مفاهيم القرآن - ج ١

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

عامة البشر.

وحتى لو كان صدر الآية موجهاً إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا أنّ ذيلها ـ لا ريب ـ موجه إلى عامة البشر.

إنّ القرآن يريد بهذا الخطاب أن يلفت أنظارنا إلى حادث حدث قبل الخطاب لا حينه ولا بعده بدليل مجيء إذ في مطلع الآية.

فـ « إذ » تستعمل فيما إذا كان ظرف الحادثة هو الماضي ، ومعناها « واذكر إذ » وقعت هذه الحادثة في الماضي. (١)

° آراء العلماء حول الميثاق في عالم الذر

إنّ غاية ما يفيده ظاهر آية الميثاق المطروحة هنا على بساط البحث هو أنّ الله أخذ من بني آدم ميثاقاً وعهداً على الإقرار بربوبيته .. وأمّا كيفية هذا الميثاق فلم يرد ـ في الآية المذكورة ـ أي توضيح بشأنها ... ولأجل هذا اختلف المفسرون المسلمون حول حقيقة هذا الميثاق.

وفيما يلي عرض للآراء المطروحة حول هذا المطلب :

° النظرية الأُولى المستندة إلى الأحاديث

وتقول هذه النظرية ـ والتي لها سند حديثي ـ إنّ الله أحضر أبناء آدم عند خلقه ، من صلبه على هيئة كائنات ذرية صغيرة الحجم جداً وأخذ منهم الميثاق

__________________

١. تقدير « اذكر » في هذه المواضع لإراءة ماضوية الحادثة ، وإن كان غير محتاج إليه حسب القواعد الأدبية فإنّ « إذ » ظرف مهمل غير مقيد بشيء.

٨١
 &

قائلاً لهم : « ألست بربكم ؟ فقالوا : بلى » (١) ثم أعادهم إلى صلب آدم عليه‌السلام ، وقد كانت هذه الكائنات الدقيقة الحجم ذات شعور وعقل كافيين آنئذ ، وقد سمعت ما قال الله لها وأجابت على سؤاله ، وقد أخذ هذا الإقرار من بني آدم ليغلق عليهم باب الاعتذار والتعلّل يوم القيامة.

وهذه النظرية اتخذت باعتبار أنّ لفظة « ذرية » مشتقة من مادة « ذر » واختارها جمع من المفسرين.

° انتقادات على هذه النظرية

١. انّ أوضح دليل على قصور هذه النظرية هو عدم موافقتها للمدلول الظاهري للآية ، لأنّ ظاهر الآية ـ كما قلنا في النقطة الخامسة ـ يفيد أنّ الله أخذ من ظهور كل أبناء آدم ذرّيتهم ، لا من آدم وحده.

ولأجل هذا قال سبحانه : ( مِن بَنِي آدَمَ ) ولم يقل من آدم.

كما أنّ الضمائر جاءت في صيغة الجمع : ( مِن ظُهُورِهِمْ ) ، ( ذُرِّيَّتَهُمْ ) لا المفرد.

وعلى هذا الأساس لا تطابق هذه النظرية مفاد الآية في هذه الناحية.

٢. إذا كان قد أخذ هذا الميثاق من بني آدم وهم في كامل وعيهم ، فلماذا لا يتذكره أحد منّا ؟

وأجيب عن هذا الإشكال بأنّ ما هو منسي ومغفول عنه هو « وقت هذا

__________________

١. راجع مجمع البيان : ٣ / ٤٩٧ طبع صيدا ، وتفسير الفخر الرازي : ٤ / ٣٢٠ طبع مصر عام ١٣٠٨ هـ.

٨٢
 &

الميثاق والإقرار » وليس نفس الميثاق والإقرار والاعتراف ، بدليل ما يجده كل إنسان في ذاته من ميل فطري إلى الإذعان بوجود الله وربوبيته ، ولا شك أنّ هذا هو امتداد طبيعي لذلك الإقرار المأخوذ في عالم « الذر ».

لكن هذا الجواب ليس بوجيه جداً كما تصوّر أصحابه ، لأنّه ليس من المعلوم أنّ ما نجده من « الميل الفطري » إلى الله في ذواتنا يرتبط حتماً بمثل ذلك الميثاق .. بل ربما يكون نتيجة « فطرية وجود الله وربوبيته » وبداهتهما.

وما يقال من أنّ الفاصل الزمني الطويل هو الذي كان سبباً لنسيان الميثاق المذكور ليس بصحيح كما يظهر.

لأنّ طول هذا الفاصل لا شك أقل ـ بكثير ـ من طول الفاصل الزمني بين الإنسان في الدنيا ويوم القيامة على حين نجد أنّ الإنسان لا ينسى ما شاهده من حوادث في الدنيا فهاهم أهل الجنة ـ مثلاً ـ يقولون لأهل النار :

( أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ ). (١)

ونظير ذلك قول بعض أهل الجنة :

( إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [ أي في الدنيا ] * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ). (٢)

ومثله قول بعض أهل النار :

( وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم [ أي في الدنيا ] مِّنَ الْأَشْرَارِ ). (٣)

__________________

١. الأعراف : ٤٤.

٢. الصافات : ٥١ ـ ٥٢.

٣. ص : ٦٢.

٨٣
 &

وغير ذلك من الآيات الدالة على تذكر أهل القيامة لما جرى لهم في العالم الدنيوي ممّا يدلّ على عدم نسيان الحوادث رغم طول الفاصلة الزمنية.

٣. انّ الهدف من أخذ الميثاق ـ أساساً ـ هو أن يعمل الأشخاص بموجب ذلك الميثاق ، والعمل فرع للتذكّر ، فإذا لم يتذكّر الشخص أي شيء من هذا الميثاق ، فكيف ترى يصح الاحتجاج به عليه ، وكيف يمكن دفعه إلى العمل وفقه ؟

على أنّنا بعد أن كتبنا هذا ، وقفنا على كلام للعلّامة الشريف المرتضى في (أماليه) وهو ينص على ما ذكرنا حيث أبطل هذا الرأي إذ قال :

« وقد ظن بعض من لا بصيرة له ولا فطنة عنده ، أنّ تأويل هذه الآية : أنّ الله استخرج من ظهر آدم عليه‌السلام جميع ذريته وهم في خلق الذر ، فقررهم بمعرفته وأشهدهم على أنفسهم.

وهذا التأويل ـ مع أنّ العقل يبطله ويحيله ـ مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه ، لأنّ الله تعالى قال : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ ) ولم يقل من آدم وقال : ( مِن ظُهُورِهِمْ ) ولم يقل : من ظهره ، وقال : ( ذُرِّيَّتَهُمْ ) ولم يقل : ذريته.

ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة أنّهم كانوا عن ذلك غافلين أو يعتذروا بشرك آبائهم ، وأنّهم نشأوا على دينهم وسنتهم ».

ثم يقول الشريف المرتضى :

« فأمّا شهادة العقول فمن حيث لا تخلو هذه الذرية ـ التي استخرجت من ظهور آدم عليه‌السلام فخوطبت وقررت ـ من أن تكون كاملة العقول مستوفية لشروط التكليف أو لا تكون ، فإن كانت بالصفة الأُولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم

٨٤
 &

وإنشائهم ، وإكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال ، وما قرّروا به واستشهدوا عليه ، لأنّ العاقل لا ينسى ما جرى هذا المجرى وأن بعد العهد وطال الزمان وليس أيضاً لتخلل الموت بين الحالتين تأثير.

على أنّ تجويز النسيان عليهم ينقض الغرض في الآية ، وذلك لأنّ الله تعالى أخبر بأنّه إنّما قرّرهم وأشهدهم لئلّا يدّعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك وسقوط الحجة عنهم فيه ، فإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجة وزوالها ، وإن كانوا على الصفة الثانية من فقد العقل وشرائط التكليف قبح خطابهم وتقريرهم وإشهادهم وصار ذلك عبثاً قبيحاً يتعالى الله عنه ». (١)

٤. انّ هذه النظرية تؤول إلى نوع من القول بالتناسخ الذي بطلانه من ضروريات الدين ، لأنّه يعني ـ على أساس هذه النظرية ـ أنّ الإنسان أتى إلى هذه الدنيا قبل ذلك ، ثم بعد العيش القصير ارتحل ثم عاد بصورة تدريجية إلى هذه الدنيا مرة ثانية .. وهو التناسخ الذي أبطله المحقّقون والعلماء المسلمون. (٢)

ويبقى ها هنا سؤال وهو : إذا كانت هذه النظرية تواجه تلك الإشكالات وتعاني من هذا القصور ، فما هو مصير الأحاديث والروايات التي تسند هذه النظرية ؟! وسيوافيك حق المقال فيها.

__________________

١. الأمالي : ١ / ٢٨ ـ ٢٩.

٢. هذه الانتقادات الأربعة نقلها صاحب مجمع البيان من المحققين الإسلاميين في : ٤ / ٤٩٧. وذكرت أيضاً في الميزان بالإضافة إلى انتقادات أُخرى ، راجع لذلك : ٨ / ٣٢٥ ـ ٣٢٧ ، كما وذكرت هذه النظرية في تفسير الرازي مع اثني عشر إشكالاً فراجع : ٤ / ٢٢١ ـ ٢٢٢.

٨٥
 &

° النظرية الثانية

يحمل بعض المفسرين (وعلى رأسهم : الرماني وأبو مسلم وفريق آخر) هذه الآية على : التوحيد الفطري ، ويفسرونها بهذا التفسير.

فهم يقولون : يحط الإنسان قدميه في هذه الدنيا ، وهو ينطوي على سلسلة من الغرائز والاستعدادات ، وسلسلة من الحاجات الطبيعية والفطرية إلى جانب سلسلة من المدركات العقلية.

فهو [ أي الإنسان ] عند نزوله من صلب أبيه إلى رحم أُمّه ، وعند انعقاد نطفته لا يكون أكثر من ذرة ، ولكن هذه الذرة تنطوي على استعدادات وقابليات جديرة بالاهتمام .. ومن جملة تلكم الاستعدادات هي قابليته لمعرفة الله التي تنمو وتتكامل مع تكامل هذه الذرة وجنباً إلى جنب مع تكامل سائر استعداداته الأُخرى حتى تنتقل في المآل من مرحلة « القوة » إلى مرحلة « الفعلية » والكمال.

وبعبارة أُخرى ، فإنّ الإنسان يولد وقد أُودعت في كيانه « غريزة معرفة الله » والتوجه إلى ما وراء الطبيعة بشكل سر إلهي مزروع في أعماق البشر بحيث لو لم تنله يد خارجية لنمت غريزة « الميل إلى معرفة الله » في فؤاد الإنسان ولما انحرف عن جادة التوحيد مطلقاً إلى درجة أنّ علماء النفس اعتبروا « الشعور الديني » هذا أحد أبعاد الروح الإنسانية ووصفوه بمثل هذا البعد ، إذ قال أحدهم في تعريف الإنسان بأنّه « حيوان ميتافيزيقي ».

وفي الحقيقة أنّ هذا الشعور الديني الغريزي رسم في ضمير الإنسان بقلم التكوين على غرار بقية الغرائز والأحاسيس الموجودة في الإنسان وهي [ أي غريزة الشعور الديني ] تنمو وتنضج مع نمو الإنسان وتكامله.

٨٦
 &

وبعبارة ـ ثالثة ـ : فإنّ الله أخرج أبناء الإنسان من ظهور آبائهم إلى بطون أُمهاتهم وقد جعل تكوينهم بنحو خاص بحيث يعرفون ربهم دائماً ، ويحسّون باحتياجهم إليه تعالى.

وعندما يحس الإنسان باحتياجه إلى الله ، ويجد نفسه غارقاً في التوجه إليه سبحانه فساعتئذ يكون وكأنّه يقال له : ألست بربكم ؟ فيقول البشر : بلى أنت ربي. (١)

خلاصة القول : إنّ الإنسان خلق مؤمناً بالله بمقتضى الفطرة الإلهية السليمة الموهوبة له ، وسيظل بمعونة العقل الهادي إلى الله يبحث عن الله ويطلبه ويسأل عنه ، ويظل يواصل هذه المسيرة ما لم يعقه عائق ولم يمنعه مانع.

وعلى هذا فإنّ الميثاق المذكور في الآية لم يكن ميثاقاً تشريعياً وعلى نحو الخطاب والجواب اللفظيين ، بل هو ميثاق تكويني فطري ، وجوابه ـ كذلك ـ تكويني فطري.

على أنّ مثل هذا النوع من الحوار والاستيثاق شائع جداً في القرآن الكريم وكذا في محاوراتنا اليومية.

ففي المثال يقال : إنّ الله أعطانا البصر وأخذ منّا الميثاق بأن لا نسقط في البئر.

أو كما يقال : إنّ الله أعطانا العقل وأخذ منّا العهد بأن نميّز به الحق عن

__________________

١. راجع لمعرفة هذه النظرية : الميزان : ٨ / ٣٣٣ طبع طهران ، وتفسير الفخر الرازي : ٤ / ٣٢٢ ومجمع البيان : ٤ / ٤٩٨ ، طبع صيدا ، وفي ظلال القرآن : ٩ / ٥٨ ـ ٥٩ ، وقد جعل الأخير وقت استقرار الخلية البشرية في رحم الأُمّ موعد ذلك الميثاق.

٨٧
 &

الباطل.

ويقول القرآن الكريم حول السماوات والأرض :

( فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ). (١)

وهذا النوع من الكلام وتوجيه الخطاب إلى السماوات والأرض الفاقدة للشعور والإدراك والعقل ليس إلّا عن طريق التكوين .. فيكون معنى هذه الآية هو أنّ السماء والأرض خاضعتين ـ تكوينياً ـ لمشيئة الله وإرادته ، وأنّهما تجريان وفق سننه التي شاءها لهما (٢).

ونقل من بعض بلغاء العرب وخطبائهم مقال من هذا القبيل إذ قال :

« سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك ، وأينع ثمارك ، فإن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً ». (٣)

ولهذا الرأي شاهد قرآني وحديثي :

أمّا الشاهد القرآني فهو قوله سبحانه : ( فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ ) الذي يمكن أن يكون مبيناً لهذه الآية.

وغاية التفاوت ما بين الآيتين هي : أنّ آية ( فِطْرَتَ اللَّـهِ ) تقول بإجمال : أنّ الشعور الديني عجن بفطرة البشر وخلقته من دون أن تعين الآية زماناً ، في حين أنّ الآية ـ المبحوثة هنا ـ تتحدث عن تحقّق هذا السر الإلهي في كيان الإنسان في بدء تكوينه وظهوره ، أي أنّ الإنسان كان ينطوي فطرياً وتكوينياً على هذا السر الإلهي

__________________

١. فصلت : ١١.

٢. سيوافيك حق المقال في الآية في فصل سريان العلم في الموجودات.

٣. مجمع البيان : ٤ / ٤٩٨ طبع صيدا.

٨٨
 &

منذ أن كان موجوداً ذرياً صغيراً في رحم أُمّه .. وكأنّ أوّل خلية إنسانية تستقر في رحم الأُم تنطوي على هذه الوديعة الإلهية وهي « غريزة الميل والانجذاب إلى الله ».

وإذا أردنا أن نتحدث عن ذلك بلغة العلوم الطبيعية لزم أن نقول :

إنّ جينات الخلية لدى كل إنسان تحمل بين جوانحها هذه الخاصية الروحية ، وإنّ هذه الخاصية تنمو وتتكامل مع تكامل الخلية ونموها.

هذا مضافاً إلى أنّ هذه النظرية تنطبق مع ما جاء في حديث معتبر السند من أنّ عبد الله بن سنان يقول سألت أبا عبد الله ـ الصادق ـ عليه‌السلام ، عمّا هو المقصود من الفطرة ؟ فقال :

« هي الإسلام فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد ، قال : ألست بربكم وفيه المؤمن والكافر ». (١)

وإنّ للشريف الرضي كلاماً لعله يشير إلى أنّه اختار هذه النظرية إذ قال :

« إنّه تعالى لما خلقهم وركبهم تركيباً يدل على معرفته ويشهد بقدرته ، ووجوب عبادته ، وأراهم العبر والآيات ، والدلائل في أنفسهم وفي غيرهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم وكانوا في مشاهدة ذلك ومعرفته ـ على الوجه الذي أراده الله تعالى وتعذر امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته ـ بمنزلة المقر المعترف وان لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة ، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى : ( ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (٢) وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة ولا منهم جواب ، ومثله

__________________

١. تفسير البرهان : ٣ / ٤٧ في تفسير آية ( فِطْرَتَ اللَّـهِ ) الحديث ٧.

٢. فصلت : ١١.

٨٩
 &

قوله تعالى : ( شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ) (١) ونحن نعلم أنّ الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم وإنّما لما ظهر منهم ظهوراً لا يتمكنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به ومثل هذا قولهم :

« جوارحي تشهد بنعمتك وحالي معترفة بإحسانك ». (٢)

ثم إنّ سيدنا الحجة شرف الدين ممن ذهب إلى هذا المذهب إذ قال رحمه الله :

« واذكر يا محمد للناس ما قد وثقوا الله عليه بلسان حالهم التكويني من الإيمان بالله والشهادة له بالربوبية وذلك ( إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ) أي حيث أخذ ربك جل سلطانه ( مِن بَنِي آدَمَ ) أي ( مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) فأخرجها من أصلاب آبائهم نطفاً ، فجعلها في قرار مكين من أرحام أُمهاتهم ثم جعل النطف علقاً ثم مضغاً ثم عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأ كلاً منهم خلقاً سوياً قوياً في أحسن تقويم سميعاً بصيراً ناطقاً عاقلاً مفكّراً مدبّراً عالماً عاملاً كاملاً ذا حواس ومشاعر وأعضاء أدهشت الحكماء ، وذا مواهب عظيمة وبصائر نيرة تميّز بين الصحيح والفاسد والحسن والقبيح وتفرق بين الحق والباطل فيدرك بها آلاء الله في ملكوته وآيات صنعه جل وعلا في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ... وبذلك وجب أن يكونوا على بيّنة قاطعة بربوبيته ، مانعة عن الجحود بوحدانيته فكأنّه تبارك وتعالى إذ خلقهم على هذه الكيفية قررهم ( وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ) فقال لهم : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) وكأنّهم ( قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا ) على أنفسنا لك بالربوبية .. نزولاً على ما قد حكمت به عقولنا وجزمت به بصائرنا حيث ظهر

__________________

١. التوبة : ١٧.

٢. الأمالي : ١ / ٣٠.

٩٠
 &

لديها أمرك ... فلا إله إلّا أنت خلقتنا من تراب ثم أخرجتنا من الأصلاب فلك الحمد إقراراً بربوبيتك ...

ثم يقول : هذا كلّه من مرامي الآية الكريمة ، وإنّما جاءت على سبيل التمثيل والتصوير تقريباً للأذهان إلى الإيمان وتفنّناً في البيان والبرهان ، وذلك ممّا تعلوا به البلاغة فتبلغ حد الإعجاز .. ألا ترى كيف جعل الله نفسه في هذه الآية بمنزلة المشهد لهم ، على أنفسهم وجعلهم بسبب مشاهدتهم تلك الآيات وظهورها في أنفسهم بمنزلة المعترف الشاهد وإن لم يكن هناك شهادة وإشهاد.

وباب التمثيل واسع في كلام العرب ولا سيما في الكتاب والسنّة ». (١)

° إشكالات هذه النظرية

هذه النظرية وإن كانت أفضل من سابقتها ، إلّا أنّها رغم ذلك لا تخلو من نقود وإشكالات نذكر طرفاً منها :

١. أنّ ظاهر الآية المبحوثة هنا حاك عن أنّ حادثة أخذ الميثاق قد تحقَّقت في الزمن السابق بدليل قوله : ( وَإِذْ أَخَذَ ).

ولفظة ( إِذْ ) تستعمل في الماضي ، وإذا ما اتفق أن استعملت في المستقبل كان ذلك تجوزاً ولعناية خاصة اقتضاها المقام مثل : ( وَإِذْ قَالَ اللَّـهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّـهِ ) (٢) ، فإنّ من المسلّم أنّ الباري تعالى لم يقل هذا الكلام لعيسى بن مريم في الماضي ، وإنّما سيقوله له في المستقبل [ أي في يوم القيامة ] ... ويسوغ استعمال « إذ » و « قال » في المستقبل كون

__________________

١. فلسفة الميثاق والولاية : ٣ ـ ٥.

٢. المائدة : ١١٦.

٩١
 &

هذا المستقبل محقّق الوقوع فيكون كالماضي.

وعلى كل حال فإنّ ظرف توجه هذا الخطاب القرآني إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو إلى المسلمين أو إلى عامة البشر هو ظرف نزول القرآن ، ولكن ظرف وقوع أخذ الميثاق هو الماضي ، ولذا جاءت الآية مبتدئة بـ « إذ » الذي هو بمعنى « واذكر إذ ».

فإذا كانت الآية ناظرة إلى خلقة الإنسان وتكوينه مع الاستعدادات القابلة لهدايته إلى الله ـ كما تقوله النظرية هذه ـ ففي هذه الصورة يكون ظرف هذا الحادث وظرف الخطاب واحداً ، وهذا خلاف ظاهر الآية حيث يفيد تعدّد ظرفي أخذ الميثاق ، والخطاب.

٢. إذا كان هدف الآية هو بيان أنّ الإنسان خلق مع سلسلة من القابليات الفطرية والعقلية التي تهديه إلى الله ، ففي هذه الصورة لماذا يقول الله :

( وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ) ؟

في حين كان المناسب أن يقول :

فعرف نفسه لهم.

ولماذا قالوا في آية أُخرى :

( بَلَىٰ شَهِدْنَا )

وكان الأحرى أن يقولوا :

بلى عرفناك ؟

٣. انّ تفسير قول الله تعالى ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ) بالخطاب والجواب « التكوينيين » وان كان صحيحاً في حد ذاته إلّا أنّه خلاف الظاهر قطعاً .. إذ أنّ

٩٢
 &

ظاهر الآية هو الخطاب والجواب « التشريعيين ».

ومعلوم أنّ الأخذ بما هو خلاف الظاهر لا يصح ما لم يدل عليه دليل ، وما لم يصرفنا عن الأخذ بالظاهر صارف وجيه.

٤. هذه النظرية « أعني : أخذ الميثاق بمعنى خلق الإنسان مع قابليات فطرية وعقلية تهديه إلى الله » بيان ملخّص للتوحيد الفطري والاستدلالي.

ولو كان هذا هو هدف القرآن من هذه الآية ، لتعيّن عليه أن يبيّن ذلك بعبارة أوضح.

° النظرية الثالثة

وهي ما ذهب إليها وارتآها الأُستاذ الجليل العلّامة الطباطبائي ، مؤلّف تفسير الميزان ، حيث فسر آية الميثاق هذه ، بنحو نذكر توضيحه قبل نقل نص ما قاله حرفياً :

وإليك هذا التوضيح في نقاط :

١. انّ الزمان ظاهرة تدريجية الظهور ، فأجزاء الزمان ـ بحكم كونه حادثاً ـ لا تجتمع في مكان واحد ، وهذه الخاصية ونعني بها خاصية الظهور والحدوث التدريجي والتقطيع والتفرق لا تختص بالزمان فقط ، بل تشمل كل حادث وتعم كل حادثة ظاهرة تستقر على بساط الزمن.

٢. لا شك أنّ حوادث العالم تنقسم بالنسبة إلينا إلى :

حوادث الماضي.

وحوادث الحاضر.

٩٣
 &

وحوادث المستقبل.

ولكل حادث زمان ومكان خاصان ، ولا يمكن للإنسان الذي يعيش ضمن نطاق الزمان أن يشهد كل الحوادث دفعة واحدة وفي نظرة واحدة ، ولا يمكن أن تجتمع كلها لديه.

ولكن الناظر إلى الحوادث لو شاهدها من فوق نطاق الزمان والمكان ، ونظر إلى كل أجزاء الزمان على أنّها ظاهرة واحدة فحينئذ ينتفي مفهوم الماضي والحاضر والمستقبل.

ولتقريب هذا الأمر إلى الذهن نشير إلى بعض الأمثلة التي تقرب هذه الحقيقة إلى الذهن فنقول :

٣. لنفترض شخصاً جالساً في غرفة وهو ينظر من روزنة صغيرة جداً إلى خارج تلك الغرفة وفي هذا الأثناء يمر من أمام تلكم الروزنة قطار إبل ، فإنّ من المسلّم ـ في هذه الحالة أن لا يرى ذلك الشخص في كل لحظة إلّا بعيراً واحداً.

أمّا إذا صعد هذا الشخص على سطح تلك الغرفة فإنّه يتسنى له في هذه الحالة أن يرى كل الآبال في نظرة واحدة وفي لحظة واحدة ، وليس جملاً واحداً في كل لحظة كما كان ينظر من خلال الروزنة داخل الغرفة.

إنّ مثل المحبوس في نطاق الزمن الناظر إلى الحوادث من خلال هذا المنفذ مثل الجالس في الغرفة ـ في المثال المذكور ـ لا يرى الأشياء إلّا تدريجاً.

أمّا إذا تسنّى للإنسان أن ينظر إلى الحوادث من فوق هذا النطاق ، فإنّه يمكنه حينئذ أن يرى كل أجزاء الشيء وحالاته في مكان واحد ودفعة واحدة ، لأنّه في مثل هذه الحالة سينظر إلى الشيء من خلال المنظار الواسع.

٩٤
 &

٤. لنتصور نملة تسير فوق سجّاد ملوّن ، فإنّ هذه النملة ستشاهد في كل لحظة لوناً واحداً لا أكثر ، لمحدودية نظرها ، وصغر أُفق رؤيتها.

أمّا الإنسان حيث إنّه يتمتع بنظر أوسع ، فإنّه يرى كل ألوان ذلك السجّاد والبساط دفعة واحدة.

٥. لنتصوّر أنفسنا ونحن جلوس في مكان ما من ضفاف النيل ننظر إلى الماء ونراقب جريانه وتموّجاته ، فإنّنا لن نرى في هذه الحالة إلّا جانباً محدوداً من جريان هذا النهر العظيم وجانباً من مائه وتموّجاته.

ولكنّنا عندما ننظر إلى النيل من طائرة محلّقة فوق ذلك النهر ، فإنّنا سنرى جانباً أعظم وأكثر من مسيره ومسيله وتموّجاته وتعرّجاته.

من هذا البيان يتضح أنّ بُعد الحوادث وقُربها إنّما يصدق بالنسبة إلى من يعيش ضمن نطاق الزمان ، فالزمان هو الذي يقرّبه من الحوادث أو يبعده عنها ، ولكن الموجودات التي تعيش فوق الزمان والمكان ، فلا يصدق في حقّها الفاصل الزماني أو المكاني.

٦. للإنسان ولغيره من أجزاء هذا العالم ممّا يعيش ضمن نطاق الزمان وجهان :

وجه بالنسبة إلى الله.

ووجه بالنسبة إلى الزمان.

فهي من جهة كونها مرتبطة بالله ، وكون الله تعالى محيطاً بها لا يكون شيء من أجزائها بغائب عن بعضها ، كما لا يكون الله بغائب عنها ، ولا هي بغائبة عن ساحة الله ومتناول علمه .. بل كل كائنات العالم [ دون أن يكون فيها ماض

٩٥
 &

ومستقبل ] حاضرة عنده سبحانه.

وكيف يمكن أن تكون تلك الأشياء على غير هذا النحو ، في حين أنّ العالم بأسره من صنعه وفعله ، ولا شيء من المصنوع بغائب عن صاحبه وصانعه.

وإلى ذلك يشير الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه‌السلام في دعائه قائلاً :

« كيف يخفى عليك ـ يا إلهي ـ ما أنت خلقته ؟! وكيف لا تحصي ما أنت صنعته ؟! أو كيف يغيب عنك ما أنت تدبّره ؟! ». (١)

ولكن هذه الموجودات من حيث كونها تعيش في بطن الزمان ، وتكون مزيجة به ، لذلك تبدو في شكل حوادث متناثرة وأجزاء متفرّقة ومختلفة تتخلّلها فواصل زمنية .. وهنا تمنعها عوامل معينة من حضور الله عندها. (٢)

[ لا حضورها عند الله ] فيوجد بين الله وبين رؤيتها القلبية له حجاب حائل.

في هذا المحاسبة يعمد الأُستاذ الطباطبائي إلى تقسيم العالم إلى وجهين :

الباطن.

والظاهر.

فيكون الوجود الجمعي للعالم هو الباطن ، والوجود الجزئي المتفرق هو الظاهر.

ويستفيد الأُستاذ الطباطبائي لإثبات هذين الوجهين من بعض الآيات ، ويقول : إنّ جملة « كن فيكون » إشارة إلى هذين الجانبين :

الجمعي والتدريجي.

__________________

١. الصحيفة السجادية : الدعاء ٥٢.

٢. اي أن تكون هي عالمة بالله.

٩٦
 &

فيقول : إنّ لفظة « كن » إشارة إلى الوجود الدفعي الجمعي للعالم (١) خصوصاً إذا ضممنا هذا المقطع من الآية إلى الآية ٥٠ من سورة القمر ، وهي :

( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ).

بتقريب أنّ وحدة الأمر لا تعني إلّا أن تتواجد كل الحوادث في مكان واحد دفعة واحدة دون تفرّق أو تدرّج وذلك بعد توجّه الخطاب « كن » إليها.

وجملة « فيكون » الحاكية عن التدريجية والتواجد التدريجي إشارة إلى الجانب التدريجي والظهور المتفرق لهذا العالم.

من هذا البيان الذي قرّرناه بتوضيح وشرح منا نستنتج أنّ الآية المبحوثة [ أي آية أخذ الميثاق ] ناظرة إلى حالة الوجود والحضور الجمعي الدفعي عند حضرة ذي الجلال حضوراً لا تتصور فيه غيبة ، وكأنّ كل أبناء آدم أخذوا وجمعوا من ظهور آبائهم ، وحضروا عند الله ، وفي هذه الحالة من الطبيعي أن يجد كل إنسان ربه ، ووجدانه لله تعالى دليل واضح على وجود الله وربوبيته.

ولكن استقرار الإنسان ضمن نطاق الزمان وتطورات الحياة أشغله بحيث نسي نفسه وغفل عن علمه الحضوري بالله [ أي علمه بالله الناشئ من حضوره بين يديه سبحانه ].

وإليك فيما يلي نص ما قاله العلّامة الطباطبائي في ميزانه :

« إنّ لكل شيء عند الله وجوداً وسيعاً غير مقدّر في خزائنه ، وإنّما يلحقه الأقدار إذا نزله إلى الدنيا مثلاً :

فللعالم الإنساني على سعته سابق وجود عنده تعالى في خزائنه أنزله إلى هذه

__________________

١. الحاضر عند الله بمجموعه وكله وأسره.

٩٧
 &

النشأة.

وأثبت بقوله : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) (١) ، ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) (٢) وما يشابههما من الآيات ، أنّ هذا الوجود التدريجي الذي للأشياء ومنها الإنسان هو أمر من الله يفيضه على الشيء ، ويلقيه إليه بكلمة « كن » إفاضة دفعية وإلقاء غير تدريجي فلوجود هذه الأشياء وجهان :

وجه إلى الدنيا ، وحكمه أن يحصل بالخروج من القوة إلى الفعل تدريجياً ومن العدم إلى الوجود شيئاً فشيئاً ويظهر ناقصاً ثم لا يزال يتكامل حتى يفنى ويرجع إلى ربّه.

ووجه إلى الله سبحانه وهي بحسب هذا الوجه أُمور غير تدريجية ، وكل ما لها فهو لها في أوّل وجودها من غير أن تحتمل قوة تسوقها إلى الفعل.

وهذا الوجه غير الوجه السابق وإن كانا وجهين لشيء واحد وحكمه غير حكمه وإن كان تصوره التام يحتاج إلى لطف قريحة .. وقد شرحناه في الأبحاث السابقة بعض الشرح وسيجيء إن شاء الله استيفاء الكلام فيه.

ومقتضى هذه الآيات أنّ للعالم الإنساني على ماله من السعة وجوداً جمعياً عند الله سبحانه ، وهو الذي يلي جهته تعالى ويفيضه على أفراده لا يغيب فيها بعضهم عن بعض ولا يغيبون فيه عن ربهم ولا هو يغيب عنهم ، وكيف يغيب فعل عن فاعله ، أو ينقطع صنع عن صانعه ؟ وهذا هو الذي يسمّيه الله سبحانه

__________________

١. يس : ٨٣.

٢. القمر : ٥٠.

٩٨
 &

بالملكوت ويقول : ( وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ). (١)

وأمّا هذا الوجه الدنيوي الذي نشاهده نحن من العالم الإنساني وهو الذي يفرّق بين الآحاد ، ويشتت الأحوال والأعمال بتوزيعها على قطعات الزمان ، وتطبيقها على مر الليالي والأيام ، ويحجب الإنسان عن ربه بصرف وجهه إلى التمتعات المادية الأرضية ، واللذائذ الحسية فهو متفرع على الوجه السابق متأخر عنه ، وموقع تلك النشأة وهذه النشأة في تفرعها عليها موقعا كن ويكون في قوله تعالى : ( أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ). (٢)

ويتبيّن بذلك أنّ هذه النشأة الإنسانية الدنيوية مسبوقة بنشأة أُخرى إنسانية هي هي بعينها غير أنّ الآحاد موجودون فيها غير محجوبين عن ربّهم يشاهدون فيها وحدانيته تعالى في الربوبية بمشاهدة أنفسهم لا من طريق الاستدلال ، بل لأنّهم لا ينقطعون عنه ولا يفقدونه ويعترفون به وبكل حق من قبله. وأمّا قذارة الشرك وألواث المعاصي فهو من أحكام هذه النشأة الدنيوية دون تلك النشأة التي ليس فيها إلّا فعله تعالى القائم به.

وأنت إذا تدبّرت هذه الآيات ثم راجعت قوله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ... ) وأجدت التدبّر فيها وجدتها تشير إلى تفصيل أمر تشير هذه الآيات إلى إجماله.

فهي تشير إلى نشأة إنسانية سابقة فرّق الله فيها بين أفراد هذا النوع وميّز

__________________

١. الأنعام : ٧٥.

٢. يس : ٨٢.

٩٩
 &

بينهم وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا ». (١)

° أسئلة حول هذه النظرية

هناك أسئلة تفرض نفسها حول هذه النظرية لابد من طرحها هنا ، لأنّه ما لم يجب عليها بإجابات قاطعة لا يمكن الاعتماد على هذه النظرية.

وإليك فيما يأتي بعض هذه الأسئلة :

١. لا شك أنّ هذا العالم يتجلّى للشخص المحيط الناظر إليه من فوق الزمان والمكان على غير ما يتجلّى للمحاط الغارق في الزمان والمكان.

وبعبارة أُخرى : فإنّه يمكن أن ينظر إلى هذا العالم من منظارين :

أ. من منظار الناظر المحيط بالزمان والمكان.

وفي هذه الصورة لا وجود للتفرّق والتشتّت بل ما يراه هو الوجود الجمعي للأشياء ، والظواهر.

ب. من منظار الناظر المحاط بالزمان والمكان.

وفي هذه الصورة لا يرى إلّا الوجود المتفرّق المتشتّت المتناثر التدريجي لجميع الظواهر والحوادث.

ولكن هذا الاختلاف في السعة والضيق في المرأى ، هل هو عائد إلى السعة والضيق في الرائي ، ونظرة الناظر بمعنى أنّ في الأُولى يكون لدى الرائي قدرة على النظر الواسع فيما يكون الرائي في الصورة الثانية فاقداً لهذه القدرة ، أم أنّ هذا الاختلاف يرجع إلى نفس الظواهر والحوادث ؟

__________________

١. راجع تفسير الميزان : ٨ / ٣٣٤ ـ ٣٣٦.

١٠٠