مفاهيم القرآن - ج ١

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

معنى الدور البديهي البطلان.

وأمّا الاحتمال الثالث فهو كسابقيه في التهافت والبطلان ، إذ ليس هنا من يدّعي أنّ السماوات والأرض مخلوقة لأُولئك البشر وأنّ البشر هم خالقوها وموجدوها فيتعين أن يكون لها خالق وهو الذي يسمّى بـ « الله ».

وأخيراً يمكن أن نستنتج من بطلان الاحتمالات الثلاثة أنّ البشر حيث لا يمكن أن يوجد بدون علّة تعطيه الوجود ، كما لا يمكن أن يكون علة لوجود نفسه ، ولا يمكن أن يكون هو خالق السماوات والأرض ، لذلك لابد أن يكون للبشر والسماوات والأرض من خالق .. وهو من يشار إليه بلفظة « الله » ، وهو خالق الجميع بلا استثناء.

لقد طرح في المقطع الأوّل هذا السؤال :

( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ).

أي هل خلق منكرو وجود الله من تلقاء أنفسهم ، وعلى نحو المصادفة .. دون علة ؟

والجواب هو النفي طبعاً ، لأنّ تلك الموجودات (أعني : المنكرين) أشياء ممكنة الوجود ، وكل ممكن مرتبط في وجوده بعلّة ومحتاج إليها فيه.

وهذا المقطع من الآية ناظر ـ على ما يبدو ـ إلى « برهان الإمكان ».

وفي المقطع الثاني من تلك الآية ، (أعني قوله : ( أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ )) والذي جرى الحديث فيه عن خلق الشيء لنفسه ، يؤلّف « بطلان الدور » أساس البرهان فيه.

لأنّ منكري الله ـ بحكم أنّهم علّة لوجود أنفسهم ـ يجب أن يكونوا

١٦١
 &

موجودين متحقّقين قبل أنفسهم ، وهذا هو تقدّم الشيء على نفسه ، وهو محال ، لأنّه دور.

وأمّا في الآية الثانية (أعني قوله : ( أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ )) فقد استدل فيها على وجود الله ببرهان « النظم » أو ببرهان آخر يقرب منه كدلالة « المصنوع على صانعه » ، و « الأثر على مؤثره ».

فإذا كان أساس البرهان هو نظام السماوات والأرض فالآية حينئذ تكون ناظرة إلى « برهان النظم ».

وإذا كان أساسه هو « دلالة الآثر على المؤثر » ، فالآية حينئذ ناظرة إلى برهان آخر .. ولعلّها ناظرة إلى « برهان الإمكان » أو « برهان الحدوث ».

وأمّا دلالة « المصنوع على الصانع » التي وردت الإشارة إليها في عنوان هذا البحث فليست ببرهان مستقل ، بل تعود إلى أحد هذه البراهين ونحن لم نذكرها بصورة مستقلة إلّا للتنوّع.

° وها هنا ينطرح سؤالان هما

الأوّل : انّ إبطال هذه الاحتمالات الثلاثة لا يفيد أكثر من إثبات احتياج البشر والسماوات والأرض إلى موجد وخالق.

وأمّا أنّ موجد الجميع هو الله « الواحد » فلا يستفاد من إبطال هذه الاحتمالات أبداً ، ولا يثبت من خلال ذلك .. بل وربما يمكن التصوّر بأنّ خالق البشر غير خالق السماوات والأرض أو يمكن أن يكون خالق العالم والبشر غير مدبّر أُمورهما فما هو وجه دلالة إبطال الاحتمالات المذكورة على وحدانية الخالق والمدبّر ؟

١٦٢
 &

° الجواب

لقد ذكر القرآن الكريم لإبطال هذا التصوّر وهذا الاحتمال جملة رابعة حيث قال في الآية الثالثة من الآيات المذكورة في مطلع البحث :

( أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّـهِ سُبْحَانَ اللَّـهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ).

إنّ التوحيد في الخالقية والمدبّرية قد أبطل هذا التصوّر وهذا الاحتمال (ونعني احتمال تعدّد خالق البشر والكون ومدبّرهما). لأنّ الخالق والمدبّر ـ بحكم التوحيد في الخالقية والمدبّرية ـ ليسا أكثر من واحد.

من هذا البيان يتضح أنّ المقصود من « الإله » في الآية السالفة ليس هو مطلق المعبود المتخذ بعنوان الشفيع والمقرب .. بل أمر أعلى من ذلك ، وهو من يقدر على الخلق والإيجاد والتدبير.

فيكون معنى قوله تعالى : ( أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّـهِ ) أي هل لهم خالق ومدبّر غير الله ؟

وبهذا لم يبق القرآن مجالاً لتصور تعدد خالق البشر والكون ومدبّرهما.

السؤال الثاني : أنّ المخاطبين في هذه الآيات ـ المطروحة هنا على بساط البحث ـ لا ريب هم « مشركو مكة » .. وهم لم يكونوا معتقدين بوجود الله حسب ، بل كانوا ـ فوق ذلك ـ يعتبرونه الخالق الوحيد للكون والإنسان جميعاً.

وفي هذه الصورة ما هو الداعي لطرح هذه الاحتمالات ثم إبطالها والقوم مؤمنون بالله أساساً ، وجوداً ، ووحدانية في الخالقية والمدبّرية ؟

١٦٣
 &

وهل ذنب هؤلاء ليس سوى إعراضهم عن عبادة الله وحده ، وعبادة الأصنام التي ظنوا أنَّها شفعاء لا أكثر.

أفليس مقتضى البلاغة في المقام هو صب الحديث على معتقداتهم التي هم عليها ، لا النقاش فيما لم يكن عندهم بموضع نزاع .. بل كان موضع اتفاق (أعني : وجود الله الواحد).

انّ الجواب على هذا السؤال هو ما قلناه ، وبينّاه في قوله تعالى : ( أَفِي اللَّـهِ شَكٌّ ).

فهناك قلنا : بأنّ القرآن الكريم يحاول بطرح هذه التساؤلات أخذ الاعتراف من ضمائرهم وتحريك ما هو كامن في فطرتهم لأجل إيقاظها وتنبيهها ، كمقدمة لأخذ نتيجة أُخرى.

إنّ القرآن يسعى من خلال الاستفادة من المقدمة المسلم بها التي تنطوي عليها ضمائر القوم وهي « اعترافهم بوجود الله الواحد » أن يمهد لدعوتهم إلى عبادة الله الواحد ، وهدايتهم إلى توحيد العبادة.

فبأخذ هذا الاعتراف منهم (نعني الاعتراف بأنّه لا خالق ولا مدبّر لهم إلّا الله ، وأنّه الخالق المدبّر الوحيد الذي منه وجود وتدبير كل الكائنات على الإطلاق).

أقول : بأخذ هذا الاعتراف يوجه القرآن ضربة قاضية إلى مسلكهم المنحرف في العبادة ، لأنّه إذا كان الخالق والمدبّر واحداً لا أكثر .. وإذا كان هذا الخالق والمدبّر هو الوحيد الذي استمدت منه كل الموجودات (من إنسان وغيره) وجودها وتدبيرها ، فإذن لابد من عبادته وحده ، والكف عن عبادة غيره من الموجودات

١٦٤
 &

الحقيرة الذليلة المحتاجة هي إلى ذلك الخالق المدبّر العظيم. (١)

__________________

١. وبهذا يكون القرآن الكريم قد هدم بنيان الشرك العبادي ونسف قواعده وأركانه مع الاستفادة من قضية وجدانية مفيدة عندهم.

وفي الحقيقة فأنّ القرآن الكريم يكون ـ في الوقت الذي عرّف العالم فيه على منطق التوحيد ـ قد أثبت ضرورة التوحيد العبادي ، الذي كان مشكلة مخاطبي القرآن في ذلك العصر أيضاً.

ومع ملاحظة هذا النوع من الاستدلال الموضوعي الرصين نكتشف مدى تمشي القرآن مع جميع العصور وجميع الأجيال رغم أنّه نزل ليعالج مشاكل موجودة في عصر نزوله ضمناً.

١٦٥
 &

° التوحيد الاستدلالي : البرهان السابع والثامن

١. برهان الإمكان

٢. برهان النظم

تركيب الخلايا البشرية العجيبة ونمو النباتات وتساقط المطر وخلقة الأشجار تشهد بوجود خالقها

( هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ * نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ). (١)

( أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ). (٢)

( أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ ). (٣)

__________________

١. الواقعة : ٥٦ ـ ٥٩.

٢. الواقعة : ٦٣ ـ ٦٥.

٣. الواقعة : ٦٨ ـ ٧٢.

١٦٦
 &

( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ). (١)

الآيات كلّها من سورة الواقعة (٢).

قبل أن نشرع في بيان مفاد هذه الآيات لابد من الإشارة إلى عدّة نقاط :

١. أنّ الهدف الأصلي للآيات القرآنية هو : الدعوة إلى الإيمان بالمعاد ، وبعث الإنسان في يوم القيامة ، وضرورة عبادة الله وحده.

وأمّا مسألة إثبات وجود الله ، فلها جانب ضمني في هذه الآيات ، كما سنبين ذلك.

بل انّ مراجعة آيات هذه السورة [ أي سورة الواقعة ] تفيد أنّ الهدف الأصلي لهذه السورة التي تبدأ بآية ( إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ) والآيات المبحوثة هنا التي تبدأ بقوله : ( هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ).

إنّ الهدف هو ـ في الحقيقة ـ إثبات إمكان المعاد ، حتى أنّ مسألة لزوم عبادة الله وحده تقع في الدرجة الثانية من اهتمام وهدف هذه السورة.

وقد أُشير إلى هذا الهدف الثانوي في قوله سبحانه : ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ).

ولكن على الرغم من ذلك يمكننا أن نجد في الآيات المذكورة إشارات واضحة إلى وجود الصانع حتى لأوّل نظرة.

وحيث إنّ آيات هذه السورة تشبه ـ من جهة طرح التساؤلات ـ سورة

__________________

١. الواقعة : ٧٤.

٢. لقد اكتفينا هنا بنقل الآيات المرتبطة بهذا البحث التوحيدي وللمزيد من الاطلاع والتوضيح ينبغي مراجعة مجموع الآيات من ٥٦ ـ ٧٤ في السورة نفسها.

١٦٧
 &

الطور ، لذلك رأينا أن نجعل كلا القسمين إلى جانب بعض ، وسيتضح بالتأمل والإمعان في آيات هذه السورة ، وآيات سورة الطور أنّ القرآن الكريم جعل الإنسان أمام حزمة من التساؤلات ، تماماً على النمط السقراطي ، لأجل إيقاظ وجدان البشر ، ليتسنّى له في ظل هذه اليقظة أن يميّز الحق عن الباطل ، وليخضع ـ بالتالي ـ لمنطق الحق ولا يكون له سبيل إلى غير ذلك.

٢. لقد طرح القرآن الكريم في هذه الآيات أربعة مواضيع :

١. تركيب الخلية البشرية وخلقتها العجيبة.

٢. نمو النباتات وحفظها وصيانتها عن الآفات.

٣. نزول الغيث وصيانته عن التلوث والتأسن والاجوج.

٤. استخراج ونشأة النار من الشجر.

وفي الحقيقة فإنّ موضوع البحث في هذه الآيات هو : الإنسان والنعم الثلاث الكبرى ، وهي : المواد الغذائية ، والماء ، والنار التي لا يمكن أن يحيا البشر بدونها (١).

٣. انّ طريقة الاستدلال في هذه الآيات هي من باب الاستدلال بوجود المصنوع (وهو هنا النطفة البشرية ، وتربية النباتات ، ونزول المطر ، وخلق الأشجار) على وجود الصانع.

صحيح أنّ للإنسان مشاركة جزئية في تكون ونشوء هذه الظواهر الطبيعية كاللقاح والجماع في تكون الإنسان ، والبذر ، إلّا أنّ هذه المشاركة الجزئية والتأثير الجزئي لا يكفي في تكون وظهور هذه الظواهر والموجودات ، وما لم تكن ثمة قدرة

__________________

١. تفسير الرازي : ٢٩ / ١٨٠.

١٦٨
 &

عليا مطلقة تساعد على تأثير هذه المقدمات لما أمكن لها أن تتواجد وتتكون وتأتي إلى منصة الظهور وساحة الوجود.

° وإليك توضيح المطلب

في الآيات : ( أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ) يتحدث القرآن الكريم عن مبدأ وجود وتكون الإنسان وهو ما أسماه بالنطفة.

وقد اعترف القرآن بسهم الوالدين في نشوء الإنسان وتكوّنه ، ولكنه اعتبر إسهامهما هذا في مستوى عملية النقل والانتقال فقط.

وتلك العملية تتمثّل في أنّ الأب ينقل جزءاً منه ، من موضع معين في جسمه إلى رحم الأُم لا أكثر.

أمّا من خلق النطفة ومن أوجدها ؟ فلا يمكن أن نعتبر الأب هو الخالق لها ، لبداهة جهله بحقيقتها.

ولذلك فلا مناص من أن يكون لها خالق معين.

خالق أعطى ـ بقدرته وعلمه ـ للنطفة ، القدرة على النمو في رحم الأُم ، ومكّنها من الرشد في ذلك الجو ، حتى يتكون الموجود البشري.

من المسلم أنّ تكوين هذه الذرة العجيبة يحكي عن موجود أعلى من الإنسان ، هو الذي خلق هذه البداية العجيبة للبشر.

وقد تحدث القرآن الكريم ـ في هذه الآية ـ على نمط الاستدلال بالمصنوع على الصانع ، والنظام على المنظم.

وفي الآيات : ( أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ )

١٦٩
 &

طرحت مسألة الزراعة ، ونرى فيها أنّ القرآن الكريم يسهم الزّراع في ظهور النباتات وتواجدها ، ولكنّه يعتبر اسهامهم محدوداً لا يتعدّى عملية بذر البذور ، ولهذا يسمح بأن يطلق عليهم صفة الزارع. (١)

ولكن عمل الزارع لا يتجاوز هذا الأمر ، أعني : البذر.

غير أنّ هذا العمل وحده غير كاف في مسألة الزراعة ونشوء النباتات والثمار لأنّه :

يسأل أوّلاً : من الذي خلق البذرة ؟ وعلى قدرة من اعتمدت هذه الحبة بحيث استطاعت أن تتسبب في ظهور مئات الحبات ونشوئها في شكل سنابل ؟

لا مناص من أن يكون لهذه الحبة خالقاً غير البشر.

ثم يسأل ثانياً : هل يكفي لتربية النباتات وخروجها مجرد الحرث وبذر البذور ، أم أنّ مئات العوامل والعلل الخارجية الأُخرى ، يجب أن تتضافر وتتفاعل وتتعاضد فيما بينها لتمنع من جفاف النبتة والسنبلة ، وهذا شيء خارج عن قدرة البشر.

ترى هل هذا كلّه من صنع الله أم من فعل العوامل المخلوقة لله ؟

وإلى هذه الحقيقة أشار القرآن بقوله :

( لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٢) * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ). (٣)

__________________

١. إلّا أنّه لا يخلو من العناية والمجاز كقوله سبحانه : ( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ) (الفتح : ٢٩).

٢. تتفكهون أي تتحدثون ، وأصله من التفكّه : أخذ الشيء فاكهة واستعير للحديث الذي يتحدثون به تفرجاً بتناوله.

٣. الواقعة : ٦٥ ـ ٦٧.

١٧٠
 &

وفي هذا الاستدلال استدلّ القرآن بوجود المصنوع (كالمزارع الخضراء وحفظها وصيانتها من الجفاف) على وجود الصانع.

وقد جاء عين هذا الاستدلال في القسم الثالث والرابع أيضاً ، فنزول المطر من السحاب ـ وهو أمر حادث ـ لا بد له من محدث..

وإذا ساعدت بعض العوامل على ذلك ، كتبخر مياه البحار بسبب الشمس ، فإنّه لا محيص ـ في المآل ـ من أن يعتمد الموضوع على إرادة قادر متعال ، هو الذي أوجد تلك العوامل ، وهو الذي نسّقها ، ونظّمها ، وساعدها على التأثير وصانها من أي تلوث وأُجوج كما يقول :

( أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا ) (١).

في هذا المورد استدل الكتاب الكريم بوجود ظاهرة هطول المطر ، وظاهرة السحاب وصيانتها عن الأُجوج والتلوث ، على وجود الصانع.

وعلى هذا النمط والغرار يكون أمر تواجد النار تلك الظاهرة العجيبة جداً.

فالإنسان لا يقوم في مسألة النار إلّا بدور الناقل فحسب.

فهو ـ كما نلاحظ ـ لا يفعل إلّا إيصال شعلة الكبريت إلى الحطب في المطبخ لا أكثر.

لهذا فلا يكون للإنسان أي دور في نشأة هذه الظاهرة (النار) وتكوّنها ، اللّهم إلّا عملية الإشعال والوري.

__________________

١. الواقعة : ٦٨ ـ ٧٠.

١٧١
 &

ولذلك نسب القرآن الكريم عملية « الوري » إلى البشر ، إذ قال :

( أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ).

ولكن الوري والإيقاد وحده لا يكفي في تكوّن هذه الظاهرة ، أعني : النار ، بل لابد من قادر أوجد بقدرته هذه المواد الاحتراقية في الشجر يابسه ورطبه حتى يتأتّى ـ ضمن شروط وفي ظروف خاصة معينة ـ أن تشتعل.

ترى هل يمكن لأحد أن ينكر تأثير قدرة عليا في ظهور هذه الأشجار التي تختزن المواد الاحتراقية ؟

بالطبع لا.

ولذلك يقول الكتاب العزيز :

( أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ ).

وفي هذه الأقسام الأربعة استدلّ بوجود المصنوع على وجود الصانع القادر العالم.

وفي الختام نعترف ـ ثانية ـ بأنّه مع أنّ هذه الآيات تستدل على وجود الله بطريق الإن ، غير انّ مقصودها الأصلي ليس إثبات أصل وجود الله ، بل المقصود والهدف هو الاستدلال على إمكان وقوع المعاد وبعث الإنسان بعد موته ، ونشور الكون بعد انعدامه ، وإنّما ذكرت البراهين الدالة على وجود الله وخالقيته كمقدمة لإثبات إمكان إعادة الخلق بعد الموت.

لأنّنا حيث نعلم أنّ الفاعل والمدبّر لهذه الظواهر الكونية هو الله القادر فلماذا ننكر إمكانية المعاد الإنساني ؟!

١٧٢
 &

وبتعبير القرآن :

( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ). (١)

فالآية تقول :

الآن وأنتم ترون آثار تلك القدرة الإلهية ظاهرة في عالم الخلق ساطعة في دنيا الطبيعة ، فلم تستبعدون قدرته على إحياء الموتى وإعادة الكون والإنسان يوم القيامة ولماذا تنكرون المعاد ؟

وعلى كل حال لو كان مبدأ البرهان في هذه الآيات أنّ هذه الأشياء كانت فاقدة الوجود من ذي قبل ، ولذلك فهي محتاجة في اتصافها بالوجود إلى علة فالآيات حينئذ ، ناظرة إلى « برهان الإمكان ».

وإن كان مبدأ البرهان هو التنبيه إلى النظام السائد في هذه الأشياء ، فإنّ البرهان المشار إليه هنا هو « برهان النظم ».

وإن كان مبدأ البرهان هو التركيز على سبق العدم على وجود الأشياء ، فهو يعتمد على الاستدلال بالحدوث على وجود المحدث.

__________________

١. الواقعة : ٦٢.

١٧٣
 &

° التوحيد الاستدلالي : البرهان التاسع

بطلان المصادفة وبرهان محاسبة الاحتمالات

اجتماع شرائط الحياة على النسق الموجود يبطل نظرية المصادفة

( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ * وَمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ * وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ). (١)

في هذه الآية يلفت القرآن الكريم نظرنا إلى ظاهرة الحياة ، وعشرات بل مئات وآلاف العوامل الخفيّة والبارزة التي ساعدت على وجود ظاهرة الحياة على هذا الكوكب الترابي ، وكأنّها تقول : هل يمكن اجتماع كل هذه العوامل والشرائط بمحض المصادفة ، ودون وجود خالق هو الذي أوجدها ورتّبها ونظمها ، فحدثت ظاهرة الحياة على الصورة الموجودة ؟

وبهذا كما يمكن أن تكون هذه الآية دليلاً على وجود الصانع الخالق من

__________________

١. البقرة : ١٦٤.

١٧٤
 &

باب دلالة النظام على المنظم ، كذلك يمكن أن تكون دلالتها على ذلك من باب بطلان نظرية المصادفة وبرهان محاسبة الاحتمالات.

ويجدر بالذكر أنّ برهان محاسبة الاحتمالات وبطلان فرضية المصادفة من الأدلة الحديثة التي توصّل إليها العلماء الغربيون المعاصرون ، وبلورهما العالم المعروف كريسي موريسون صاحب كتاب « العلم يدعو للإيمان » الذي كتبه خصيصاً لإبطال نظرية المصادفة ، تلك النظرية التي تمسّك بها بعض الملحدين لإنكار وجود الخالق.

ولأجل أن نعرف معنى المصادفة ، وكيفية بطلانها علميّاً وحسابيّاً لابد أن نعطي شرحاً لذلك ثم نشير إلى بعض الأدلة التي أشار إليها العلامة السالف الذكر ، وغيره من العلماء في هذا المجال.

° ما هو المقصود من المصادفة ؟

ليس المقصود من المصادفة هو بروز حادثة وظاهرة معينة دون علّة خارجية ، لأنّ هذا التفسير للتصادف يتنافى مع قانون العلية الذي يقرّ به ويعترف كل العلماء في العالم ، فليس بين العلماء والفلاسفة من ينكر قانون العلية هذا ، اللّهم إلّا « هيوم » الفيلسوف الانجليزي المعروف ، على أنّه إنّما أنكر هذا القانون الكلّي لأجل أنّه أراد أن يثبته عن طريق التجربة ، وكان يرى التجربة أعجز من أن تثبت أصالة لهذا القانون.

أمّا لماذا كان يرى أنّ التجربة أعجز من أن تثبت ذلك فلسنا بصدده الآن. ولو كان هيوم مطّلعاً على القوانين والمقدمات الفلسفية لهذا الأصل ، لما كان يحدث له أي شك في ذلك.

١٧٥
 &

إنّما المقصود من المصادفة ـ عند الماديين وفي منطقهم ـ هو أن تتسبب سلسلة من التفاعلات الطويلة والحركات المتتالية في ظهور ظاهرة أو ظواهر منظمة ، دون أن يكون وراء ذلك أيُّ تخطيط وأيّة محاسبة ، ودون أن يكون وراء ذلك أيُّ موجد منظم ومخطط ، كأن يلعب طفل بآلة كاتبة ـ طويلاً ـ حتى تظهر قصيدة منظمة ، أو تنحدر صخرة وتسقط عدة مرّات من فوق جبل ، وتتحول فجأة ـ وبعد اصطدامها المكرر بالصخور ـ إلى تمثال إنسان معين ، وهكذا.

هذا هو رأي الماديين حول وجود الكون وظهور النظام الكوني ، ولكن برهان محاسبة الاحتمالات الذي سندرسه في هذا الفصل يبطل وجود الكون المنظم عن طريق المصادفة ، وإليك توضيح ذلك.

° ظاهرة الحياة

سواء اعتبرنا الحياة ظاهرة مادية مائة بالمائة وأثراً كيمياوياً لتفاعلات المادة ، أم اعتبرناها ظاهرة مجرّدة ، فإنّه لابد من الإذعان ـ حتماً ـ بأن تحقّق الحياة في هذه الكرة أو في غيرها من الكرات يحتاج إلى عوامل وشرائط كثيرة ، حتى يتسنّى أنّ تتحقق الحياة على الأرض بسببها ، ومن المعلوم أنّ اجتماع هذه الشرائط والعوامل الكثيرة ، بمحض المصادفة بعيد إلى درجة أنّه لا يمكن عدّه في عداد الاحتمالات المعقولة ، والعقلائية.

وعندما يلزم ، لتحقق ظاهرة مادية من الظواهر ، توفر عوامل متعددة فإنّ كل عامل من هذه العوامل سيكون جزءاً من العلة ، يستوجب وجوده وجود الظاهرة ، وفقدانه فقدانها ، قطعاً.

وبالنسبة إلى ظاهرة الحياة فإنّ عدد العوامل والظروف الموجبة لتحققها على

١٧٦
 &

الأرض من الكثرة بحيث لا يمكن أن يحيط بها فكر البشر ، وبحيث إنّ احتمال اجتماعها عن طريق التصادف ما هو إلّا احتمال واحد من بين مليارد من الاحتمالات ، ومن غير الممكن لعاقل أن يعتمد في تفسير وجود الظاهرة على مثل هذا الاحتمال من بين ذلك الركام الهائل من الاحتمالات ، والفروض.

ولهذا يقول العالم الكندي المتخصص في الطبيعة البيولوجية حول نظرية المصادفة :

« إنّ ملاءمة الأرض للحياة تتخذ صوراً عديدة لا يمكن تفسيرها على أساس المصادفة » (١).

كما لهذا السبب أيضاً قال العالم الجليل : « كريسي موريسون » في كتابه : « العلم يدعو للإيمان » :

« إنّ جميع مقومات الحياة الحقيقية ما كان يمكن أن يوجد على كوكب واحد في وقت واحد بمحض المصادفة » (٢).

وقال في موضع آخر من نفس الكتاب :

« إنّ للحياة فوق أرضنا هذه شروطاً جوهرية عديدة بحيث يصبح من المحال حسابياً أن تتوافر كلّها بالروابط الواجبة بمجرد المصادفة على أي أرض في أي وقت » (٣).

ثم يضرب العالم المذكور مثلاً لذلك بالغازات التي نستنشقها ونتنفسها

__________________

١. راجع « الله يتجلّى في عصر العلم » : ٥ ، مقال : هل العالم مصادفة ؟

٢. العلم يدعو للإيمان : ١٩٥.

٣. المصدر السابق : ٢٤.

١٧٧
 &

قائلاً :

« إنّ الاوكسجين والهيدروجين وثاني أوكسيد الكاربون والكاربون سواء أكانت منعزلة أم على علاقاتها المختلفة ـ بعضها مع بعض ـ هي العناصر البيولوجية الرئيسية وهي عين الأساس الذي تقوم عليه الحياة. غير أنّه لا توجد مصادفة من بين عدة ملايين ، تقضي بأن تكون كلها في وقت واحد وفي كوكب سيار واحد ، بتلك النسب الصحيحة اللازمة للحياة ! وليس لدى العلم إيضاح لهذه الحقائق.

أمّا القول بأنّ ذلك نتيجة المصادفة فهو قول يتحدّى العلوم الرياضية » (١).

ولكي يتضح هذا البحث نشير إلى بعض هذه الظروف والشرائط التي يكون لكل واحد منها دور مهمّ ومؤثر في نشأة الحياة واستمرارها على هذا الكوكب الترابي ، بحيث لو فقد لانتفت هذه الحياة ، ولامتنع وجودها بالمرة.

١. يحيط بالكرة الأرضية غلاف جوّي غليظ من الغازات يقدر العلماء ضخامته بـ « ٨٠٠ » كيلومتر ، وهو بمثابة ترس واق يحفظ سكان هذه الكرة من خطر عشرين مليوناً من الشهب القاتلة والصخور الفضائية المتناثرة كل يوم في الفضاء والتي يبلغ سرعة الواحد منها ٥٠ كيلومتراً في الثانية ، حيث يحول هذا الغلاف دون وصول تلك الصخور إلى الأرض.

ولو كان هذا الغلاف الواقي أرق وألطف مما هو عليه لاخترقت النيازك ـ كل يوم ـ غلاف الأرض الجوي الخارجي ، ولسقطت على كل بقعة من الأرض وأحرقتها.

__________________

١. المصدر السابق : ٧٣.

١٧٨
 &

فهذه النيازك والصخور الفضائية الطائرة في الجو تواصل رحلتها بسرعة ٦ إلى ٤٠ ميلاً في الثانية ، ونتيجة لهذه السرعة العظيمة فإنّها ستحرق كل شيء تصطدم به وتحدث فيه انفجاراً هائلاً.

ولو كان سرعتها أقل من ذلك ، أي كان بسرعة رصاصة ، وكانت تصل كلّها إلى الأرض ، لأحدثت فيها خراباً لا يتحمل ، وحولتها إلى غربال.

إنّ للغلاف الهوائي للأرض ـ مضافاً إلى الخاصية المذكورة ـ دوراً آخر وهو حفظ درجة حرارتها في الحدود المناسبة للحياة.

٢. انّ الماء لهو من عوامل الحياة على وجه الأرض ، فلكي تستمر الحياة في المحيطات والبحار والأنهر ، خلال فصول الشتاء الطويلة فقد خلق هذا العنصر الحياتي وهذه المادة الحيوية بشكل خاص بحيث ينجمد إذا بلغت درجة الحرارة ما يقارب الصفر ، وبذلك يحدث ويوجد غطاء يمنع من خروج الحرارة من داخل المياه ، ونتيجة لذلك تبقى المياه في أعماق البحار والأنهر وما شابه على حالة السيولة والميعان ، إذ في غير هذه الصورة لا يعني إلّا أن تنجمد مياه المحيطات والبحار والأنهر ويستحيل على أثر ذلك بقاء الحياة والأحياء.

ولا يخفى أنّ وزن الثلج ، الخاص به يساعد على ذلك ، إذ من البيّن أنّ وزن الثلج أخف من الماء السائل ، ولذلك يطفو الماء المنجمد على السطح ولا ينزل إلى الأعماق.

٣. انّ الأرض هي أيضاً من عناصر الحياة ومقوّماتها كالماء تماماً ، فهي تحتوي على مواد معدنية خاصة ، تجذبها وتمتصها النباتات وتصنع منها الأغذية التي تحتاج إليها الحيوانات.

١٧٩
 &

إنّ وجود المعادن والفلزات في باطن الأرض وعلى مسافة قريبة من متناول أيدي البشر هو سبب ظهور وجوه متنوعة من الحضارات الإنسانية والتي من أبرزها الحضارة التكنولوجية التي نعاصرها.

٤. لقد خلقت الأرض بجاذبية خاصة وعلى قطر خاص بحيث تجذب بها المياه والهواء نحو مركزها وتحافظ عليها.

فلو أنّ قطر الأرض كان ربع قطرها الفعلي لعجزت جاذبيتها عن الاحتفاظ بالماء والهواء على سطحها ولارتفعت درجة الحرارة إلى حد الموت.

ولو أنّ الأرض بعدت عن الشمس بمقدار ضعف ما هي عليه الآن لانخفضت درجة حرارتها (أي حرارة الأرض) إلى ربع حرارتها الحالية ، ولتضاعف طول مدة الشتاء فيها ، ولانجمدت كل الأحياء فيها.

ولو نقصت المسافة بين الأرض والشمس إلى نصف ما هي عليه الآن لبلغت الحرارة التي تتلقاها الأرض أربعة أمثال ، ولآلت الفصول إلى نصف طولها الحالي ولصارت الحياة على سطح الأرض غير ممكنة.

فهل يمكن ـ ترى ـ أن تكون كل هذه الشرائط والعوامل قد اجتمعت واتفقت وجعلت الحياة ممكنة ، عن طريق التصادف في حين أنّ الاجتماع التصادفي لها كان من الممكن أن يؤول إلى آلاف الصور الأُخرى وتجعل الحياة في المآل غير ممكنة.

محاسبة أُخرى

تدور الأرض حول نفسها في كل ٢٤ ساعة دورة واحدة ، وهي في دورتها

١٨٠