لسان واحد ينطق بحمد الله ، ويلهج بثنائه ، وقلب واحد ينبض بتمجيده ، ويؤدّي السجود له.

٢٢٩
 &

والفرق بين السجود والتسبيح والحمد واضح.

أمّا السجود فهو الخضوع أمام كماله المطلق ، أو الخضوع أمام أنعامه وأفضاله.

وأمّا الفرق بين الحمد والتسبيح فيتلخص في أنّ الحمد تمجيد لله وثناء عليه بالجميل الاختياري ، في حين أنّ حقيقة التسبيح تعني أنّ موجودات هذا العالم بأجمعها تنزهّه عن أي نقص وعيب.

قال الراغب ـ في مفرداته : ـ « الحمد لله : الثناء عليه بالفضيلة وهو أخص من المدح ، وأعم من الشكر ، فإنّ المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره وغيره ، فقد يمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه كما يمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه والحمد يصح في الثاني دون الأوّل ، والشكر لا يقال إلّا في مقابلة نعمة فكل شكر حمد وليس كل حمد شكراً ، وكلّ حمد مدح وليس كل مدح حمداً ». (١)

إذا تبين هذا فإنّ علينا الآن أن نتحدث بالتفصيل عن هذه الأُمور الثلاثة التي هي من معارف القرآن العليا.

° ذرّات الكون بأجمعها تسجد لله

طرح القرآن الكريم قضية « سجود الكائنات بأسرها لله » في صور مختلفة.

ففي بعض الآيات تحدّث عن سجود ذوات الشعور من موجودات هذا العالم خاصة إذ قال :

( وَلِلَّـهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ

__________________

١. مفردات الراغب باب الحاء : حمد.

٢٣٠
 &

وَالْآصَالِ ). (١)

ففي هذه الآية (٢) أُشير إلى سجود الموجودات العاقلة خاصة ، بدلالة لفظة ( مَن ) في قوله ( وَلِلَّـهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ ) مع العلم بأنّ (مَن) تستعمل في العقلاء.

وبما أنّ الآية تخبر عن سجود الموجودات العاقلة كلّها بلا استثناء ، لا يمكن حملها على السجود التشريعي الصادر من المؤمنين لأجل امتثال أمر إلههم ، لأنّه من الواضح عدم عمومية هذا النوع من السجود لكل من له عقل وفكر ، فإنّ كثيراً من الناس يتركون عبادة ربهم والسجود له ، فعندئذٍ يجب تفسير الآية بالسجود التكويني الذي سنبيّن مفاده.

وقد أُشير إلى هذا النوع من السجود ، أعني : سجود العقلاء ، أيضاً في سورة النحل إذ يقول :

( وَلِلَّـهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ ). (٣)

والشاهد فيها هو سجود الملائكة.

وفي سورة الحج إذ يقول :

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ ). (٤)

__________________

١. الرعد : ١٥.

٢. محل الاستشهاد هو قوله سبحانه : ( وَلِلَّـهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ ) باعتبار لفظ « من » وإن كانت لفظة « وظلالهم » دالة على سجود الموجودات غير العاقلة أيضاً ، لكن بهذا الاعتبار تدخل الآية في الطائفة الرابعة الآتية.

٣. النحل : ٤٩.

٤. الحج : ١٨.

٢٣١
 &

وفي طائفة أُخرى من الآيات تحدّث القرآن عن نطاق أوسع للسجود ، فتحدّث عن سجود كلّ الدواب ، إذ يقول ـ كما في الآية المتقدمة ـ.

( وَلِلَّـهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ ) (١).

ثم تحدث ثالثاً عن سجود النباتات والأشجار إذ قال :

( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) (٢).

ثم تحدّث رابعاً عن سجود أكثر شمولاً ، إذ قال وهو يخبر عن سجود ظلال الأجسام :

( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّـهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّـهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ) (٣).

وقد تقدم في التعليقة السابقة دلالة قوله : ( وَظِلَالُهُم ) على مفاد هذه الآية أيضاً.

وتحدّث خامساً عن سجود الشمس والقمر والكواكب والجبال والشجر والدواب إذ يقول :

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ) (٤).

فهذه النصوص القرآنية تفيد بأنّ السجود ظاهرة عامة ، وحالة تشمل كل

__________________

١. النحل : ٤٩.

٢. الرحمن : ٦.

٣. النحل : ٤٨.

٤. الحج : ١٨.

٢٣٢
 &

أجزاء هذا الوجود دون أن تختص بشيء معين.

إنّ ما هو المهم ـ هنا ـ هو فهم حقيقة هذا السجود ، وكيف أنّ هذه الموجودات أجمع (عاقلها وغير عاقلها) تظهر الخضوع أمام الله وتسجد له سبحانه.

° ما هو المقصود من سجود أجزاء الكون ؟

يؤدّي الإنسان عمل السجود ـ عادة ـ بالهوي إلى الأرض ، ووضع الجبين أو الذقن على التراب ، وإلى هذا يشير القرآن الكريم إذ يقول :

( إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ). (١)

وهذه الهيئة ـ ما هي في الحقيقة ـ إلّا الشكل الظاهري للسجود ، ولكن جوهرها وروحها هو « إظهار غاية التذلّل والخضوع أمام المعبود ».

وهنا ينطرح هذا السؤال وهو : هل يلزم ـ في السجود ـ وجود هيئة خاصة بحيث لا يصح استعمال هذه اللفظة مع عدم تلك الصورة الخاصة ، أو أنّ ملاك السجود هو مجرد إظهار الخضوع ، فإذا تحقّق ذلك ، تحقّقت حقيقة السجود وصح إطلاق لفظة السجود على ذلك المورد دونما إشكال ، حتى وان لم يكن في البين تلك الهيئة الخاصة ، حتى أنّ إطلاق السجود على الهيئة الخاصة ليس إلّا باعتبار أنّ تلك الهيئة تحكي في نظر العرف عن غاية التواضع ومنتهى الخضوع وباعتبار أنّها ـ في الحقيقة ـ طريق إلى إظهار الصغار والتذلّل أمام المعبود ؟

__________________

١. الإسراء : ١٠٧.

٢٣٣
 &

الحق أنّ القرآن يختار في هذه المسألة الطريق الثاني ، بمعنى أنّ السجود في نظر القرآن الكريم هو إظهار التذلّل والخضوع في أية صورة تحقّق وفي أي شكل وقع.

ويدلّ عليه أنّ أئمّة اللغة فسّروا السجود بالذل والتطامن تارة ، وطأطأة الرأس وانحنائه تارة أُخرى بلا إشارة إلى الهيئة المخصوصة الرائجة.

قال ابن فارس : « سجد يدلّ على تطامن وذل ، يقال : سجد ، إذا تطامن وكل ما ذلّ فقد سجد ، قال أبو عمرو : سجد الرجل ، إذا طأطأ رأسه وانحنى.

قال أبو عبيدة أنشدني أعرابي أسدي :

« وقلن له اسجد للبلى فاسجدا ».

يعني البعير إذاطأطأ رأسه ». (١)

قال الراغب في مفرداته : « السجود أصله التطامن والتذلّل ، وجعل ذلك عبارة عن التذلّل لله وعبادته ، وهو عام في الإنسان والحيوان والجماد ، وذلك ضربان :

سجود باختيار وليس ذلك إلّا للإنسان.

وسجود تسخير وهو للإنسان والحيوان والنبات حتى فسر قوله تعالى : ( وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ) (٢) ، بقوله متذلّلين منقادين ». (٣)

وعلى ذلك فاحتمال انّ السجدة مختصة بالهيئة المخصوصة واستعمالها في

__________________

١. المقاييس : ٢ / ١٣ مادة سجد.

٢. البقرة : ٥٨.

٣. مفردات الراغب : مادة سجد.

٢٣٤
 &

غيرها مجاز ، بعيد ، كاحتمال أنّ المقصود هو أنّنا ندرك الخضوع والسجود من الموجودات غير الشاعرة لا أنّها تظهر من نفسها التذلّل والخضوع الذي هو أبعد ، لكونه خلاف المتبادر من نسبة السجود إلى ذوات الموجودات بأنفسها ، لا أنّ الغير يدرك ذلك منها من دون أن توجد حقيقة السجود في ذواتها.

على أنّ العرف والعقل هما أيضاً اختارا هذا الطريق (أي عدم الخصوصية) في أمر استعمال الألفاظ.

فعندما استعملت لفظة المصباح على المصابيح البدائية كالشمعة التي لا تضيء إلّا بضع سانتيمترات حولها وما عداها من المصابيح البدائية ذات الهيئة الخاصة التي لا تشبه المصابيح الضخمة الحاضرة في أية جهة من الجهات.

أقول : يوم استعملت هذه اللفظة أُريد منها ـ في الحقيقة ـ ما يضيء ، ولذلك حيث إنّ خاصية تلكم المصابيح القديمة موجودة ـ بذاتها ـ في المصابيح الحاضرة وبنحو أكمل جاز وصح استعمال اللفظة المذكورة في المصابيح الضخمة القوية الضوء ، أيضاً دون أي تغيير.

° حقيقة سجود الكائنات

جميع الكائنات في هذا الوجود ، تظهر من نفسها التذلّل والخضوع لله ، وبنحو خاص.

وإنّ أعلى مظاهر ذلك الخضوع ، والتذلّل لله هو كون العالم بأسره تحت أمره سبحانه وفي قبضته ، وهو كونها ـ دون استثناء ـ مطيعة له تعالى ، ومؤتمرة بأوامره ، وخاضعة لمشيئته المطلقة.

٢٣٥
 &

وبتعبير آخر : انّ علامة هذا الخضوع الكوني الشامل هو : سيادة الإرادة الواحدة على الكون برمّته واتّباع كلّ أجزاء هذا العالم لتلك الإرادة العليا الواحدة دون مقاومة ، أو تمرّد ، ودون طغيان أو تردّد.

وبناء على هذا لا يمكن تصور أي نوع من « الإكراه والكراهية » في السجود بهذا المعنى ونعني به : الإطاعة المطلقة للأرادة الإلهية النافذة في مجال التكوين.

إذ « الإكراه » إنّما يتصور عندما يملك الشيء إرادة واختياراً من نفسه ، ليتمكن من معاندة المكره ومقاومته ، ومخالفة أمره في حين لا يملك أي واحد من هذه الكائنات « وجوده » دون الاستناد إلى الله ، فكيف يمكن لها ـ والحال هذه ـ أن تخالف مشيئة الله ، ويصدق عليها أنَّها مكرهة في سجودها أمام العظمة الإلهية ، وخضوعها أمام المشيئة الربانية ؟

° السجود الطوعي والإكراهي

إذا كان معنى السجود هو خضوع الموجود أمام إرادة الله ومشيئته ، فلا معنى لتقسيمه إلى الطوعي والإجباري مع أنّا نرى القرآن الكريم يثبت للإنسان ولغيره من ذوي العقول نوعين من السجود إذ يقول :

( وَلِلَّـهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ). (١)

سجود عن طواعية ورغبة.

وسجود عن كراهية وإجبار.

وفي هذه الصورة لابد أن نختار لهذين النوعين من السجود معنى آخر غير

__________________

١. الرعد : ١٥.

٢٣٦
 &

ما سلف فنقول : إنّ المراد بـ « السجود الطوعي » هو قبول تلك الحالات الملائمة للطبع البشري أو لطبع أي موجود آخر ، كالنمو ، ودوران الدم ، وضربان القلب ، بينما يكون المقصود بـ « السجود الإجباري » هو قبول تلك الحالات المنافية للطبع كالموت والبلاء والمحنة التي تقضي على الإنسان أو الحيوان قبل حلول أجله الطبيعي.

والجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم استعمل هاتين اللفظتين : « طوعاً وكرهاً » في مورد سجود السماوات والأرض ، ومن الطبيعي أنّ المقصود من ذلك هو ما قلناه كذلك.

فمراد الله من خطابه للسماوات والأرض إذ يقول لهما : ( ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) هو دعوة السماوات والأرض إلى أن تقبل أي نوع من التغيّرات والتبدّلات والحالات سواء أكانت ملائمة لطبعها أم لا ؟

وعلى هذا فإنّ قبول الشيء للوجود ، وقبوله لأي نوع من التصرّفات سواء أكانت موافقة لطبعه أم مخالفة له ، خضوع وإظهار للتذلّل أمام الله ، غاية ما هنالك أنّ قبول هذه الأُمور قد يكون كلّه عن رغبة وطواعية باعتبار ، وقد يكون قبول بعض هذه الحالات عن كراهية عندما تكون على خلاف طبع الشيء.

على أنّه ليس وجود الموجودات هو وحده في قبضة الله تعالى ، بل ظلالها هي الأُخرى تابعة لإرادته تعالى في حركاتها ، وتحوّلاتها ، بكرة وعشياً كما قال سبحانه :

( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّـهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّـهِ ). (١)

__________________

١. النحل : ٤٨.

٢٣٧
 &

فهل ترى يجوز للإنسان ـ وهو يجد جميع الكائنات حتى ظلالها تسبِّح لله وحده ـ.

هل يجوز لهذا الإنسان أن يشرك في سجوده أو يمتنع من الخضوع أمامه تعالى ، وله يسجد كل ما عداه ؟!

وبعد أن تعرّفنا على معنى سجود الموجودات آن الأوان أن نتحدّث بتفصيل أكثر عن تسبيحها وحمدها لله وتمجيدها له سبحانه.

* * *

إذا وقفت على ما تعنيه آيات السجود فلا يمكن أن يستفاد منها علم الموجودات بسجود نفسها ، بعد ما كان معنى السجود هو مطلق خضوعها وتذلّلها لدى إرادة بارئها.

نعم يستفاد سريان العلم في جميع الموجودات من آيات التسبيح كما سيمر عليك.

° الحمد والتسبيح الكونيان كيف ؟

كل الكائنات ـ في هذا الوجود ـ تسبح لله ، وتحمده ، وتمجّده.

هذه ـ كما قلنا ـ حقيقة نطق بها الكتاب العزيز في أكثر من موضع.

وقد مر عليك أنّ الحمد يعني ثناء الموجودات على الله ، لأجل أفعاله الجميلة وكمالاته الاختيارية ، وأنّ التسبيح يعني تنزيهه عن كل عيب ونقيصة ، وبالتالي وصف الله بالتنزيه عن الصفات السلبية التي لا تليق بشأنه.

قال ابن فارس في مقاييسه : « التسبيح : هو تنزيه الله جل ثناؤه من كل سوء ،

٢٣٨
 &

والتنزيه : التبعيد ، والعرب تقول : سبحان من كذا : أي ما أبعده ».

وحيث إنّ بعض الآيات ذكرت كلا اللفظين في مكان واحد ، لذلك سنبحث عنهما في مقام واحد أيضاً دون تفريق.

وسنذكر كل الآيات الواردة في هذا الباب فيما يأتي.

* * *

١. ربما عرض القرآن موضوع تسبيح الموجودات في نطاق واسع ، واعتبره أمراً عاماً ، وحالة شاملة لكل الكائنات بلا استثناء عندما يقول :

( سَبَّحَ لِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ). (١)

ولفظة (ما) على العكس ممّا يتصوره البعض ، تستعمل في العاقل وغيره ، والمقصود ـ هنا ـ في هذه الآية هو كل موجود وكائن في السماوات والأرض.

وعلى هذا الغرار أيضاً كل ما جاء في المواضع التالية من القرآن :

( سَبَّحَ لِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ). (٢)

( يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ). (٣)

( سَبَّحَ لِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ). (٤)

( يُسَبِّحُ لِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ). (٥)

__________________

١. الحديد : ١.

٢. الحشر : ١.

٣. الحشر : ٢٤.

٤. الصف : ١.

٥. الجمعة : ١.

٢٣٩
 &

( يُسَبِّحُ لِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ). (١)

على أنّ أشد آية صراحة في هذا الشأن هو قوله تعالى :

( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ). (٢)

والجدير بالذكر أنّ هذه الآية تحمل في ذيلها دليل ما ادّعيناه وهو قوله :

( وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ). (٣)

وهي عبارة تكشف عن أنّ التسبيح العام أمر واقع وكائن ، ولكن البشر لا يفقه ذلك.

٢. وربّما تحدّث القرآن عن تسبيح الملائكة بالصراحة تارة ، وبالكناية تارة أُخرى ، إذ يقول :

( وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ). (٤)

وقد ورد الإخبار بتسبيح الملائكة في آيات أُخرى غير هذه الآية أيضاً ، وهي :

( إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ). (٥)

__________________

١. التغابن : ١.

٢ و ٣. الإسراء : ٤٤.

٤. الشورى : ٥.

٥. الأعراف : ٢٠٦.

٢٤٠