مفاهيم القرآن - ج ١

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وهذا كما لو أمر بتجييش الجيش ، والنفر إلى الجهاد ، ومكافحة الظالمين إلى غير ذلك ممّا يتقوّم به إصلاح المجتمع ، ولأجل ذلك عد الله سبحانه مخالفة النبي معصية ربما توجب الخروج عن الدين.

وما ورد من الآيات الدالة على لزوم طاعة النبي ناظرة إلى هذا القسم من الأوامر الناشئة من هذا المقام ، إنّ مقام النبي في هذه الصورة هو مقام القائد الذي يأمر من يكون تحت قيادته وإمرته أو ينهاه ، وليس مقام الإبلاغ المحض الذي ليس له شأن سوى إبلاغ أحكامه سبحانه.

قد تقتضي المصالح الإسلامية ـ مثلاً ـ أن يدفع المسلمون ـ عدا الحقوق المالية الواجبة عليهم ـ مبالغ إضافية في سبيل المصالح الإسلامية ، أو قد يطّلع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ظلم رجل لزوجته ، ويرى في استمرار العلاقة الزوجية بينهما حرجاً لا يطاق وعسراً لا يتحمّل ، وفي مثل هذه الصور يأمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدفع الضرائب الخاصة للدولة الإسلامية وإطلاق سراح الزوجة حسماً لمادة الفساد ، ويجب على المؤمنين إطاعته ، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه :

( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ). (١)

ففي هذه الآية التي تتحدّث عن معصية الله والرسول ليس المقصود هو معصية الرسول بما هو مبلغ لرسالات الله وأحكامه ، إذ ليس في هذه الحالة للرسول الأعظم أي أمر ونهي حتى تعد مخالفته مخالفة للرسول ، بل هو في هذه الحالة ليس إلّا مبلغاً ومنبّئاً ورسولاً بين الله وعباده.

إنّ معصية الرسول إنّما تتحقّق إذا كانت الأوامر صادرة عن موقع القيادة

__________________

١. الأحزاب : ٣٦.

٦٤١
 &

والإمرة ، وعند ذلك يعد الأمر والنهي أمراً ، ونهياً له وتعد المخالفة مخالفة له.

والعجب أنّ صاحب المنار حصر إطاعة النبي في مورد الأحكام التي أمر الله رسوله أن يبلغها عنه حيث قال : قضت سنَّة الله بأن يبلغ عنه شرعه للناس رسل منهم وتكفل عصمتهم في التبليغ ، ولذلك وجب أن يطاعوا في ما يبيّنون من الدين والشرع.

مثال ذلك أنّ الله تعالى هو الذي شرع لنا عبادة الصلاة وأمرنا بها ، ولكنّه لم يبيّن لنا في الكتاب كيفيتها وعدد ركعاتها ولا ركوعها ولا سجودها ولا تحديد أوقاتها ، فبيّنها الرسول بأمره تعالى إيّاه بذلك في مثل قوله : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ). (١)

فهذا البيان بإرشاد من الله تعالى فاتّباعه لا ينافي التوحيد ولا كون الشارع هو الله وحده. (٢)

وضعف هذا الكلام ظاهر ، إذ ليس للنبي الأكرم في هذا المضمار أي أمر ولا نهي ، وإنّما هو مجرد مبلِّغ أو مذكِّر وليس له عليهم أية سلطة وسيطرة ، وإليه يشير قوله سبحانه :

( فَذَكِّر إِنَّمَا أَنْت مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ). (٣)

نعم في مجال الحاكمية التي يحتل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها دست الحكومة ، يكون له الأمر والنهي.

__________________

١. النحل : ٤٤.

٢. راجع تفسير المنار : ٥ / ١٨٠.

٣. الغاشية : ٢١ ـ ٢٢.

٦٤٢
 &

° ٢. أُولو الأمر

إنّ الفريق الثاني الذي أوجب الله طاعتهم علينا من سمّاهم الله سبحانه بأُولي الأمر ويكون لهم بالتالي مقام الآمرية والقيادة في المجتمع الإسلامي ، حيث قال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ). (١)

وبما أنّ التعرف على أُولي الأمر في المجتمع الإسلامي أنسب بمباحث القيادة والحكم نرجئ البحث عنه إلى الجزء الثاني الذي يتكفّل بتحليل مباحث النبوة في الكتاب العزيز ، ونبحث عنه عند البحث عن الرسول الخاتم والنبي القائد.

° ٣. الوالدان

اتّفق المسلمون ـ اقتداء بالكتاب العزيز ـ على حرمة مخالفة الوالدين مستندين إلى قوله سبحانه :

( وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ). (٢)

إذ لو كانت لفظة ( أُفٍّ ) التي توجب انزعاجهما محرّمة ، فمن الأولى أن

__________________

١. النساء : ٥٩.

٢. الإسراء : ٢٣.

٦٤٣
 &

تكون مخالفتهما في سائر الأُمور التي توجب انزعاجهما بكثرة حراماً أيضاً ، نعم إطاعتهما وإن شئت قل : حرمة مخالفتهما محددة بما إذا لم يأمرا بالشرك ، بل بما إذا لم يأمرا بما فيه معصية الله.

لأنّ القرآن لمّا نهى عن طاعة أمر المسرفين في قوله : ( وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ) (١) ، وعن طاعة الآثم والمكذِّب والغافل في قوله : ( وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ) (٢) ، وقوله سبحانه : ( فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ) (٣) ، وقوله سبحانه : ( وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) (٤) ، وجب علينا أن لا نطيع أمر من يأمر بمخالفة الله ومعصيته ، فإنّ ذلك يشبه أمر من أغفل الله قلبه أو صار من المكذبين والمسرفين ، سواء في ذلك الوالدان وغيرهما ، وبذلك تكون دائرة الإطاعة أضيق مما سبق فتتحدد الإطاعة عندئذ بما لم تكن دعوتهما دعوة إلى معصية الله ومخالفته ـ على الإطلاق ـ.

لقد دعا القرآن الكريم المجتمع البشري إلى تكريم مقام الوالدين واحترامهما ، وإطاعتهما ، ولكنّه ذكّر ـ في نفس الوقت ـ بنقطة مهمة وجديرة بالاهتمام وهي : أنّ محبة الأبناء لآبائهم وأُمّهاتهم يجب أن لا تكون محبة عمياء ، ولا أن تكون طاعتهم لهم طاعة غير محسوبة تسبب في الخروج عن حدود العدالة.

فإنّ على الأبناء أن لا يكتموا الشهادة الحقّة حتى لو كانت ضد آبائهم وأُمهاتهم لو كانوا ظالمين حقاً.

__________________

١. الشعراء : ١٥١.

٢. الإنسان : ٢٤.

٣. القلم : ٧.

٤. الكهف : ٢٨.

٦٤٤
 &

فها هو القرآن الكريم يقول في هذا الصدد :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّـهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ). (١)

فلو دعا أحد الوالدين ولده إلى الشرك ، وجب أن يقاومهما ، فلا تجرّه مودته وعاطفته إلى اختيار الباطل ، ولا ينساق وراء ما دعا إليه الأبوان بدافع المحبة ، كما يقول القرآن الكريم :

( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ). (٢)

( وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ). (٣)

ولقد أشار الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام إلى حق إطاعة الوالدين المحدود ، في عبارة مقتضبة له ، إذ قال :

« فحق الوالد على الولد أن يطيعه ـ أي الولد يطيع والده ـ في كل شيء إلّا في معصية الله » (٤).

__________________

١. النساء : ١٣٥.

٢. لقمان : ١٥.

٣. العنكبوت : ٨.

٤. نهج البلاغة : الكلمات القصار : رقم ٣٩٩.

٦٤٥
 &
٦٤٦
 &

الفصل الثاني عشر الله والتوحيد في الحاكمية

٦٤٧
 &



° الله وانحصار حق الحاكمية فيه

١. انحصار حق الحاكمية فيه سبحانه.

٢. الآثار السيئة لفقدان القائد.

٣. الاقتداء بسيرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

٤. الولاية والحاكمية لله سبحانه.

٥. الولاية لله سبحانه لا الإمرة والإدارة.

٦. كلمة أخيرة.

٦٤٨
 &

الحكومة ضرورة اجتماعية

بالرغم من تصوّر البعض بأنّ « الحرية » وقيام « السلطة الحكومية » أمران متناقضان لا يجتمعان أبداً وأنّ صيانة الحرية الفردية تقتضي ـ بالضرورة ـ أن تحذف « الحكومة والدولة » من قاموس الحياة البشرية.

وبالرغم من تصوّر أنّ الدول والحكومات هي ما تتألف ـ دائماً ـ من الأقوياء ، وتراعي حقوقهم ومصالحهم على حساب حقوق الضعفاء ومصالحهم.

وكذا بالرغم من تصوّر أنّ الإنسان طيب ذاتاً وأنّه مخلوق عاقل وعالم فلا حاجة إذن إلى وجود دولة تنظم أُموره وتدبّر شؤونه وتحفظ مصالحه.

على الرغم من جميع تلك التصوّرات والمزاعم التي تكشف عن نوع من السفسطة والسذاجة ولا تنتج سوى الفوضى والهرج والمرج فإنّ ضرورة وجود حكومة في حياة البشر في غاية الوضوح بحيث لا يحتاج إلى دليل وبرهان أبداً.

إنّ الضرورة تقضي بقيام دولة تصون الحريات الفردية إلى جانب المصالح الاجتماعية وتسعى في تنظيم الطاقات وتنمية المواهب ، وتوقف أبناء المجتمع على واجباتهم ، وتجري القوانين الإلهية أو البشرية.

ولأجل هذا اعتبر جماعة من الفلاسفة والعلماء الكبار ، (كإفلاطون وأرسطوا وابن خلدون وغيرهم (١) ، وجود الدولة ضرورة حيوية لا بد منها.

__________________

١. مقدمة ابن خلدون : ٤١ ـ ٤٢.

٦٤٩
 &

ولم يشذ عن ذلك إلّا ماركس الذي اعتبر وجود الدولة أمراً ضرورياً ما دام هناك وجود للصراع الطبقي ، أما مع انتشار الشيوعية واستقرار النظام الشيوعي في العالم كله فلا حاجة إليها.

غير أنّ ماركس نظر إلى الحياة البشرية من زاوية واحدة هي زاوية « الصراع الطبقي » في حين أنّ للحياة البشرية زوايا أُخرى لو نظر إليها ماركس ، وطالعها بموضوعية ودقة ، لما حكم بعدم الحاجة إلى الدولة ، ولما دعا إلى زوالها حتى بعد انتشار الشيوعية ـ حسب نظره ـ.

لأنّ سبب النزاع والاختلاف بين أفراد البشر لا ينحصر في الصراع الطبقي فقط بحيث لو زال هذا الصراع لأصبحت الأرض جنة عدن ، بل هناك الغرائز البشرية كغريزة حب الجاه ، وحب الذات ، وغيرها من الغرائز غير المهذبة ، هي أيضاً منشأ الصراع والاختلاف بين البشر إلى جانب « الصراع الطبقي ».

ثم على فرض أن لا يكون هناك صراع طبقي فضرورة وجود الحكومة لأجل إدارة المجتمع من زاوية للقيام بحوائجها الاجتماعية أمر لا مناص منه.

فالمجتمع الذي زال فيه الصراع الطبقي لا يشذ عن سائر المجتمعات في احتياجه إلى من يدير أُموره من تأمين سكنه وصحته وتعليمه وتربيته ومواصلاته البرية والبحرية والجوية ، والفصل في خصوماته في ما لا يرجع إلى الأُمور الطبقية إلى غير ذلك من الشؤون التي لا مناص منها لإقامة المجتمع مما يحتاج إلى المؤسسات ، وإدارة شؤونها.

فلابد من مؤسسات تقوم كل واحدة منها بناحية من هذه الأُمور وتنظيمها ولا نعني من الحكومة إلّا هذا.

٦٥٠
 &

وعلى أي حال فلابد من دولة توقف الناس على وظائفهم القانونية ، وتعاقب المخالفين المتجاوزين ، وتعيد الحقوق المهضمومة إلى ذويها ، وتصون النظام والانضباط الاجتماعي الذي يمثل قاعدة السعادة ورمز بقاء المدنية ، وأساس استمرار الحضارة وسبب تقدم البشرية في المجالات المادية والمعنوية.

وخلاصة القول : إنّ حفظ النظام الاجتماعي والحضارة الإنسانية وتعريف أفراد المجتمع بواجباتهم ، ومالهم وما عليهم من الحقوق ، ورفع أي نزاع وتصارع في حياة الجماعة أُمور تحتاج إلى : مرجع قوي يقوم بهذه المهام الضخمة ، وهذا الواجب الإنساني الشريف ويحفظ بالتالي أساس الحضارة الذي هو حفظ النظام الاجتماعي وصيانته من التقهقر والانحطاط.

إنّ حقيقة الإسلام ليست إلّا سلسلة من « الأُصول والفروع » المنزلة من جانب الله والتي كلَّف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدعوة الناس إليها وتطبيقها على الحياة في الظروف المناسبة ، ولكن حيث إنّ تطبيق طائفة من الأحكام التي تكفل استقرار النظام في المجتمع لم يكن ممكناً دون تشكيل حكومة وقيام دولة ، لذلك أقدم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحكم العقل ، وبحكم ما كان له من الولاية المعطاة له من قبل الله ، على تشكيل دولة.

على أنّ الحكومة ليست بذاتها هدف الإسلام بل الهدف هو تنفيذ الأحكام والقوانين وضمان الأهداف الإسلامية العليا ، وحيث إنّ هذه الأُمور لا تتحقق دون أجهزة سياسية ، وسلطات حكومية لذلك قام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه بمهمة تشكيل مثل هذه الدولة وتأسيس مثل هذه الحكومة.

والخلاصة : أنّ إجراء حد السرقة والزنا على السارق والزاني ، وتنفيذ سائر الحدود والعقوبات ، ومعالجة مشاكل المسلمين ، وتسوية نزاعاتهم في الأُمور المالية

٦٥١
 &

والحقوقية ، ومنع الاحتكار والغلاء ، وجمع الضرائب المالية الإسلامية وتوسيع رقعة انتشار الإسلام ، ورفع الاحتياجات الأُخرى في المجتمع الإسلامي وغيرها ، لا يمكن أن تتحقق دون وجود أمير جامع وزعيم حازم وبدون حكومة ، وزعامة مقبولة لدى الأُمّة.

وحيث يتوجب على المسلمين الآن أن يطبقوا الأحكام الإسلامية بحذافيرها من جانب ، وحيث إنّ تطبيقها على الوجه الصحيح لا يمكن دون تأسيس سلطة يخضع لها الجميع من جانب آخر ، لهذا كله يتحتم أن تكون لهم أجهزة سياسية وتشكيلات حكومية ، في إطار التعاليم والقيم الإسلامية ليستطيعوا بها أن يتقدّموا ـ في كل عصر ـ جنباً إلى جنب مع المتطلبات المستحدثة والاحتياجات المتجدّدة.

لقد أشار الإمام أمير المؤمنين علي عليه‌السلام إلى ضرورة تكوين مثل هذه الحكومة بل إلى ضرورة وجود حاكم ما مرجحاً الحاكم الجائر على الفوضى الاجتماعية والهرج والمرج الذي يستتبعه عدم وجود حاكم ، وأشار في نفس الوقت إلى أنّ الحكومة في منطق الإسلام ليست هي الهدف ، بل هي وسيلة لاستقرار حياة كريمة آمنة حتى يتمتع كل فرد بحقوقه العادلة.

لقد أشار الإمام علي إلى أنّ الدولة ـ في نظر الإسلام ـ وسيلة لحفظ النظام الاقتصادي والأمن والدفاع وأخذ حقوق المستضعفين من الأقوياء المستكبرين ، إذ يقول :

« إنّه لابد للناس من أمير ، بر أو فاجر ، يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويبلغ الله فيها الأجل ، ويجمع الفيء ويقاتل به العدو ، وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ».

وفي رواية أُخرى قال :

٦٥٢
 &

« أمّا الإمرة البرة فيعمل فيها التقي ، وأمّا الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي ، إلى أن تنقطع مدته ، وتدركه منيته » (١).

وعلى هذا البيان يكون وجود الدولة ضرورة اجتماعية لا مناص منها.

أضف إلى ذلك أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّف بعد رجوعه من حجة الوداع في غدير خم بأن ينصّب علياً خليفة من بعده لإمرة المسلمين ، من جانب الله ، وكان الأمر الإلهي مصدراً بقوله تعالى :

( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ). (٢)

ثم يجسد الله أهمية هذا الموضوع وخطورته القصوى بأنّ عدم إبلاغ ما أُوحي إليه في أمر الخلافة يساوي عدم إبلاغ الشريعة رأساً ، إذ قال تعالى :

( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ). (٣)

إنّ هذه الآية كما تدلّ على مقام الإمام وعظيم مكانته تكشف ـ كذلك ـ عن أهمية مقام الإمامة وخطورة قيادة المجتمع ، لأنّه بسبب الإمام القائد تشرق أشعة العدالة على المجتمع البشري ولا تغيب ، وهو الذي بسببه تبقى التعاليم الإلهية حية مصانة من كل تحريف ، وبسببه تصل البشرية إلى شواطئ السعادة المادية والمعنوية على السواء.

° الآثار السيئة لفقدان القائد

لقد بلغ الإسلام في حرب أحد أخطر مراحله ، حيث عمد العدو إلى بث

__________________

١. نهج البلاغة : الخطبة ٣٩.

٢. المائدة : ٦٧.

٣. المائدة : ٦٦.

٦٥٣
 &

الشائعات عن مقتل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي هذه اللحظة الحساسة التي شعر المسلمون فيها بفقدان الزعيم والقائد ، خطرت في أذهان البعض فكرة العودة إلى الجاهلية والارتداد على الأعقاب ، وراح هذا البعض يقول : لِمَ نحارب وقد مات رسول الله ، فنزل القرآن يوبّخ من لهج بهذه الكلمة ، وقال :

( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُم وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّـهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ ) (١).

ولو أنّ شائعة مقتل النبي لم تكذب بظهوره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند أصحابه ، لآل نظام المسلمين إلى التمزّق حتماً ، ولانتهى الأمر بمقتل فريق وفرار آخرين في أسوأ نكسة عرفها التاريخ ، فهل من الصحيح أن تهمل مسألة القيادة وهي بهذه الدرجة من الخطورة والأهمية في حياة الشعوب ؟

وهل من الصحيح أن لا يقدم المسلمون على إيجادها لتنظيم حياتهم لكي يستتب الأمن والسلام ؟

° الاقتداء بسيرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

كان الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا بعث سرية إلى الجهاد عيّن أُمراء متعددين لتلك السرية يتوالون على قيادتها ، لكي لا تبقى دون آمر إذا أُصيب أحدهم ، فتصبح كالقطيع بلا راع تنال الذئاب من أطرافها ، وتتخطفها أيدي المخاطر من جوانبها.

ولمّا كان القرآن الكريم يأمرنا باتّباع سيرة الرسول والاقتداء به وجعله قدوة وأُسوة ، فيقول :

__________________

١. آل عمران : ١٤٤.

٦٥٤
 &

( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا ). (١)

توجب علينا أن نجعل حياة النبي وفعله أُسوة لنا حتى في موضوع تأسيس الدولة.

ولقد أدرك المسلمون ـ بعد وفاة النبي ـ ضرورة وجود قائد للأُمّة ، وإمام للمسلمين ، فاتفقوا على وجود زعيم لهم بعد وفاة نبيهم ، فصاروا فرقتين : فرقة تزعم أنّ حل هذه المشكلة بيد الأُمّة وأنّ لها تنصيب من يشغل هذه المنصة ، في حين أنّ فريقاً آخر راح يستمد من نصوص النبي ويقول إنّ النبي قد سد هذا الفراغ ولم يهمل أمر الخلافة والقيادة ، وعين القائد والخليفة من بعده ، وبالتالي لم يكن بين المسلمين واحد ينكر ضرورة وجود الأمير والقائد.

وانطلاقاً من الأهمية التي تكمن في تأثير الحكومة في إصلاح أمر الناس عاجلاً وآجلاً قال الإمام الصادق عليه‌السلام في حديث مقتضب له :

« لا يستغني أهل كل بلد من ثلاثة ، يفزع إليه في أمر دنياهم وآخرتهم ، فإن عدموا كانوا همجاً : فقيه عالم ورع ، وأمير خيّر مطاع ، وطبيب بصير ثقة ». (٢)

كما صرح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام بهذه الفريضة الدينية في إحدى خطبه ، إذ قال :

« والواجب في حكم الله والإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل ، ضالاً كان أو مهتدياً ، مظلوماً كان أو ظالماً ، حلال الدم ، أو حرام الدم أن

__________________

١. الأحزاب : ٢١.

٢. تحف العقول : ٢٣٧.

٦٥٥
 &

لا يعملوا عملاً ولا يحدثوا حدثاً ، ولا يقدّموا يداً ولا رجلاً ولا يبدأوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً يجمع أمرهم ، عفيفاً عالماً ، ورعاً ، عارفاً بالقضاء والسنّة ، يجمع أمرهم ويحكم بينهم ويأخذ للمظلوم من الظالم يحفظ أطرافهم ، ويجبي فيئهم ، ويقيم حجتهم ، ويجبي صدقاتهم ».

يبقى أن نعرف أنّ هذا القانون الكلي الذي يذكره الإمام علي يرتبط بالفترة التي لم يسد هذا الفراغ من جانب الله ، وتنصيب النبي الأعظم ، إذ لو كان القائد معيناً من جانبه سبحانه لانتفى التكليف بانتخاب الإمام ، قال سبحانه :

( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ). (١)

وعلى كل حال فالضرورة قاضية بلزوم وجود قائد للناس يتحمل أعباء الحكومة ، ويتصدى لأُمور الزعامة ، وإدارة المجتمع ، حسب الطرق الصحيحة.

° الولاية والحاكمية لله سبحانه

لقد أثبت البحث السابق لزوم وجود الحكومة في المجتمع البشري بالمعنى الجامع بين السلطة التشريعية التي لها حق التشريع والتقنين ، والسلطة التنفيذية التي لها حق تنفيذ الأحكام والمقررات ، والسلطة القضائية التي لها حق القضاء وفصل الخصومات بين الناس.

ومن المعلوم جداً أنّ إعمال الحاكمية في المجتمع لا ينفك عن التصرف في النفوس والأموال وتنظيم الحريات من غير فرق بين أن تكون الحكومة بيد الفرد أو المجتمع.

__________________

١. الأحزاب : ٣٦.

٦٥٦
 &

لكن التسلط على الأموال والنفوس وإيجاد أي محدودية مشروعة بين الأُمّة يحتاج إلى ولاية بالنسبة ، إلى المسلّط عليهم ، ولولا ذلك لعدّ التصرف تصرفاً عدوانياً.

ولا نعني بالولاية هنا ولاية الولي بالنسبة إلى الأيتام والقصّر والغيب ، بل المقصود هو الولاية التي يحق معها أن يتصرف في شؤون المجتمع نفوساً وأموالاً وينظم أُمورهم ويعمّر بلادهم ويؤمن مجتمعهم ، بالسلطات الثلاث ولولا ذلك لصار النظام طاغوتياً يحكم في المجتمع من كان غالباً وقاهراً فيجب علينا أن نعرف من له الولاية أصالة على العباد والبلاد.

وبما أنّ جميع الناس سواسية أمام الله ، والكل مخلوق ومحتاج إليه لا يملك شيئاً حتى وجوده وفعله وفكره ، فلا ولاية لأحد على أحد بالذات والأصالة ، بل الولاية لله المالك الحقيقي للإنسان والكون والواهب له وجوده وحياته كما يقول سبحانه :

( هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّـهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ) (١). (٢)

فقد ظهر من هذا البيان أنّ المقصود من حصر الحاكمية في الله هو حصر جذور الحاكمية وعللها المستتبعة لها ، وهي الولاية فيه ، فبما أنّ الولاية على العباد منحصرة في خالقهم فالحاكمية بمعنى الولاية منحصرة فيه سبحانه أيضاً ، فلا يجوز لأحد أن يتولّى الحكومة إلّا أن يكون مأذوناً ممن له الولاية الحقيقية وإلّا

__________________

١. الكهف : ٤٤.

٢. مجمع البيان : ٣ / ٤٧٢. والاستدلال بالآية على انحصار الولاية في الله سبحانه متفرع على أن يكون اسم الإشارة (هنالك) إشارة إلى الوقت الذي يتنازع فيه الكافر والمؤمن في هذه الدنيا وأن تكون الولاية بمعنى تولّي الأُمور فهو الذي يتولّى أمر عباده ، وللأمين الطبرسي تحقيق حول كلمة الولاية في الآية فراجع.

٦٥٧
 &

أصبحت حكومته حكومة جور وعدوان.

ولا نعني من عنوان « انحصار حق الحاكمية في الله » حصر الإمرة في الله بأن يتولّي هو سبحانه الإمرة على العباد ، كما سيتضح ذلك ، فإنّ للأنبياء والصلحاء وكل مأذون من قبله سبحانه أن يتولى الإمرة من جانب الله ، بل المراد أنّ الولاية وحق الحكومة بالأصالة حق لله سبحانه وإنّما يتصدى غيره بإذنه ، وذلك مثل قوله : ( قُل لِّلَّـهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ) (١) ، أي بيده أمر الشفاعة من تعيين الشافع والمشفوع له ، ومثله المقام فإنّ بيده زمام الحكومة ، فهو يعين الحاكم ويعين له وظائفه وكيفية حكمه.

وعلى هذا فالحاكمية خاصة بالله تعالى ومنحصرة فيه ، وهي من إحدى مراتب التوحيد.

ولقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله :

( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ). (٢)

إنّ المراد من الحكم في جملة ( إِنِ الْحُكْمُ ) هو الحاكمية القانونية التي تنبعث من الولاية الحقيقية المنبعثة من خالقيته ومالكيته سبحانه لا الحاكمية التكوينية بمعنى التصرف في الكون بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة ، وقد أوضحنا مفاد الآية في الفصل العاشر فراجع ص ٦٠٦.

نعم لا داعي لأن نحصر لفظة « الحكم » التي لها معنى وسيع في خصوص

__________________

١. الزمر : ٤٤.

٢. يوسف : ٤٠.

٦٥٨
 &

« القضاء » أو في خصوص « التشريع والتقنين » ، بل الحكم في هذه الآية ذو مدلول أوسع يكون « القضاء » من إحدى شؤونه ، وما ذلك المعنى إلّا السلطة والإمرة والحاكمية بمفهومها الوسيع التي تقوم بالسلطات الثلاث.

هذا وفي مقدور القارئ الكريم أن يستظهر هذه الحقيقة ، ونعني : انحصار الحاكمية في الله تعالى ، من آيات أُخرى أيضاً غير ما ذكرناه في مطلع هذا المبحث ، مثل قوله :

( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ) (١).

( أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ) (٢).

( لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (٣).

° الولاية لله سبحانه لا الإمرة والإدارة

إنّ اختصاص حق الحاكمية بالله سبحانه ليس بمعنى قيامه بإدارة البلاد وإقرار النظام وممارسة الإمرة وفصل الخصومة إلى غير ذلك مما يدور عليه أمر الحكومة ، فإنّ ذلك غير معقول ولا محتمل ، بل المراد أنّ من يمثّل مقام الإمرة في المجتمع البشري يجب أن يكون مأذوناً من جانبه سبحانه لإدارة الأُمور والتصرف في النفوس والأموال وأن تكون ولايته مستمدة من ولايته سبحانه ، ومنبثقة منها ، ولولا ذلك لما كان لتنفيذ حكمه جهة ولا دليل.

وإن شئت قلت : إنّ المقصود هو حصر الولاية التي تنبعث منها الحاكمية

__________________

١. الأنعام : ٥٧.

٢. الأنعام : ٦٢.

٣. القصص : ٧٠.

٦٥٩
 &

في الله سبحانه ، لا حصر الإمرة والتصدي لنظام البلاد وإقرار الأمن في المجتمع البشري ، إلى غير ذلك من الشؤون.

نعم لا مناص في إعمال الولاية لله سبحانه من تنصيب من يباشر إدارة البلاد ، إذ تستحيل ممارسة الحكم لله بصورة مباشرة.

ولأجل ذلك نجد أُمّة كبيرة من جنس البشر تولّوا منصة الولاية من جانب الله سبحانه وإذنه الخاص يديرون شؤون الحياة الاجتماعية للإنسان ، وفي ذلك يخاطب الله نبيه داود ويقول :

( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ ). (١)

إنّ الآية وإن كانت واردة في تنصيب داود على القضاء ولكن نفوذ قضائه في زمانه كان ناشئاً عن ولايته وحاكميته الواسعة التي تشمل الحكم والإمرة بحيث يكون نفوذ القضاء من لوازمها وفروعها ، فهو سبحانه لم ينصبه للقضاء فحسب ، بل أعطى له الحكومة الواسعة بأبعادها ، لأنّ نفوذ حكم القاضي غير ممكن من دون أن تكون له سلطة وحاكمية ، ولم يكن القضاء في تلكم الأعصار منفصلاً عن سائر شؤون الحكومة كما هو الرائج في عصرنا وقد كان داود عليه‌السلام يتمتع بسلطة تامة واسعة تشمل التنفيذية والتشريعية ـ بمعنى بيان الأحكام عن طريق الوحي ـ والقضائية إذ يقول عنه القرآن :

( وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّـهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ ). (٢)

__________________

١. ص : ٢٦.

٢. البقرة : ٢٥١.

٦٦٠