مفاهيم القرآن - ج ١

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

والقرآنية تعترف وتؤكد « رابطة العلية والمعلولية » بين الموجودات وآثارها واتضح من خلالها أنّ الله تعالى علّة العلل وموجد الأسباب ، لا أنّه يقوم مقام الأسباب والعلل بحيث تتعطل الأسباب والعلل ولا تعود لها أية مشاركة وفاعلية.

وعلينا الآن أن نبحث حول الأصل الثاني ونتحدث حول تقسيم العلة إلى « اضطرارية » وأُخرى « اختيارية ».

فنقول : هناك نوعان من العلل والأسباب :

١. علل ذات إدراك وشعور واختيار وإرادة.

وبعبارة أُخرى ، هناك « فاعل مختار » بمعنى أنّه إذا واجه مفترق طريقين اختار أحدهما على الآخر بإرادة واختيار منه ، وبكامل حريته دونما قهر أو جبر.

٢. وهو ما يقابل النوع الأوّل وتلك هي العلل الفاقدة للإدراك والشعور بنفسها وبأفعالها ، أو تكون مدركة وشاعرة ولكنها لا تكون مختارة ومريدة لأفعالها.

وهذا النوع من العلل سواء أكانت فاقدة للشعور أم فاقدة للاختيار والإرادة تسمّى فاعلاً مضطراً.

فمثلاً الشمس هي من العلل التي لا تشعر هي بآثارها (كالإشعاع والإنبات والإنماء) وتكون لذلك مجبورة ومضطرة في فعلها ، والنحل والنمل وما شابههما من الدواب والحيوانات والحشرات ـ وإن كانت تشعر وتدرك ما تفعل ـ إلّا أنّها تعمل ما تعمل بالوحي أو بالغريزة مائة بالمائة بمعنى أنّ هذه الأحياء لا تفعل ما تفعله بعد مراجعة العقل ، بل تأتي بأفعالها تحت وطأة الغريزة ، ودون إرادة منها ولا اختيار ، ومثل ذلك حركة يد المشلول وأضرابه.

ومع الالتفات إلى هذا النوع من التقسيم يتضح جواب السؤال ، لأنّه وان صحّ أن يقال إنّ أفعال البشر مخلوقة لله ومتعلّقة لإرادته ، وإنّ الله أراد من الأزل أن

٣٦١
 &

تقع هذه الحوادث في عالم الطبيعة ، ولكنه يجب أن نعرف مغزى خالقية الله لكل شيء ، ويتعرف على ذلك من الوقوف على كيفية تعلّق إرادته سبحانه بكل شيء ، وبكل العلل والأسباب مختارها ومضطرها.

° كيف تعلّقت إرادته سبحانه بأفعالنا ؟

إذا عرفنا كيفية تعلّق إرادته تعالى ، فسنعرف كيفية « خالقيته » بالنسبة لأفعالنا ، ولذلك يجب علينا هنا أن نركّز البحث على معرفة كيفية « تعلّق الإرادة الإلهية ».

لقد تعلّقت الإرادة الإلهية منذ الأزل بأن يصدر كل معلول من علّته الخاصة به ، وأن تصدر كل ظاهرة من سببها المخصوص بها ، بمعنى أنّ الإرادة الإلهية قد تعلّقت منذ الأزل بأن تلقي الشمس أشعتها ـ دون شعور منها ـ على الأرض ، وأن يمتص النحل رحيق الأشجار والأزهار بفعل الغريزة أو بدافع الشعور ، ولكن بلا اختيار ولا إرادة ولا حرية ، وأن تبني بيوتها كذلك مسدسة ، وكذلك تعلّقت إرادته تعالى بأن يأتي الإنسان بأفعاله باختيار منه وحرية.

وبعبارة أُخرى قد تعلّقت إرادة الله سبحانه بوجود الإنسان وفعله ، وصدور فعله منه بالاختيار ، فالله سبحانه كما شاء وجود الإنسان شاء صدور فعله منه بلا جبر ولا اضطرار ، فلو فرضنا صدور فعله منه بالاضطرار لزم تفريق إرادته سبحانه من مراده وهو أمر محال.

وعلى الجملة انّ الله سبحانه لم يشأ من الإنسان أن يصدر منه الفعل على وجه الإطلاق مختاراً أو مضطراً ، وإنّما شاء أن يصدر منه الفعل بإرادته واختياره ، ولو صدر بغير هذا الوجه لزم تخلّف إرادته عن مراده.

٣٦٢
 &

ومعلوم أنّ مثل هذه الإرادة الأزلية التي تعلّقت بأفعال الإنسان مضافاً إلى أنّها لا تخالف حرية الإنسان تكون مؤكدة لحريته واختياره ، فكما أنّ إرادة الله نافذة وماضية إذا تعلّقت بوجود الشيء ، فهكذا نافذة إذا تعلّقت بصدور شيء على نحو خاص ، فلو صدرت والحال هذه ـ على غير هذا النحو ـ لزم صدور الشيء على خلاف إرادته تعالى.

وحيث إنّ الله أراد أن يكون الإنسان حراً مختاراً آتياً بفعله باختياره فلابد أن تتنفذ إرادة الله بأن يأتي الإنسان بأفعاله حسب اختياره وحريته ، وإذا أتى بأفعاله باختيار منه وحرية ، تحققت حينئذ مشيئة الله في شأنه ، تلك المشيئة التي شاءت أن يكون الإنسان مختاراً في أفعاله.

وإذا فرضنا أنّه يصدر منه الفعل بنحو « الجبر » ودون اختياره يلزم أن لا يكون فعل الإنسان حينئذ مطابقاً للمشيئة الإلهية وأن لا تتحقّق هذه المشيئة الربانية مع أنّ من الضروري أنّ إرادة الله لابد أن تتحقّق ولابد أن تتنفذ.

وخلاصة القول : إنّ أصل وجود الإرادة الأزلية لله لا يكون ـ بتاتاً ـ موجباً للجبر ولا يكون رافعاً للاختيار ، بل يجب علينا أن ننظر إلى كيفية تعلّق تلك الإرادة أوّلاً ثم نصدر أحكامنا في هذا المجال. (١)

__________________

١. هذا الجواب يرجع إلى ما ربما يقال أنّ الله خلق الإنسان وخلق فيه (جبراً) قوة الاختيار في الأفعال بمعنى أنّه لا يجبره شيء في كل فعل يصدر منه.

نعم أنّ العبد وإن كان مجبولاً على الاختيار وخُلق على الحرية التامة لكن حريته وكونه مختاراً لا يخرج عن حيطة إرادة الله ومشيئته إذ لا يمكن أن يوجد شيء في صفحة الوجود ويكون خارجاً عن مشيئته وإرادته بتاتاً ، فصدور الفعل عن العبد عن اختيار ، غير خارج عن حيطة إرداته.

وعلى القارئ الكريم أن يرجع للمزيد من التوضيح إلى المثال الذي ذكرناه في صفحة ٣٤٩ فإنّه يصور كيفية إرادته سبحانه وإرادة العبد.

٣٦٣
 &

إنّ جميع الظواهر الكونية ومنها أفعال البشر وإن كانت داخلة في إطار الإرادة الإلهية وليس شيء منها يتحقّق بلا إذنه وإرادته ، ولكن يجب علينا أن نعرف كيفية تعلّق إرادته سبحانه بالظواهر الكونية عامة وأفعال البشر خاصة ، فنقول : إنّ إرادته سبحانه تعلّقت بصدور كل شيء عن مباديه الخاصة ، فلو كان الفاعل مضطراً ومجبوراً ، فقد تعلّقت إرادته بصدور فعله عنه بالجبر والاضطرار وان كان الفاعل مريداً مختاراً تعلّقت إرادته بصدور فعله عنه بالإرادة والاختيار.

إنّ الإرادة الإلهية الأزلية إنّما تكون موجبة للجبر ومستلزمة له في صورة واحدة بينما لا تكون مستلزمة للجبر في صورة أُخرى ، فإن قلنا بأنّ الإرادة الإلهية تعلّقت بصدور كل ظاهرة من علّتها لا عن اختيار ، ففي هذه الصورة تكون الإرادة الإلهية موجبة للجبر ، ولكنّنا إذا اعتبرنا العالم هذا عالم الأسباب والمسببات وتصوّرنا لكلّ معلول علّة خاصة به واعتبرنا الإنسان ـ من بين هذه الأسباب والعلل ـ فاعلاً مختاراً وقلنا بأنّ الإرادة الإلهية تعلّقت منذ الأزل بأن يصدر الفعل البشري منه بكامل اختياره وحريته ، ففي هذه الصورة بين هذا وبين الجبر مئات الفراسخ والأميال.

° جواب على سؤال

لو قال أحد : إذا كان عالم الممكنات بكل خصائصه وآثاره مخلوقاً لله ، ومنبعثاً عن إرادته ومشيئته ، فقدرته وسعت كل شيء وشملت كل الوجود بلا استثناء إذن ، فكيف يمكن أن تنسب أفعال البشر القبيحة إلى « الله » سبحانه ؟

هل يمكن أن نسند الظلم والأفعال القبيحة إلى الله ونعتبرها مرادة ومخلوقة له ، وهو القائل :

٣٦٤
 &

( قُلْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ). (١)

والقائل :

( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ). (٢)

فهل من الصحيح أن نعتبره خالق المفاسد والمعاصي والرذائل ؟ وماذا يعني من كونه : ( خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) ؟

أفليس يفيد قوله تعالى : ( لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) (٣) أنّ خالقيته تشمل كل ما في الوجود وكل ما يكون مصداقاً للشيء ؟

وبعبارة أُخرى : أفلا يستفاد من الآية التي تقول : ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) كما في سورة السجدة الآية ٧ ، أنّ كل ما هو مخلوق لله فهو متصف بالحسن والجمال ، وبعيد عن القبح بحيث يمكن أن يقال أنّ الخلق والحسن متلازمان في خلق الله لا ينفكان ولا ينفصلان ؟ فإذا كان الله خالق كل شيء ، فكيف يمكن أن يوصف الظلم ـ مثلاً ـ بالحسن وهو كما نعلم من القبائح المسلمة ؟

على أنّ المشكلة لا تنحصر في مسألة الأفعال القبيحة التي يفعلها الناس بل تصدق على مسألة الآفات والبلايا والشرور ، فكيف تصدر من الله هذه الحوادث المستقبحة التي تصيب البشر ، وتشقيه ؟

ولنوضح الإشكال بصورة أكثر جلاء فنقول :

إنّ الإشكال يرد ـ على القائلين بأنّ ( اللَّـهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) على الإطلاق ـ

__________________

١. الأعراف : ٢٨.

٢. فصلت : ٤٦.

٣. الأنعام : ١٠٢.

٣٦٥
 &

في موردين :

١. الأعمال القبيحة التي تصدر من العباد ، فكيف يمكن أن تكون مخلوقة لله ؟ وهذا هو ما دفع بعض أهل الكلام إلى أن ينسبوا كل أفكار البشر وأفعاله خيرها وشرها بنحو مطلق إلى البشر نفسه ، وأن يقطعوا وينكروا أي ارتباط وصلة بين هذه الأفكار والأفعال وبين المقام الربوبي ، وقد دفعهم إلى هذا الاعتقاد تصور أنّ اسناد أفعال البشر إلى الله يستلزم أن يكون الظلم مخلوقاً لله سبحانه.

٢. انّ هناك في عالم الكون أُموراً تدعى بالشرور والبلايا ، فكيف يصح أن نعتبر الله الحكيم خالقاً لهذه الشرور والآفات ؟! وهذا هو ما تسبب في أن يظهر فريق باسم المجوس يعتقدون بخالقين للكون :

أ. خالق للخير يدعى يزدان.

ب. خالق للشر يدعى اهريمن.

فكيف يواجه القرآن هذين الفريقين وهو يؤكد على وحدة الخالق ، وما هو جوابه عليهما ؟

° الجواب

أمّا الأفعال القبيحة فإنّ لها جانبين : وبتعبير آخر : انّ هذه الأفعال يمكن أن تطالع من جانبين :

١. الجانب الوجودي ، الإثباتي.

٢. الجانب العدمي ، السلبي.

فالفعل على وجه الإطلاق لا يكون قبيحاً إذا طالعناه من الجانب

٣٦٦
 &

الوجودي ويكون قبيحاً إذا طالعناه من الجانب الثاني (أي الجانب العدمي السلبي).

خذ مثلاً : اللقاء الجنسي الذي يتم بين الرجل المرأة بصورة غير مشروعة ، فإنّ مثل هذا اللقاء غير المشروع لا يختلف عن اللقاء المشروع في الجوانب الوجودية ، فكلاهما سواء من حيث إنّ العملين نتيجة « الفعالية الجنسية » غايته انّ التفاوت بين هذين اللقاءين هو أنّ العمل الأوّل غير مأذون به من قبل الله أو السلطة التشريعية في حين أنّ العمل الثاني مأذون به من قبل الله أو موافق لرأي السلطة التشريعية.

وعلى هذا فإنّ عامل القبح في « الزنا » هو صفة « اللامشروعية » التي هي أمر عدمي وسلبي مائة بالمائة ، والذي تتعلّق به القدرة إنّما هو الجانب الوجودي ، للشيء وليس الجانب العدمي السلبي متعلّقاً بها ، لأنّ الأُمور العدمية والجوانب السلبية أقل من أن تتعلّق بها القدرة الإلهية بل يستحيل تعلّق عملية الخلق بها.

وانّك ـ بالإمعان في هذا المثال ـ بإمكانك أن تتناول بالتحليل غير عمل الزنا من القبائح كالظلم والخدعة والخيانة والجناية ، فالظلم ـ مثلاً ـ إنّما يكون قبيحاً ، لأنّه يؤدي إلى ذهاب حق المظلوم ويوقف نمو المجتمع وتقدّمه ، وهذا بما أنّه أمر عدمي ليس متعلّقاً للقدرة والإرادة الإلهية.

° تحليل عن الشرور

إنّ السؤال السابق بعينه ينطرح بالنسبة إلى « الآفات والبلايا » كالزلازل والسيول وغيرها ، وقد بحثه المسلمون في كتبهم الكلامية والفلسفية ، ولكنّنا بغية إكمال هذا القسم نعمد إلى بحثه بصورة مختصرة.

٣٦٧
 &

لو تناولنا بالتحقيق كل ما يسمّى شراً ، لتبيّن لنا أنّ تلك الصفة ناشئة من كون الشيء مصحوباً بالعدم ، فالمرض ـ على سبيل المثال ـ إنّما يكون شراً وغير مطلوب ، لأنّ المريض ـ حال مرضه ـ يكون فاقداً للصحة والعافية ، وهكذا بالنسبة إلى الأعمى والأصم ، فحيث إنّ السمع والبصر من لوازم الحياة عند البشر لكونهما موجبين لكماله ، لذلك يكون فقدانهما « شراً » وأمراً غير مطلوب ، ولكن العمى أو الصمم ليس شيئاً وجودياً في الإنسان الأعمى والأصم ، إنّما هو فقدان وصفي السمع والبصر وعدمهما ليس غير.

فما العمى أو الصمم ـ في الواقع ـ سوى حالة الفقدان والعدمية ؟

من ملاحظة هذه النقطة ومقارنة كل الأُمور والموارد المعدودة من الشرور مع المثال المذكور ، يتبين أنّ الشر ملازم لنوع من العدم الذي لا يحتاج إلى موجد وفاعل ، بل هو عين ذلك الفقدان ، فكل البلايا والشرور والقبائح إنّما تكون إذن شروراً وأُموراً غير مطلوبة لكونها « فاقدة » لنوع من الوجود أو مستلزمة ومصحوبة بنوع من العدم.

وقس على ذلك الحيوانات المفترسة والضارة والآفات فكلّها إنّما تكون شراً لأنّها تجر إلى فقدان سلسلة من الأُمور والجهات الوجودية ، لأنّ كل هذه الأشياء (الحيوانات المفترسة والمضرة والآفات) توجب الموت وفقدان الحياة أو فقدان عضو من الأعضاء ، أو قوة من القوى ، أو تتسبب في منع نمو القابليات والاستعدادات وتحوّلها إلى مرحلة الفعلية ، فلو كانت هذه الشرور كالزلازل والآفات الحيوانية والنباتية لا تنطوي على مثل هذه النتائج لما عدت شروراً ، ولما كانت أُموراً قبيحة غير مطلوبة.

٣٦٨
 &

وعلى هذا فإنّ الموت والجهل والفقر إنّما تكون شروراً لكونها ترافق أنواعاً من العدم ، فالعلم كمال وواقعية يفقدها الجاهل ، والحياة حقيقة وكمال يفقدها الميت ، والفقير هو ـ بالتالي ـ من يفقد المال الذي يعيش بسببه.

° خلاصة القول

إنّه ليس في هذا الوجود إلّا نوع واحد من الموجودات ، وهو ما يكون خيراً وجميلاً وحسناً.

أمّا الشرور فهي من نوع العدم ، والعدم ليس مخلوقاً ، بل هو من باب « عدم الخلق » وليس من باب « خلق العدم ».

ولهذا (أي الوجود الخير فقط) لا يمكن أن يقال أنّ للعالم خالقين : أحدهما خالق الخير ، والآخر خالق الشر ، إنّ مثل الوجود والعدم مثل الشمس والظل ، فعندما نقيم في الشمس شاخصاً يحدث على الأرض ظل بسبب ذلك الشاخص الذي منع من وصول النور.

وما الظل في الحقيقة إلّا عدم النور ، لأنّ الظل هو الظلمة ، والظلمة ليست إلّا « عدم » النور ، فلا يصح أن نتساءل ـ هنا ـ : ما هي حقيقة الظل ؟ إذ ليست للظل واقعية خارجية وحقيقة عينية تقابل حقيقة النور وجوهره ، إنّما الظل هو : عدم النور ومعنى هذا أنّه ليس للظل أو الظلمة منبع ينبعان ، ومنشأ ينشآن منه.

هذا ولصدور الآفات والشرور من جانب الله توجيهات أُخرى نذكرها فيما يأتي.

٣٦٩
 &

° جواب آخر حول الشرور

في التحليل ـ المذكور فيما سبق ـ بيّنا بوجه مبسوط أوّل الأجوبة التي يجيب بها العلماء على الثنويين ، واتضح أنّ الشر أمر عدمي ، والأمر العدمي الذي هو نوع من الفقدان لا يحتاج إلى خالق وفاعل وموجد ، وفيما يلي نعمد إلى توضيح ثاني أجوبتهم.

° الشر أمر نسبي

إنّ لفظة « الحقيقي » و « النسبي » من الألفاظ الرائجة في اصطلاح العلماء كما هي تستعمل في كثير من العلوم الإنسانية والتجريبية ، وإليك توضيحها :

كل موجود نصفه بصفة أمّا أنّه موصوف بتلك الصفة في كل حال مع قطع النظر عن أي شيء وهذه ما نسمّيها بـ «الصفة الحقيقية» ، مثلاً صفة الحياة ثابتة للموجود الحي على وجه الحقيقة ، ولا حاجة إلى توصيفه بصفة الحياة إلى أي نوع من المقارنة والمقايسة ولأجل ذاك تكون الحياة بالنسبة للحي صفة حقيقية ، ووصفه بالحياة توصيفاً حقيقياً وواقعياً.

فكون المتر يتألف من (١٠٠) سنتيمتر واقعية ثابتة للمتر في جميع الحالات ، ولا حاجة لتوصيف المتر بهذه الكمية إلى أي نوع من المقايسة بشيء.

ويقابل الوصف الحقيقي « الوصف النسبي » ، بمعنى أنّ الشيء ما لم يقس ويقارن بشيء آخر ، وما لم يكن هناك موجود آخر لا يمكن توصيف الشيء بصفة.

فالصغر والكبر ـ مثلاً ـ من الأوصاف التي لا يمكن أن يوصف بهما شيء من الأشياء إلّا إذا كان هناك شيء ثان يقاس به هذا الشيء ، حتى يمكن أن يقال

٣٧٠
 &

في شأنه هذا « أصغر » وهذا « أكبر » أو هذا « صغير » وذاك « كبير » ، فإنّ الصغر والكبر وصفان لا يصدقان على شيء إلّا بعد مقارنته بشيء آخر ، فالكرة الأرضية ـ مثلاً ـ إنّما يمكن وصفها بالصغر والكبر ويقال الكرة الأرضية « صغيرة » أو « كبيرة » إذا ما قيست بكرة الشمس والقمر فحينئذ يصح قولنا : الكرة الأرضية أصغر من الشمس وأكبر من القمر ، فالصغر والكبر ليسا وصفين حقيقيين بالنسبة إلى الأرض بحيث يدخلان في حقيقة الأرض وإلّا لما أمكن وصفها بوصفين متضادين ، بل هما وصفان نسبيان وحالتان للأرض يعرضان لها كلّما قيست إلى الكرتين « الشمس والقمر » ويمكن وصف الأرض بهما في تلك الحالة ، وبذلك لا يكون هذان الوصفان حقيقيين.

من هذه المقارنة والبيان يمكن استنباط نتيجة فلسفية هامة ، وهي : انّ « الصفات الحقيقية » على غرار موصوفاتها التي تتمتع بواقعية لا تنكر على صعيد الخارج ، إنّما تحتاج إلى جاعل وخالق.

وأمّا الصفات النسبية حيث إنّها ليست بذات واقعية خارجية ، بل هي وليدة الذهن ، ونتيجة أفكارنا لدى المقايسة لا تكون محتاجة إلى الخالق والموجد ، إذ لا واقعية خارجية لها حتى تكون محتاجة إلى موجد.

إنّ حياة الخلية أو وصف المتر بكونه مائة سنتيمتر من الأُمور التي تتمتع بالواقعية الخارجية ، فما لم يكن وراؤهما واقعية أُخرى (ونعني الخالق) ، لما تحقّقا على صعيد الخارج ، ولما كان لهما حظ من الوجود خارج عالم الذهن حسب قانون العلية.

ولكن الصغر والكبر في المقابل بالنسبة إلى الأرض ليسا لهما واقعية خارج الذهن لكي يحتاجان إلى الخالق والموجد.

٣٧١
 &

إنّ المحتاج إلى الموجد والخالق إنّما هو وجود نفس الكرة الأرضية ، وأمّا صغرها وكبرها فهو وليد الذهن والفكر الذي ينشأ من مقارنة جسمين ببعضهما.

من هذا البيان يمكن معرفة حقيقة « الشرور والآفات » وأنّها من أي نوع من هذين النوعين من الصفات.

هل هي من الصفات الحقيقية ؟

أو هي من الصفات النسبية ؟

بمراجعة سريعة وتحقيق عاجل يمكن معرفة أنّ الشرور أُمور نسبية لا حقيقية بمعنى أنّ صفة الشر ليست جزءاً من ذوات وحقائق الأشياء الموصوفة بالشر ، بل الشر حالة تنسب إلى شيء من الأشياء عندما يقاس إلى شيء آخر ، فسم الحية والعقرب وغزارة المطر لا تكون شراً إذا ما قيست بنفس الأشياء ، بل هي مبعث كمالها وموجب لبقائها واستمرار حياتها ووجودها ، إنّما هي شر إذا ما قيست إلى الإنسان وتضرر البشر بها فالمطر الغزير مثلاً لا يكون شراً في حد ذاته بل عندما يقاس بشيء آخر اتصف حينئذ بهذا الوصف ، فلو نزل المطر الغزير في فصل مناسب أحيا الزرع والنبات واخضرت بسببه المزارع والحدائق وكان خيراً ، ولكنّه يكون شراً من جهة كونه موجباً لانهدام الأكواخ في الصحارى والبراري ، وعلى هذا فإنّ الخير والشر لو كانا من الأوصاف الحقيقية وكان لهما حظ من الوجود لأمكن وصح حينئذ أن نسأل عن موجدها وخالقها ونقول : إنّ المبدأ الذي يتصف بالخير المطلق لا يمكن أن يكون خالق الشرور ، ولذلك نضطر إلى افتراض خالق آخر (غير خالق الخير) يكون خالق الشرور وموجودها.

ولكنّ الحق أنّه ليس للشرور « واقعية خارجية » ليتعلّق بها جعل وخلق ،

٣٧٢
 &

وعلى هذا فإنّ ما يكون له حظ من الوجود الخارجي كسم العقرب لا يكون مستغنياً عن الخالق ، ولكن شرّية هذا السم ليست لها واقعية لتنضم إلى وجود السم فتكون رديفة للسم في عالم الوجود والكون ، ولأجل هذا لا تحتاج شرّية السم إلى خالق ، ويكون البحث عن خالقها لغواً لا معنى له ، لأنّ الشر ـ بالمعنى الذي ذكرناه ـ ليس بذات واقعية خارجية كيما يفتقر إلى الفاعل.

وبعبارة أُخرى انّه ليس من الصحيح أن يقال أنّ الله بخلقه للعقرب خلق شيئين وفعل أمرين : خلق « ذات » العقرب مع شرها ، بل فعل الله سبحانه شيئاً واحداً ، وهو أنّه تعالى ألبس هذا الموجود لباس الوجود ، وإنّما الإنسان هو الذي يصف هذا العقرب بالشرّية والقبح عندما يقيسه إلى شيء آخر.

من هنا يمكن إدراك حقيقة الجملة التي يرددها الفلاسفة عند بيان نسبة الشرور إلى الله إذ يقولون :

جميع الموجودات من حيث كونها تتحلّى بالوجود فهي مخلوقة لله بالذات ، وأمّا من حيث اتصافها بالشرّية فليست موضع إرادته سبحانه بل هي ذات نسبة عرضية ومجازية إذا قيست إلى مبدأ الخلق (١).

وهناك أجوبة أُخرى عن وجود الشر في صفحة الوجود نتركها رعاية للاختصار.

__________________

١. هذا هو تفصيل قولهم : الشرور ليست مجعولة بالذات بل هي مجعولة بالتبع والعرض.

٣٧٣
 &

٣٧٤
 &

الفصل الثامن الله والتوحيد الافعالي ٢. التوحيد في التدبير والربوبية

٣٧٥
 &



° التوحيد في التدبير والربوبية

١. وجود الشرك في التدبير بين الوثنيين.

٢. هل للرب معان مختلفة ؟

٣. نتيجة هذا البحث.

٤. القرآن لا يعترف بمدبّر سواه.

٥. التدبير لا ينفك عن الخلق والإيجاد.

٦. وحدة النظام دليل على وحدة المدبّر.

٧. النتيجة.

٨. ما معنى المدبّرات في القرآن ؟

٩. الجواب عن ذلك.

١٠. هل الحسنة والسيئة من الله ؟

١١. ما معنى الآية التي تنسب الحسنة إلى الله والسيئة إلى الإنسان ؟

١٢. التوفيق بين هذه الآيات.

٣٧٦
 &



التوحيد في التدبير والربوبية

يستفاد ـ بجلاء ـ من التدبّر في الآيات القرآنية ومن مطالعة عقائد وثنيّي العرب المذكورة في كتب الملل والنحل أنّ مسألة « التوحيد في الخالقية » كانت موضع اتفاق وإجماع بينهم ، وأنّ الانحراف إنّما كان في « التوحيد في التدبير » و « التوحيد في العبادة » وبعبارة أوضح كان الأغلب متفقين على أنّ لهذا العالم خالقاً واحداً لا غير.

وقد ذكرت هذه الحقيقة في الكتاب العزيز مكرراً ، ونحن نذكر هنا طائفة من تلك الآيات :

( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ) (١).

( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ ) (٢).

( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ ) (٣).

( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ

__________________

١. العنكبوت : ٦١.

٢. لقمان : ٢٥.

٣. الزمر : ٣٨.

٣٧٧
 &

الْعَلِيمُ ) (١).

( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ) (٢).

أجل لقد كان الاعتقاد بوجود مبدأين « خالقين » لهذا العالم في عقيدة زرادشت ، أحدهما يزدان والآخر أهريمن أمراً مشهوراً وإن كانت عقيدة زرادشت نفسه في هذه المسائل يكتنفها غموض كبير.

على أنّ عقيدة الزرادشتيين في هذه القضية ليست هي وحدها التي تحيط بها هالة من الإبهام والغموض بل عقيدة البراهمة والبوذيين والهندوس في قضية « وحدة الخالق » هي أيضاً غير واضحة.

وحيث إنّ البحث والتحقيق في عقائد تلك الطوائف خارج عن إطار بحثنا هذا لذلك نواصل بحثنا الأساسي.

* * *

من خلال مراجعة الآيات السالفة يتضح لنا أنّ وثنيّي جزيرة العرب الذين كانوا يعيشون قبل نزول القرآن أو بعده لم يكونوا يعانون من أي انحراف أو إشكال في مسألة « التوحيد في الخالقية » وإن لم يكن إدراكهم للتوحيد في الخالقية على غرار ما شرحه ووضّحه القرآن الكريم (٣) ، ولكنّهم كانوا يعتقدون ـ إجمالاً ـ بأنّه ليس للكون سوى خالق واحد هو موجد السماوات والأرض وخالقها ، بيد أنّ بعضهم وليس جميعهم كان يشرك في قضية « التدبير لهذا العالم » أو كانوا يعتقدون

__________________

١. الزخرف : ٩.

٢. الزخرف : ٨٧.

٣. لأنّ الشرك في التدبير الذي نسمّيه شركاً في الربوبية وكان رائجاً بينهم ، يرجع إلى الشرك في الخالقية كما سيوافيك بيانه.

٣٧٨
 &

بأنّ الله ـ بعد أن خلق الكون ـ فوّض تدبير بعض أُمور الكون إلى واحد أو أكثر من خيار خلقه واعتزل هو عن أمر التدبير.

هذه المخلوقات المفوض إليها أمر التدبير كانت في نظر معتقدي هذه النظرية عبارة عن « الملائكة » و « الجن » و « الكواكب » و « الأرواح المقدسة » و ... و ... التي كان كل واحد منها مدبّراً لجانب من جوانب الكون ـ على حد زعمهم ـ !!

ولأجل أن نقرن قولنا بالأدلة والبراهين نلفت نظر القارئ الكريم إلى أدلّة وجود مثل هذا الشرك في عصر نزول القرآن الكريم.

فبملاحظة هذه الأدلّة سيذعن القارئ بأنّ وجود « الشرك في المدبّرية » في عصر الرسالة وقبل ذلك لم يكن موضع ترديد وشك ، وأنّ ما قد يتصوّر ـ أحياناً ـ بأنّ عرب الجاهلية أو من تقدّمهم من الأقوام السالفة كانوا يعتبرون الأصنام مجرد شفعاء عند الله لا أكثر ليس تصوراً ينطبق على كل الموارد في عالم الوثنية ، بل هو (أي الاعتقاد بمجرد شافعية الأصنام لا أكثر) اعتقاد فريق من العرب الجاهليين ولم يكن اعتقاد جميعهم.

° وجود الشرك في التدبير بين الوثنيّين

١. انّ أوضح برهان على أنّ بعض الفرق منهم كان يعتقد بتعدّد المدبّر هو قصة احتجاج إبراهيم عليه‌السلام مع عبدة الكواكب والنجوم.

فقد كانت هذه الفرق تعبد الشمس والقمر والكواكب بعنوان أنّها رب مدبّر وليس باعتقاد أنّها خالقة ، إذ كانوا يتصوّرون أنّ هذه الأجرام هي المتصرفة في النظام السفلي من العالم ، وأنّ أمر تدبير هذا الكون فوّض إليها فهي أرباب هذا

٣٧٩
 &

العالم دون الله.

ولأجل هذا الاعتقاد نجد إبراهيم عليه‌السلام يبطل ربوبيتها عن طريق الإشارة إلى أُفولها وغروبها.

ولنفكر ـ هنا ـ ملياً في استدلال النبي العظيم إبراهيم عليه‌السلام لنرى أي أمر كان يقصد إثباته أو نفيه من خلال الاستدلال بأُفول هذه الكواكب والأجرام وغروبها.

فإذا كانت هذه الأجرام ـ حسب اعتقاد قوم إبراهيم ـ هي المدبّرة للموجودات الأرضية ومنها الإنسان فإنّ المدبّرية ـ بحكم أنّ نظام المدبّر يكون في اختيار المدبّر ـ تقتضي أن يعيش المدَبَّر في ظل إشراف المدَبِّر وعنايته ، وينمو ويتربّى ويتقدم نحو الكمال.

هذا ويقتضي بقاء هذه الكواكب والأجرام على اتصال دائم بالعالم السفلي الذي يقع تحت تدبيرها ليمكن التدبير والتصرف.

بيد أنّ هذا الاتصال الدائم يتنافى مع الأُفول والغروب وما تتصف به هذه الأجرام والكواكب من غيبة وجهل ، ولأجل هذا عد النبي إبراهيم عليه‌السلام الأُفول والغروب دليلاً واضحاً وقاطعاً على عدم كون هذه الأجرام ، مدبّرة للموجودات الأرضية.

ولو كان هؤلاء يعبدون هذه الأجرام بعنوان أنّها أجرام مقدسة توجب عبادتها القربى إلى الله لما تكون غيبتها عن صفحة السماء في غير أوقات عبادتها دليلاً على بطلان نظريتهم ، بل يكون حضورها ووجودها حين عبادة الناس لها كافياً لأن تصبح موضع عبادة ، ولا يلزم وراء ذلك أن تكون حاضرة ـ في كل

٣٨٠