مفاهيم القرآن - ج ١

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ). (١)

( وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ). (٢)

( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ). (٣)

( فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ). (٤)

( وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ). (٥)

٣. وربما ذكر القرآن ـ بعد الاخبار عن عموم التسبيح ـ تسبيح الطير إذ يقول :

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ). (٦)

إنّ الإمعان في هذه الآية يفيد أنّ القرآن الكريم ينسب « العلم والوعي » إلى الفريق المسبِّح ، ويصرّح بأنّ كل واحد من هذه الموجودات يعلم تسبيح نفسه بمعنى أنّ ما يقع منها من تسبيح يقع عن وعي وشعور بذلك ، إذ يقول :

( كُلٌّ (أي كل واحد من الموجودات العاقلة والطير) قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ

__________________

١. الرعد : ١٣.

٢. الأنبياء : ١٩ ـ ٢٠.

٣. غافر : ٧.

٤. فصلت : ٣٨.

٥. الزمر : ٧٥.

٦. النور : ٤١.

٢٤١
 &

وَتَسْبِيحَهُ ).

وقد ورد تسبيح الطير في آيات أُخرى ، وهي :

( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ (١) ). (٢)

( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ (من الجبال والطير) لَّهُ أَوَّابٌ ). (٣)

٤. وفي آيات أُخرى صرح القرآن الكريم بتسبيح الجبال في أوقات خاصة معينة ، إذ يقول :

( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ). (٤)

وقد جاء تسبيح الجبال في آيات غير هذه الآية أيضاً ، وهي :

( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ ). (٥)

( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ). (٦)

٥. وتحدث القرآن عن تسبيح الرعد ، فقال :

( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ). (٧)

__________________

١. عطف على محل الجبال ، أي ودعونا الطير لتسبّح معه.

٢. سبأ : ١٠.

٣. ص : ١٨ و ١٩.

٤. ص : ١٨.

٥. الأنبياء : ٧٩.

٦. سبأ : ١٠.

٧. الرعد : ١٣.

٢٤٢
 &

والآن يجب أن نعرف ماذا يعني التسبيح ؟

التسبيح لغة يعني التنزيه عن النقائص والمعايب.

فعندما ينزّه شخص أحداً عن النقائص والمعايب يقال : سبحه ، وقدسه.

إذن فينطوي التسبيح على معنى التقديس والتنزيه ، وأي تفسير للتسبيح لا يكون حاكياً عن تنزيه الله ، وتقديسه من النقائص والعيوب لا يمكن أن يكون تفسيراً صحيحاً ومقبولاً.

° آراء المفسرين في تسبيح الكائنات

إنّ بعض المفسرين ـ وإن قال بأنّ المراد من لفظة (ما) في قوله تعالى : ( مَا فِي السَّمَاوَاتِ ) هو الموجودات العاقلة المدركة الشاعرة كالإنسان والملائكة التي تقدّس الباري ، وتنزّهه بكامل شعورها وإدراكها ووعيها ـ ولكن كثيراً من المفسرين لم يرتضوا هذا الرأي وقالوا : بأنّ المقصود من (ما) هو مطلق الموجودات (عاقلة وغير عاقلة ، مدركة وغير مدركة) وظاهر الآية يؤيد هذا الرأي ، إذ أنّ لفظة (ما) تستعمل عادة في مطلق الموجودات على عكس (من) التي تطلق ـ في الأغلب ـ على أصحاب العقل والإدراك.

أضف إلى ذلك أنّ الآية الدالة على سجود الموجودات غير العاقلة لا تختص بالآيات التي وردت فيها لفظة (ما) ، بل كان هناك لفيف من الآيات ذكر فيها تسبيح الطير والجبال والرعد.

وعلى ذلك فالتوجيه المزبور لو صح لتم في القسم الأوّل من الآيات لا في القسم الثاني.

٢٤٣
 &

وقد ذكر فريق من المفسرين توجيهات مختلفة للتسبيح ، ولكن أكثرها وإن كانت صحيحة غير أنّها لا ترتبط بالمعنى الحقيقي للتسبيح ، وسوف نشير فيما يلي إلى جملة من هذه الآراء.

° النظرية الأُولى (١)

قال أصحاب هذه النظرية : إنّ المراد من التسبيح هو « التسبيح التكويني » بمعنى أنّ وجود كل موجود حادث يشهد ـ بحدوثه ـ أنّ له صانعاً خالقاً حتى أنّ وجود المادي الملحد المنكر لله بلسانه ، هو أيضاً ، يشهد بوجود الخالق الصانع.

بيد أنّ هذا الرأي ـ رغم صحته واستقامته في حد نفسه ـ لا يمكن أن يكون تفسيراً صحيحاً ومقبولاً للتسبيح ، لما قلناه من انطواء التسبيح على معنى (التنزيه) والتقديس من العيوب والنقائص ، ولا ربط لدلالة الموجودات على وجود خالق لها بمسألة « التنزيه » و « التقديس » عن العيب والنقص والشريك.

° النظرية الثانية

وتقول هذه النظرية : إنّ المقصود من التسبيح هو « الخضوع التكويني » الذي يبديه كل واحد من الموجودات الكونية تجاه مشيئة الله وأمره ، إذ نحن نلمس بالوجدان كيف يخضع كل الوجود بلا استثناء أمام الإرادة الإلهية ، سواء أكان في تقبل الوجود ، أم في اتّباع السنن الطبيعية التي قررها وأرساها الله في عالم الكون.

__________________

١. هذه النظرية إجمال ما سيوافيك في النظرية الثالثة ، ولعل مراد من فسر التسبيح بما في هذه النظرية ، هو ما سيأتي في ثالثتها من أنّ العالم كما يدل على وجود خالقه يدل على صفاته من توحيده وعلمه و ... وعلى ذلك تتحد النظريتان.

٢٤٤
 &

فهذه الطاعة المطلقة أزاء تلك الإرادة الإلهية العليا ، وهذا الانصياع لتلكم السنن الإلهية هو « تسبيح الموجودات» ليس غير.

ثم يستدل أصحاب هذا الرأي على تسليم جميع الموجودات تجاه الإرادة الإلهية النافذة بآيات ، مثل قوله تعالى :

( ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (١).

وبناء على هذه النظرية فإنّ جميع الآيات التي نسب فيها « السجود » والخضوع إلى كل ما في السماوات والأرض ، يمكن أن تكون مؤيدة للرأي المذكور.

ولكنّنا نتصور أنّ هذا الرأي غير صحيح هو أيضاً ، ذلك لأنّ مسألة « خضوع » الوجود بأسره وبكل أجزائه ، وتسليمه للسنن والقوانين الإلهية لا يرتبط بمسألة تنزيه الله ، وتقديسه تعالى من العيب والنقص والشرك ، وينبغي أن لا نخلط بين هذين الموضوعين ، وإن كان كل منهما صحيحاً وصائباً في حد ذاته.

° النظرية الثالثة

ذهب كثير من المفسرين إلى تفسير تسبيح عموم الموجودات على النحو الآتي ، إذ قالوا :

إنّ النظام العجيب المستخدم في تكوين كل واحد من هذه الموجودات والدقة المتناهية في هذا النظام دليل على « قدرة » عليا و « حكمة » و « علم » مطلقين لصانعها وخالقها.

__________________

١. فصلت : ١١.

٢٤٥
 &

فالكيان المعقّد والعجيب لكل واحد من هذه الموجودات ، والمليء بالأسرار كما يشهد بصدق وجلاء على صانع لها ، كذلك يشهد ـ بلسان التكوين ـ على خالق واحد ، عالم وقدير وحكيم ، وعلى الجملة على « علم » ذلك الصانع و « حكمته » و « قدرته » وخلوّه عن أي نوع من الجهل والعجز والعي ، بل يكفي في التسبيح دلالتها على صفاته الكمالية فقط ، الملازم لدفع الصفات السلبية ولا يجب أن يكون بصورة سلب النقائص ابتداء.

ففي مجال تنزيه الله عن « الشريك » مثلاً ، تأتي شهادة هذه الموجودات على النحو الآتي :

إنّ النظام الواحد الذي يسود في الذرة والمجرّة على السواء يشهد بأنّ الكون بأسره وجد بإرادة خالق وصنع صانع واحد دون أن تكون لأي خالق آخر مشاركة في هذا الخلق والصنع ، وأنّ وحدة النظام دليل على وحدة المنظم وعدم الشريك له سبحانه.

وكذا إنّ سيادة نظام موحد على مجموع أجزاء الكون كما تفيد أنّ ثمة « منظماً واحداً » يحكم هذا العالم ، كذلك تكشف الأسرار الدقيقة ، والتقدير المتقن عن « علم » صانعها و « حكمته » و « قدرته » الملازم لتنزّهه عن الجهل واللعب والعجز (١) ، وقد مر أنّه يكفي في التسبيح دلالة الشيء على كمال المؤثر الملازم

__________________

١. هذا مضافاً إلى أنّ هذه النظرية تفصيل لما أجمل في النظرية الأُولى ، فإنّ القائل بالنظرية الأُولى أجمل القول واكتفى بالقول بأنّ كل موجود حادث يدل على وجود محدثه ، لكن القائل بالنظرية الثالثة بسط الكلام وأفاد بأنّ وجود كل حادث كما يدل بحدوثه على وجود محدثه ، كذلك يدل بصفاته (أعني : النظام السائد فيه) على صفات موجده من العلم والقدرة والحكمة ، وخلوّه عن العجز والجهل والعبث.

ولأجل هذا قلنا إنّ النظرية الثالثة تفصيل لما جاء في الأُولى.

٢٤٦
 &

لدفع العيب عنه ولا يلزم أن يدل على تنزيهه من الجهل مطابقة.

ولنا على هذا الرأي الذي اعتمد عليه كثير من المفسرين ملاحظات من عدة جهات :

١. إذا كان هذا هو مقصوده سبحانه من تسبيح عموم الموجودات ، فهو ممّا يدركه ويفقهه جميع الناس أو أكثرهم ، ولا معنى لأن يقول القرآن في سورة الإسراء الآية ٤٤ : ( وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ).

وقد اضطر البعض إلى إصلاح هذه النظرية بتفسير جملة ( لَّا تَفْقَهُونَ ) بأنّها بمعنى عدم الانتباه والالتفات ، وإنّ أكثر الناس غير منتبهين إلى تسبيح الموجودات ، أمّا لانغماسهم في المادية ، أو لأجل كون دلالة الموجودات على « تنزيه » الله عظيمة جداً بحيث لا يمكن للبشر أن يقف على مداها.

ولكن لا يخفى انّ هذا التوجيه خلاف ظاهر الآية ، ولو صح ما فسروا به جملة ( لَّا تَفْقَهُونَ ) للزم أن يقول « ولكنكم إذا لاحظتم تفقهون » أو ما يناسب ذلك مع ما نعرف من الدقة في التعبير القرآني ، لا أن يسلب عنهم العلم والفهم بتاتاً.

هب أنّ أكثر الناس غير واقفين على دقة الخلقة وأسرارها والروابط السائدة على المخلوقات غير أنّ ذلك لا يصحح سلب العلم عن الناس عامة ، جاهلهم وعالمهم ، ولا سيما في هذا العصر الذي ظهرت فيه البواطن والأسرار واكتشفت الحقائق.

٢. إذا كان تسبيح الموجودات بالمعنى المذكور في هذه النظرية ، (أي أنّنا يمكن أن ندرك من التدبّر في خلقة الأشياء نزاهة خالقها وصانعها من الجهل

٢٤٧
 &

والعجز) فلماذا وصف القرآن بعض الحيوانات كالطير بإدراكها لتسبيحها وتنزيهها لربها وكونها تعلم بحقيقة تسبيحها إذ قال :

( كُلٌّ (أي كل من في السماوات والأرض والطير) قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ). (١)

وبتعبير أوضح : لماذا نسب القرآن الكريم « العلم » إلى الطير بشكل صريح في حين أنّ مقتضى هذه النظرية هو أنّها لا تعلم بتسبيح نفسها ، ولا تشعر ولا تدرك ذلك ، بل نحن فقط نشعر ونعلم بتسبيحها التكويني من التدبّر في خلقتها ودقة صنعتها دون أن تشعر هي نفسها بذلك.

اللّهم إلّا أن يخصص العلم ـ بحكم ظاهر الآية ـ بالموجودات العاقلة للفظة ( مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) وخصوص الطير.

٣. إذا كان المقصود من تسبيح الكائنات هو ما جاء في هذه النظرية لما كان لهذا التسبيح وقت خاص ، وزمان معين.

بل هو (أي التسبيح بلسان التكوين) حقيقة ملازمة للكائنات في كل وقت وآن ، بحيث يدركها البشر أنّى تدبّر في خلقتها ، وأنّى تفكّر في تكوينها ، وتمعّن في صنعها ، في حين أنّ القرآن الكريم يحدّد زمن « تسبيح الجبال » بأوقات خاصة من طرفي النهار بكرة وأصيلاً ، إذ يقول في سورة (ص الآية ١٨) :

( يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ). (٢)

__________________

١. النور : ٤١.

٢. إلّا أن يكون « العشي والإشراق » كنايتين عن مداومة التسبيح طول الليل والنهار ، وعند ذلك لا يصلح هذا الوجه للاستدلال.

٢٤٨
 &

نعم يمكن أن يقال : إنّ تحديد تسبيحها بالعشي والإشراق ، لأجل أنّ تسبيح داود كان محدّداً بهذين الوقتين وكانت الجبال يسبحنّ معه ، ولأجل تلك التبعية صار تسبيح الجبال محدّداً بها.

ولكن ذلك لا يضر بالمقصود ، إذ هو حاك عن سريان شعور مرموز إليها بحيث تدرك تسبيح ولي الله سبحانه في أوقات خاصة فتنطلق تسبح معه كما هو صريح الآية.

واحتمال أنّ تسبيح الجبال كتكلّم شجرة موسى ، وأنّ التسبيح إذا صدر من عباد الله الصالحين ، تتجاوب معه الجبال بصورة خارقة كتكلم الشجرة بأمره ، ولأجل ذلك صح اسناد التسبيح إلى الجبال ، احتمال لا يمكن الركون إليه في تفسير الآية إلّا بشاهد من نفسها أو خارجها والظاهر هو المتبع ما لم يذدنا عنه البرهان.

على أساس هذه الملاحظات ـ بالرغم من صحة نظرية التسبيح التكويني في كل موجود في حد ذاتها ـ لا يمكن حمل « آيات التسبيح الكوني » عليها والقول بأنّها ناظرة إلى هذا المعنى.

° النظرية الرابعة

وهذه النظرية هي للفيلسوف الإسلامي الجليل المرحوم « صدر المتألّهين » صاحب الآراء الجليلة في الإلهيات ، وما وراء الطبيعة ، وأحد كبار المؤسّسين

٢٤٩
 &

لأُصول الفلسفة الإسلامية ، المحقّقين النادرين (١).

يقول هذا الفيلسوف الإسلامي ما توضيحه :

إنّ الكون بجميع أجزائه يسبح لله ويحمده ويثني عليه تعالى عن شعور وإدراك.

فلكل موجود من هذه الموجودات نصيب من الشعور والإدراك بقدر ما يملك من الوجود من نصيب.

وعلى هذا الشعور تسبّح الموجودات كلّها ، خالقها ، وبارئها ، وربها سبحانه وتنزّهه عن كل نقص وعيب.

ثم يقول :

إنّ العلم والشعور والإدراك كل ذلك متحقّق في جميع مراتب الوجود ، ابتداء من « واجب الوجود » إلى النباتات والجمادات ، وأنّ لكل موجود يتحلّى بالوجود سهماً من الصفات العامة كالعلم والشعور والحياة و .. و .. ولا يخلو موجود من ذلك أبداً ، غاية ما في الأمر أنّ هذه الصفات قد تخفى علينا ـ بعض الأحيان ـ لضعفها وضآلتها.

على أنّ موجودات الكون كلّما ابتعدت عن المادة والمادية ، واقتربت إلى التجرد ، أو صارت مجردة بالفعل ازدادات فيها هذه الصفات قوة وشدة ووضوحاً

__________________

١. ولد عام ٩٧٩ هـ في شيراز من بلاد إيران ، وتوفّي عام ١٠٥٠ هـ في طريق الحج في البصرة.

لقد أنشأ المرحوم السيد حسين البروجردي في تاريخ وفاته قوله ـ كما في كتابه نخبة المقال ـ :

ثم ابن إبراهيم صدر الأجل

في سفر الحج « مريضاً » ارتحل

قدوة أهل العلم والصفاء

يروي عن الداماد والبهائي

٢٥٠
 &

بينما كلما ازدادت اقتراباً من المادةوالمادية ، وتعمقت فيها ، ضعفت فيها هذه الصفات ، وضؤلت حتى تكاد تغيب فيها بالمرة ، كأنّها تغدو خلوة من العلم والشعور والإدراك ولكنّها ليست كذلك (أي أنّها ليست خلوة من العلم والشعور والإدراك) ـ كما نتوهم ـ إنّما بلغ فيها ذلك من الضعف ، والضآلة بحيث لا يمكن إدراكها بسهولة وسرعة (١).

ثم إنّ صاحب هذه النظرية أثبتها عن طريق الأدلة والبراهين الفلسفية ، والمكاشفات النفسانية.

على أنّه خطا خطوة أكبر ، إذ قال : انّ ما يقوله القرآن بأنّ البشر لا يفقه تسبيح الموجودات ، ناظر إلى أغلب الناس ، لأنّ أغلبهم لا يفقهون هذا التسبيح ، ولا يمنع ذلك من أن يفقهه بعض العارفين الذين ارتبطت أرواحهم بحقائق الموجودات ، فلمسوا تسبيح الكائنات عامة ، بعين القلب ، واطّلعوا على تقديسها لله سبحانه ، وانقيادها لمشيئته ، وخضوعها له.

أجل أنّ القلوب الخالية من الوساوس الشيطانية ، الطاهرة من العلائق المادية التي صارت محلاً للنور الإلهي ومحطّاً للفيوض الربانية ، ومهبطاً للبركات المعنوية قادرة على « مشاهدة » هذه الحقائق العليا ، مشاهدة وجدانية ، وإدراكها إدراكاً قلبياً لا يتطرق إليه شك ، وماذا يمنع من ذلك يا ترى ؟

* * *

وبعد أن وصل البحث إلى هذه النقطة يلزم أن نحاول الوصول إلى هذه الحقيقة القرآنية ، بالتدبّر في آياتها التي تنسب الشعور والعلم إلى عموم

__________________

١. راجع الأسفار : ١ / ١٨ و ٦ / ١٣٩ ـ ١٤٠ ، الطبعة الجديدة.

٢٥١
 &

الموجودات ، لأنّ القرآن إذا نسب « التسبيح والحمد » إلى عمومها ، فهو في نفس الوقت يصف كل ذرات العالم بأنّها شاعرة ، ومدركة ، وسامعة.

فإذا وضعنا هاتين الطائفتين من الآيات إلى جانب بعض ، ثبتت لنا صحة النظرية التي ذهب إليها « صدر المتألّهين ».

وإليك ـ فيما يأتي ـ الآيات الدالة على سريان الشعور ، والعلم في عامة الموجودات بدءاً من الذرة وانتهاء بالمجرة ، مع ما يمكن استنباطه واستفادته من هذه الآيات.

° سريان الشعور في عموم الموجودات

ويمكن إثبات هذا الادّعاء عن طريقين :

أوّلاً : عن طريق الآيات التي تشهد على وجود الشعور ، وسريانه في جميع موجودات هذا العالم ، أحيائها ، وغير أحيائها.

ثانياً : عن طريق البراهين والدلائل العقلية التي تثبت وجود الشعور في كل ذرات الكون.

وإليك الطريق الأوّل : ويتألف من آيات متعددة هي :

١. يشهد القرآن ـ بصراحة ووضوح ـ على أنّ النمل تتمتع بشعور خاص ، لأنّها عندما مر على واديها سليمان وجنوده راحت نملة تخاطب بني نوعها وتحثّها على الدخول في بيوتها لئلّا يسحقها سليمان وجنوده ، كما يحدثنا القرآن إذ يقول :

( يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ ). (١)

__________________

١. النمل : ١٨.

٢٥٢
 &

وكان هذا النداء التطميني (أو التحذيري) من تلك النملة ، نداء حقيقياً ، واقعياً ، ولا يمكن أن نحمله على معنى مجازي ، وندعي بأنّ ما قالته النملة كان بلسان « الحال » ، وذلك لأنّ سليمان تبسّم على أثر سماعه ذلك النداء ، ودعا ربّه أن يوفقه للشكر على ما وهبه وأنعم عليه وعلى والديه ، إذ يقول القرآن :

( فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا (١) وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ). (٢).

٢. انّ في القرآن قصة عن الهدهد تكشف عن شعور خاص لدى هذا الطائر ، بحيث يمكن للهدهد أن يميز بواسطته : الموحد عن المشرك وبحيث كان سليمان يبعثه في إنجاز مهام معينة تحتاج إلى الشعور وتتطلب العلم والفهم.

وإليك هذه القصة بلسان القرآن نفسه :

( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّـهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّـهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ

__________________

١. إنّ في لفظة « قولها » دلالة على أنّ نداءها لم يكن بلسان الحال ، بل كان بالكلام والقول الذي ينطلق من شعور وادراك.

٢. النمل : ٢٠.

٢٥٣
 &

مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ). (١)

ألا يدل فعل هذا الطائر ـ العجيب ـ الذي يدرك كل الأُمور الدقيقة ، ويخبر عنها بدقة وأمانة ، ويمتثل لأُوامر سيده سليمان على أحسن وجه.

أقول : ألا يدل كل هذا على أنّ هذا الطائر يتمتع بشعور خاص وإدراك مخصوص هو الذي أهّله لتحمّل تلك المسؤولية الكبيرة الدقيقة ؟

٣. يعد القرآن من مفاخر سليمان : علمه بمنطق الطير ، وهذا يكشف عن وجود منطق خاص للطير كاشف عن شعوره بما يقول ، إذ قال :

( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ ). (٢)

كما أنّ القرآن يخبرنا بأنّ سليمان ألّف جيشاً ضخماً من الإنسان والجن والطير ، وكانت جميعها تحت أمره ، ورهن إرادته ، وإشارته :

( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ ). (٣)

وهكذا يستفاد من مجموع هذه الآيات أنّ الطيور والنمل تتمتع بنوع خاص من الوعي والشعور ، وأنّه لو أُتيح للإنسان أن يحكم على الكون كله ، لاستطاع أن يتحدث معها ويعرف حديثها ، وأن يستفيد منها في إرساء النظام التوحيدي وتقوية دعائمه ، وتحطيم مظاهر الشرك والوثنية وتقويض قواعدها ، كما استفاد سليمان من الهدهد ذلك الأمر ، والظاهر أنّه لا خصوصية للمورد.

__________________

١. النمل : ٢٠ ـ ٢٨.

٢. النمل : ١٦.

٣. النمل : ١٧.

٢٥٤
 &

° سريان الشعور في الجمادات

تحدّثت الآيات القرآنية عن هذه الحقيقة بنحو ما ، وراحت تنسب أفعالاً إلى (الجمادات) تقترن بالشعور وتثبت الإدراك لها.

فالقرآن الكريم يرى أنّ سقوط بعض الصخور من نقطة ما إنّما هو نتيجة خوفها من الله وخشيتها منه تعالى إذ يقول :

( وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ ). (١)

نعم ربما يحتمل أنّ المراد من قوله تعالى : ( وَإِنَّ مِنْهَا (مِنَ الحْجَارَةِ) لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ ... ) هو التعبير عن شدّة قسوة قلوب اليهود ، بشهادة أنّ من الحجارة ما تتفجّر منه الأنهار ، دون قلوبهم ، وانّ من الحجارة ما يهبط من خشية الله دونها ، وعند ذاك لا تصلح الآية للاستدلال على سريان الشعور في الموجودات عامّة.

غير انّ هذا الاحتمال لا يضر بما ذهبنا إليه ، فإنّ التعبير عن شدّة قسوة قلوبهم يجتمع مع دلالة الآية على سريان الشعور في عامّة الموجودات ، فإنّ الآية أثبتت للحجارة صفتين : التفجّر ، والهبوط من خشية الله.

فكما أنّ التفجّر أمر حقيقي لها ، فكذلك الهبوط من خشية الله أمر حقيقي لها ، ومع ذلك تدلّ على شدّة قسوة قلوبهم.

وفي آية أُخرى يخبر القرآن الكريم عن قضية عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال ، وامتناع هذه الأشياء عن حملها خشية وإشفاقاً فيقول :

( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا

__________________

١. البقرة : ٧٤.

٢٥٥
 &

وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ). (١)

غير أنّ طائفة من المفسرين فسّروا هذه الآية ونظائرها بالمعاني المجازية ، وبأنّ كل هذا الذي يخبر عنه القرآن تم بلسان الحال ، بمعنى أنّها أبين وأشفقن عن تحمّل الأمانة المعروضة عليها ، بلسان حالها ، لا بلسان مقالها الكاشف عن الشعور في حين أنّ هذا التفسير والحمل ضرب من اتخاذ المواقف قبل البحث والدرس وهو أمر لا مبرر له ، إذ لا دليل على حمل مثل هذه الآيات على غير ظاهرها ، وتأويل هذه الحقيقة ـ التي يتحدّث عنها القرآن بصراحة ـ بمعان مجازية ، ومحامل لم يقم عليها دليل.

على أنّ عدم توصل العلم إلى هذه الحقيقة ، أعني : وجود الشعور عند عامّة الموجودات لا يكون دليلاً ـ أبداً ـ على عدم وجود هذا الشعور عند هذه الكائنات ، لأنّ وظيفة العلم إنّما هي الإثبات فقط ، وليس للعلم حق « النفي » والسلب ، والإنكار.

إنّ العلم لم يبلغ تلك المرحلة من المعرفة ، والإحاطة بحقائق الكون ، إحاطة يمكنه معها أن ينكر ما لا يعرف وجوده أو عدمه (٢).

وفي موضع آخر يقول القرآن في هذا الصدد :

__________________

١. الأحزاب : ٧٢.

٢. وهذه إحدى الفروق بين العلم والفلسفة فإنّ للثانية حق النفي والإثبات وليس للأوّل ذلك الحق ، لأنّ الوسائل التي يتوسل بها العلم للتحقيق أقصر من أن يتوسل بها إلى الإحاطة بجميع الموجودات ، وهذا بخلاف الفلسفة فإنّها تجعل صفحة الوجود مسرحاً لنقاشها ونفيها ، وإثباتها وللبحث عن الفرق الكامل بين العلم والفلسفة موضع آخر.

٢٥٦
 &

( لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ ). (١)

ولا ريب أنّنا لو تجرّدنا عن آرائنا الشخصية حول الآيات القرآنية ، لوجب علينا أن نقول : إنّ هذه الجبال لابدّ أنّها تنطوي على قابلية الخشوع والتصدّع لكي يصح أن يتوجه إليها الخطاب الإلهي القرآني.

إذ ليس من المعقول أن ينسب القرآن الكريم ـ وليس من شأنه المبالغة الكاذبة ـ هذا النوع من الحالة (أي حالة الخشوع) إلى ما لا يكون قابلاً لها.

وربّما يحتمل أنّ الآية كناية عن عظمة القرآن وجلالة قدره ، بدليل انّه لو أنزله الله على جبل لخشع وتصدّع ، ولا يستلزم هذا إثبات قابلية الشعور في الجبال.

غير انّ الإجابة على هذا الاحتمال واضحة جداً ، فإنّ هذا التفسير مبني على ما سلّم به القائل مسبقاً من أنّه لا شعور في الجبال ، ولذلك عاد ففسر الآية على ما بنى عليه.

ولو تخلّى عن هذه الفكرة ـ كما قلناه آنفاً ـ ودرس الآية بدون فكرة سابقة لوقف على أنّ الآية مع دلالتها على عظمة القرآن تدل أيضاً على وجود شعور في الجبال ، وقابلية للخضوع والخشوع الحقيقيين لديها.

وليست دلالة الآية على عظمة القرآن مانعة عن دلالتها على الأمر الثاني.

ويستفاد وجود مثل هذا الشعور والوعي في الجبال من بعض الآيات الأُخرى عندما تقول :

( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّـهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ). (٢)

__________________

١. الحشر : ٢١.

٢. إبراهيم : ٤٦.

٢٥٧
 &

وكقوله تعالى :

( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ) (١).

فإذا لم تكن في « الجبال » تلك القابلية وذلك الوعي لما يدور خارجها لما صحت هذه التوصيفات والنسب ، ولوجب حينئذ أن نفترض لهذه الآيات « معاني مجازية » من قبيل المبالغة ، والتمثيل تماماً كما ذهب إليها بعض المفسرين حيث ارتكبوا حملها على التجوز والتمثيل.

نعم يمكن أن تكون الآية وسابقتها ناظرتين إلى أمر آخر وهو : أنّ عظم مكرهم بلغ إلى حد يمكن أن تنقلع به الجبال وتنشق السماء والأرض ، والإزالة والانشقاق أثر المكر لا أن تزول وتنشق بتأثر ناشئ عن إدراك وشعور لديها.

فمكرهم أو قولهم بأنّ الله اتخذ ولداً قد بلغ من التأثير السيّء إلى حد الآلة الهدامة.

على أنّ الآيات المرتبطة بيوم القيامة تكشف النقاب عن وجود هذا الوعي والشعور ـ فضلاً عن إمكانه ـ حيث إنّها تخبرنا عن تكلّم الأيدي والأرجل والجلود وشهادتها على الإنسان في ذلك اليوم الرهيب بأمر الله ، فإذا بها تشهد على العصاة بكل ما فعلوا من أفاعيل ، وآثام ، بدقة متناهية.

وإليك هذه الآيات :

( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ). (٢)

( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا

__________________

١. مريم : ٩٠.

٢. النور : ٢٤.

٢٥٨
 &

يَكْسِبُونَ ). (١)

( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّـهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّـهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ). (٢)

نعم الآية واردة في شهادة الجلود يوم القيامة والاستدلال بها على إمكانية وجود الشعور في جلود الإنسان هنا في الدنيا يحتاج إلى لطافة ذوق فإنّ النشأة الأُخروية ليست مباينة للنشأة الدنيوية.

ثم إنّ القرآن يشهد ـ بصراحة تامة ـ في آيات أُخرى بأنّ الارض تتحدث بأمر الله وتخبر عما وقع على ظهرها إذ يقول :

( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ (أي الأرض) أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ). (٣)

كما أنّ القرآن الكريم يخبرنا عن طاعة « السماوات والأرض » الكاشفة عن وجود مثل هذا الوعي فيها إذ يقول :

( ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ). (٤) (٥)

__________________

١. يس : ٦٥.

٢. فصلت : ١٩ ـ ٢١.

٣. الزلزلة : ٤ ـ ٥.

٤. فصلت : ١١.

٥. والخطاب إلى السماء والأرض باعتبار أنّ الخطاب توجّه إليهما بعد إيجاد مادتهما الأُولى بشهاد قوله سبحانه : ( وَهِيَ دُخَانٌ ) فلا يمكن قياس تلك الآية بالآيات التي ورد فيها لفظ كن ، فإنّ الخطاب هناك تكويني لغرض الإيجاد ، دون المقام.

٢٥٩
 &

هذه الآيات ونظائرها تفيد ـ حسب نظر من يتخلّى عن آرائه الشخصية عند فهم مقاصد القرآن ـ سريان الشعور والفهم في جميع أجزاء هذا العالم ، وذراته.

أمّا كيف وماذا تكون حقيقة هذا الشعور والفهم والوعي ، وما هو مستواها وحجمها فذلك ما ليس بواضح ولا معلوم لنا ، بيد أنّ هذا الجهل لا يمكن أن يكون سبباً للإنكار فما أكثرها من حقائق في هذا الوجود لا يعرفها البشر المحدود الرؤية والتفكير.

ومما يجدر بالذكر أنّ الأدعية الإسلامية قد أشارت إلى هذا الموضوع ، نذكر من باب المثال بعض النماذج :

« تسبّح لك الدواب في مراعيها والسباع في فلواتها ، والطير في وكورها ، وتسبح لك البحار بأمواجها والحيتان في مياهها ». (١)

كما أنّنا نقرأ في « الصحيفة السجادية » نظير هذا حيث يخاطب الإمام السجاد « الهلال » عند رؤيته ، إذ يقول عليه‌السلام :

« أيّها الخلق المطيع الدائب السريع المتردّد في منازل التقدير ، المتصرّف في فلك التدبير ... ». (٢)

بعد ملاحظة هذه الآيات والروايات الكاشفة عن سريان الشعور والفهم في كل الموجودات يتعيّن علينا أن نختار نظرية المرحوم صدر المتألّهين التي فسر فيها التسبيح المذكور في مورد الكائنات عامة ، بالتسبيح « الحقيقي الواقعي » بمعنى أنّ

__________________

١. راجع كتب الأدعية.

٢. الصحيفة السجادية : الدعاء : ٤٣.

٢٦٠