مفاهيم القرآن - ج ١

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٧٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

سبب وشرط لتحقّق الآخر ، وحيث إنّه ليس لأي واحد منهما تحقّق ووجود سابق ، فتكون النتيجة لمثل هذا الاشتراط أن لا يتحقّق وأن لا يوجد أي واحد منهما.

ولأجل التوضيح نضرب المثال التالي :

لنفترض أنّ شخصين يريدان حمل متاع معاً ، ولكن كل واحد منهما يشترط بأن لا يأخذ طرفاً من ذلك المتاع إلّا إذا أخذ الآخر طرفه قبله ، فمن المعلوم ـ حينئذ ـ أنّ هذا المتاع لن يحمل ـ في النتيجة ـ أبداً ، لعدم تحقّق شرط أي واحد منهما.

والحقيقة أنّ قضية الدور ليست في جوهرها إلّا كون وجود كل من الحادثين متوقفاً على الوجود القبلي للآخر ، وحيث إنّه لا وجود قبلي لأي واحد منهما قبل الإيجاد من جانب الآخر ، فلن يوجد أي منهما في المآل.

ب. « التسلسل » ليس إلّا أن تمضي سلسلة العلل والمعاليل إلى ما لا نهاية ، أي ما لا يصل إلى نقطة واحدة معينة تكون علة للجميع ، دون أن تكون معلولاً لشيء ، ويكون موجوداً غنياً غير فقير.

وهذا الفرض هو أيضاً باطل ومحال بالبيان الذي مر في إبطال « الدور ».

لأنّه على فرض التسلسل ، فإنّ الحادثة الأخيرة تكون معلولة للحادثة السابقة عليها ، والحادثة السابقة تكون معلولة لما قبلها ، وهكذا.

وفي الحقيقة فإنّ الحادثة الأُولى التي نواجهها تكون مشروطة الوجود بالحادثة الثانية التي تسبقها والحادثة الثانية تكون متوقفة على الحادثة التي تسبقها ، وهكذا الثالثة على الرابعة ، والرابعة على الخامسة ، وهكذا كلّما نتقدّم فإنّنا لا نقف على موجود غير مشروط بشرط ، بل إنّ هذا الوضع سيستمر إلى ما لا نهاية ، وفي هذه

٢٠١
 &

الحالة فإنّ الحادثة التي نواجهها ليس فقط هي التي لا تتحقق بل ولا تتحقق أية حلقة من هذه السلسلة الطويلة غير المتناهية.

لأنّه لو أُتيح لهذه الحلقات أن تتكلم وتنطق بلسان حالها لقالت الأخيرة : إنّما أتحقّق أنا لو أنّ ما قبلي تحقّق ، وما قبلها تقول : إنّي أتحقّق لو أنّ ما قبلي تحقّق ، وحيث إنّ وجود أية واحدة من هذه الحلقات غير خال عن الـ « لو » الشرطية كان معناه عدم تحقّق أي شيء من هذه الحلقات بالمرة ، لأنّنا لن نصل ـ في هذه السلسلة ـ إلى حلقة غير مشروطة الوجود بشيء.

فينتج أن لا توجد مثل هذه السلسلة بتاتاً ، اللّهم إلّا أن يوجد بين حلقات هذه السلسلة ما لا يكون وجوده مشروطاً بشرط أبداً.

فإذا كان هناك مثل هذا الموجود كان معناه حينئذ أنّ هذا الموجود يكون هو « الموجود المطلق » ، أو ما يصطلح عليه بـ « الواجب الوجود » ، ومن الطبيعي حينئذ أن ينقطع تصاعد هذه السلسلة ، وينتفي التسلسل.

ولنمثل ـ لتوضيح هذه الحقيقة ـ بنفس المثال الذي ضربناه ، أعني : مسألة حمل المتاع.

فلنفترض أنّ الأوّل قال : أنا سأحمل هذا المتاع لو ساعدني عليه الثاني.

وقال الثاني : أنا سأحمله لو ساعدني عليه الثالث.

وقال الثالث : وأنا سأحمله لو ساعدني عليه الرابع.

وهكذا قال الرابع فالخامس فالسادس ـ مثل ذلك الكلام ـ إلى ما لا نهاية ، فمن المعلوم أنّ حمل المتاع المذكور لن يتحقّق بالمرّة ما لم يكن في هذه السلسلة من لا يشترط حمل المتاع على شرط.

٢٠٢
 &

أمّا إذا تحقّق حمل المتاع المذكور فسنكتشف أنّ هناك ـ قطعاً ـ من أقدم على حمل المتاع دون أن يعلّق مساعدته وحمله على شرط.

وبعبارة مختصرة حيث نجد أنّ هذه السلسلة تحقّقت بتحقّق آخر حلقاتها نكتشف وصول هذه السلسلة إلى حد معين ونقطة معينة لم يكن وجودها مشروطاً بشرط ، ولا متوقفاً على شيء ، وهذا هو واجب الوجود والموجود المطلق.

* * *

٢. الآيات التي أتينا بها في مطلع هذا الفصل قابلة للتطبيق على هذا البرهان بنحو ما ، إذ لو تمكنا من ملاحظة الوجود نفسه ملاحظة دقيقة أمكن أن نصل إلى الله وأمكن أن نعتبر قوله تعالى : ( أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) ناظراً إلى هذا المعنى.

أي انّه شاهد على كل شيء حتى نفسه وذاته ، أو مشهود لكل الأشياء عموماً وللإنسان المتفكر في الوجود خصوصاً.

كما أنّه يمكن أن يقال بأنّ شهادة الله على وحدانيته (١) على غرار شهادته على وجوده ، لا تعني إلّا أن نطالع ونلاحظ نفس الوجود لنصل إلى هذه الحقيقة.

إنّ ملاحظة نفس الوجود تشهد على وجود الله ، وأما كيف تشهد على وحدانيته ، فسيوافيك بيانه في فصل التوحيد الذاتي.

كما أنّ آية سورة النور ، لو قلنا بقابلية انطباقها على هذا البرهان يكون المقصود من أنّ ( اللَّـهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) حينئذ أنّ وجود الله هو واقع هذا العالم ، أو أنّه واهب « الواقعية » للممكنات.

__________________

١. اشارة إلى الآية ١٨ من سورة آل عمران : ( شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ).

٢٠٣
 &

ومطالعة الوجود هي التي توصلنا إلى هذه « الواقعية ».

والحق أن يقال : انّ استخراج مثل هذا المراد من الآية المذكورة أخيراً ما هو إلّا من قبيل التأويل ، أو اكتشاف بعد من أبعاد القرآن ، الكثيرة لا أنّه تفسير لظاهر الآية.

وعلى كل حال ، سواء أكان تطبيق مفاد الآيات المذكورة على هذا البرهان صحيحاً وصائباً أم كان من قبيل التأويل واكتشاف بعد جديد من أبعاد الآيات فإنّ برهان الصدّيقين ـ في حد ذاته ـ وعلى الطريقة السينائية برهان واضح ، وقابل للاعتماد عليه بل وجدير بالاهتمام.

ونأمل أن نعرض الطريقة الصدرائية منه في فرصة أُخرى بإذن الله.

٢٠٤
 &

° التوحيد الاستدلالي : البرهان الثاني عشر

آيات الله في عالم الطبيعة

إنّ القرآن الكريم يدعونا إلى التفكّر والتدبّر والنظر في آيات الله في عالم الطبيعة والخلق ويعتبر مثل هذا النظر والتفكّر جديراً بأهل الفكر والألباب وأصحاب الضمائر الحية والعقول السليمة. (١)

والآيات القرآنية في هذا المجال من الكثرة بحيث لا يمكننا نقل عُشرها في هذه الصفحات القلائل ، ولذلك سنقتصر على إيراد نماذج معدودة منها ، ثم نتحدث عن أهداف هذا القسم من الآيات فيما بعد.

وإليك الآن هذه النماذج التي وعدناك بها :

( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ). (٢)

__________________

١. ( لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (البقرة : ١٦٤) ( لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (الرعد : ٣) ( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) (إبراهيم : ٢٥) ( لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) (ص : ٤٣).

٢. البقرة : ١٦٤.

٢٠٥
 &

هذه الآية تدعونا إلى التدبّر في أُمور عديدة :

١. النظر في العالم من أرض وسماء واختلاف الليل والنهار.

٢. التدبّر في أمر صناعة السفن ، والتدبّر في منافعها الاقتصادية.

٣. التفكّر في الكائنات الجوية ، كالرياح والسحاب والمطر ، وعلل تكوّنها.

٤. التدبّر في الأحياء والدواب التي تعيش على وجه البسيطة ، والذي يؤلِّف أساس علم الأحياء.

إنّ للتدبّر في هذه الأُمور والأشياء نتائج مهمة ، ويمكن أن يكون منشأ لمعرفة سلسلة من المعارف والعلوم.

فماذا تهدف هذه الآية من دفعنا إلى التدبّر في هذا النظام البديع ؟

هل تهدف إلى أن نهتدي من التدبّر في هذا النظام البديع إلى مبدعه وصانعه ؟

أو أن نتعرّف على صفاته تعالى من هذا السبيل كالقدرة والعلم ؟

أمّ أنّ الهدف هو شيء ثالث وهو : أن نوحّده في العبادة بعد أن وقفنا على أنّه سبحانه هو خالق هذا النظام البديع وتعرفنا على مدى علمه ، فتكون هذه الآية في الحقيقة دعوة إلى « التوحيد العبادي ».

هذه الاحتمالات الثلاثة ليست مطروحة في هذه الآية فحسب ، بل هي مطروحة ومحتملة في كل الآيات التي تشير إلى النظام الكوني والقدرة الإلهية الكبرى في عالم الطبيعة.

( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ

٢٠٦
 &

فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ). (١)

هذه الآية تدعونا إلى التدبّر والنظر في أُمور معينة ، ومن المعلوم أنّ للتدبّر في هذه الأُمور نتائج مختلفة متنوعة :

وأمّا هذه الأُمور فهي :

١. كيف امتدت الأرض واتّسعت ؟

٢. كيف ولماذا وجدت الجبال والأنهار في الأرض ؟

٣. كيف خلقت الثمار أزواجاً ؟

٤. كيف يختلف الليل والنهار ؟

إنّ التدبّر في هذه الأُمور كما يمكن أن يقودنا إلى معرفة وجود الله سبحانه ، كذلك يدلّنا على علم الله وقدرته ، وكذا على وحدانية مدبّر الكون أيضاً ، ذلك لأنّ وحدة النظام وترابط أجزائه يكشف عن حاكمية إرادة واحدة على عالم الكون ، ولو كان هناك آلهة متعدّدون لتعرض هذا النظام للفوضى والفساد والتبعثر ... .

كما أنّ التعرف على مركز القدرة وصاحب التدبير الحقيقي من شأنّه أن يوقظ ضمائرنا ويدفعنا ـ بالتالي ـ إلى عبادة هذا الخالق الحقيقي والمدبّر الواقعي للكون دون سواه.

( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ). (٢)

__________________

١. الرعد : ٣.

٢. الرعد : ٤.

٢٠٧
 &

هذه الآية تدعونا إلى التدبّر في الأُمور التالية :

١. الأرض رغم كونها متصلة ببعضها ، فإنّ قسماً منها صالح للزراعة ، وقسماً آخر غير صالح للزراعة ، منها الخصب ، ومنها الجدب ، فما هو السبب ؟

٢. في كثير من المزارع والبساتين توجد ثمار متنوعة ومختلفة ، من عناقيد العنب وأعذاق التمر ، وسنابل القمح إلى غير ذلك من ألوان الثمر والنباتات.

فلماذا ـ ترى ـ هذا التنوّع والاختلاف في الألوان ، والتراب واحد ، والماء واحد ، وأشعة الشمس تتساقط على الجميع بصورة متساوية ، والمنطقة واحدة ، والظروف كذلك واحدة ؟

٣. رب ثمار بستان واحد تختلف فيما بينها في النوعية والجودة ، فلماذا ذلك ؟

إنّ التدبّر والنظر والتفكير في هذه الأُمور الثلاثة لا ريب تستتبع نتائج هامة ثلاث :

أ. أنّ هذه المشاهد الجميلة للبساتين التي تمثّل معرضاً طبيعياً لأجمل اللوحات تكشف ـ ولا ريب ـ عن وجود صانع وخالق رسم بريشته الخفية هذه النقوش الرائعة الجمال في صفحة هذه البساتين الزاهية المناظر.

ب. أنّ هذه المعارض الجميلة ذات النقوش المتناسقة تكشف ـ أيضاً ـ عن علم صانعها وقدرته المطلقة.

ج. أنّ صاحب هذه النقوش البالغة الروعة وهذه المعارض والمشاهد الجميلة هو الله فهو الذي أوجد هذه المعارض والنقوش ، فلماذا إذن لا نعبده وحده ، ولماذا نعبد سواه مما لا يكون لا خالقاً ولا مدبّراً.

إنّ الآيات التي تتضمن بيان النظام الكوني البديع والسنن الإلهية في عالم

٢٠٨
 &

الطبيعة التي لا تقبل تحويلاً ، وتغيراً ، من الكثرة والوفور بحيث لا يمكن نقلها جميعاً في هذه الصفحات ، ولكنّنا عرّفنا القارئ الكريم على نماذج منها ، ولمزيد الاطّلاع يراجع « المعجم المفهرس » مادة : « آية ».

فمثلاً ذكرت في سورة الروم دلائل وجود الله في ست آيات ، وكلها تبدأ بكلمة : ( وَمِنْ آيَاتِهِ ) ، وإليك فيما يلي هذه الآيات نصاً :

( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ). (١)

لا شك أنّ هذه الآيات تتركز ـ في الأكثر ـ على إيقاظ الوجدان البشري وتوجيهه إلى صفات الله ، والتأكيد على أنّه هو الإله الواحد العالم القادر المدبّر الرحيم.

وقد ذكرت هذه النتائج في ذيل الآيات ، التي تبدأ في القرآن بكلمة ( وَمِنْ آيَاتِهِ ). (٢)

__________________

١. الروم : ٢٠ ـ ٢٥.

٢. راجع المعجم المفهرس.

٢٠٩
 &

وفي سورة النحل توجد سلسلة من الآيات التي تشير هي أيضاً إلى جوانب من النظام الكوني العجيب البديع وكيفية انتفاع البشر بها ، وتبدأ هذه الآيات بقوله : ( هُوَ الَّذِي ) :

( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا و تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ). (١)

ثم يستنتج القرآن من كل ذلك بقوله : ( أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) (٢) ، إنّ هذه الآية الأخيرة تكشف عن أنّ الهدف من تلك الآيات هو الدعوة إلى التوحيد « العبادي » ، ولأجل ذلك صدرت الآية الحاضرة بفاء النتيجة ، لأنّ بعض مشركي العرب رغم علمهم بأنّ الله هو الخالق والمدبّر للكون ، كانوا يعبدون آلهة مدّعاة مصطنعة ، ولذلك يعني التذكير بمظاهر القدرة الإلهية في عالم الطبيعة ، إيقاظ ضمائرهم الغافلة ، وإثارة عقولهم الغافية ، كيما يتذكروا أنّ العبادة لا تصح إلّا لله سبحانه دون سواه ، وأنّ ما يعبدون من دونه عاجزون ضعفاء لا

__________________

١. النحل : ١٠ ـ ١٦.

٢. النحل : ١٧.

٢١٠
 &

يملكون ضراً ولا نفعاً.

وقد يكون الهدف من التذكير بالنظام الكوني البديع هو التمهيد لطرح موضوع المعاد والحياة الأُخرى ، لكي لا ينكر الإنسان المعاد ، أو لا يستبعد وقوعه بعد وقوفه على مظاهر وآثار القدرة الإلهية في عالم الكون ، إذ صرح سبحانه بهذا الاستنتاج بقوله :

( ... ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ). (١)

وعلى هذا الأساس فإنّ الاستدلال بهذه الآيات على وجود الله يجب أن يكون بصورة ضمنية لا بصورة أنّه الهدف الأصلي لها ، لأنّه إذا كانت أجزاء هذا الكون ، من صغيرها إلى كبيرها ، من دقيقها إلى جسيمها ، تشهد بثبوت صفة القدرة والعلم لله تعالى ، وإذا تعرفنا من خلالها على جماله وكماله سبحانه ، فإنّ من القطعي البديهي أن تهدينا إلى « أصل وجوده » ، ويثبت لنا ذلك بما لا يقبل الشك ، كما تهدينا إلى أنّه المعبود دون غيره ، وانّه وحده يستحق العبادة.

إنّ الطريق الواضح لمعرفة الله والذي يتناسب مع أذهان كل الطبقات هو « البحث حول أنظمة الكون الدقيقة العجيبة البديعة » التي تشهد بلسان حالها على وجوده وتوحيده وسائر صفاته العليا :

وفي كل شيء له آية

تدل على أنّه واحد

__________________

١. الروم : ٢٥.

٢١١
 &

° التوحيد الاستدلالي ـ البرهان الثالث عشر

الحيوانات والهداية الإلهية

( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ). (١)

من الأدلّة التي يقيمها القرآن الكريم لمعرفة الله هي تلك الهداية التي تشمل مخلوقات الكون وأحياءه بحيث تهتدي ـ بهذه الهداية ـ إلى طريقها ، وتختار ما يصلحها ، ويناسبها في ظل هذه الهداية الإلهية.

وهذا هو ما أشار إليه النبي موسى بن عمران عليه‌السلام ، واصفاً الله تعالى عندما سأله فرعون عن ربه ؟ فأجابه بالآية السابقة.

فاهتداء الحيوانات ـ مثلاً ـ إلى طريقها التي تضمن حياتها وبقاءها دون أن تعرف معلماً أو مدرسة ، أو تتلقّى معلوماتها عن طريق الوراثة أو ما شابه ، أمر يدلّ على وجود هاد يهديها ، ومرشد يوجّهها إلى ما يضمن بقاءها واستمرار وجودها ، ومواصلة السير إلى هدفها دون أن تخطأ.

إنّ « اهتداء » هذه الحيوانات إلى ما يناسب طبيعتها ويوافق خلقتها لا يمكن أن يكون بفعل الوراثة ولا بفعل الغريزة كما يدّعي البعض.

__________________

١. طه : ٥٠.

٢١٢
 &

أمّا أنّها لا يمكن أن تكون عن طريق الوراثة ، فلأنّ المعلومات لا يمكن أن تنتقل من أحد إلى أحد من هذا الطريق ، وإلّا لكان ابن الطبيب طبيباً بالوراثة ، ولكان ابن العالم عالماً بالوراثة حتماً دون أن يتلقّى العلم أو الطب من أحد.

وأمّا أنّ هذه الحيوانات لا تفعل ما تفعل بتأثير الغريزة فقط ، فلأنّ الغريزة لا يمكن أن تخضع للانتخاب والاختيار ، بينما نجد كثيراً من هذه الحيوانات عندما تواجه مفترق طرق متعدّدة تختار إحداها بفعل ما تتلقّاه من الهداية والتوجيه ، وهذه الهداية التي تعين الحيوانات على الانتخاب والاختيار هو ما يسمّى في منطق القرآن بالوحي أو ما سمّاه بعض العلماء بـ « الإلهام » (١).

ونمثّل لهذا الأمر بما جاء حول النحل في القرآن الكريم ، إذ يقول :

( وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ). (٢)

فحشرة النحل الصانعة لألذ الأشياء وأطيبها ، نعني : العسل ، تبدأ عملها منذ أن تخرج من البيض دون تعب وملل ، وفي ذكاء مفرط ، وانضباطية فائقة.

فتختار ـ في ذكاء ـ أفضل وأطيب الزهور وتمتص عصارتها بنحو عجيب ، وتصنع للبشر شهداً من أطيب الشهد.

وتصنع بيوتها سداسية الشكل في نظم لا يخطئ ، وعلى فواصل دقيقة لا تزيد ولا تنقص.

__________________

١. راجع كتاب العلم يدعو للإيمان : ١١٦.

٢. النحل : ٦٨ ـ ٦٩.

٢١٣
 &

ويلاحظ أنّها قبل أن تمتص الزهور تقوم بعملية انتخاب وتفتيش عن الزهرة المناسبة لها ، وهذا ـ كما نرى ـ لا يصدر إلّا من موجود ملهم ، موحى إليه ، موجَّه بتوجيه أعلى ، لأنّ في أعمالها ما يتجلّى منه القصد والهدفية ، وهذا من خصائص « الإلهام » ليس إلّا.

ومن هنا ندرك معنى قوله تعالى :

( وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ).

يقول العلامة كريسي موريسون حول عجائب ما تفعله نحلة العسل :

« إنّ العاملات من نحل العسل تصنع حجرات مختلفات الأحجام في المشط الذي يستخدم في التربية ، وتعد الحجرات الصغيرات للعمال ، والأكبر منها لليعاسيب (أي الذكر من النحل) وتعد غرفة خاصة للملكات الحوامل ، والنحلة الملكة تضع بيضاً غير مخصب في الخلايا المخصصة للذكور وبيضاً مخصباً في الحجرات الصحية المعدة للعاملات الإناث والملكات المنتظرات.

والعاملات اللائي هي إناث معدلات بعد أن انتظرن طويلاً مجيء الجيل الجديد ، تهيّأن أيضاً لإعداد الغذاء للنحل الصغيرة بمضغ العسل واللقح ، ومقدمات هضمه ثم ينقطعن عن عملية المضغ ومقدمات الهضم عند مرحلة معينة من تطور الذكور الإناث ولا يغذين سوى العسل واللقح ، والإناث اللائي يعالجن على هذا الشكل يصبحن عاملات فيما بعد.

أمّا الإناث اللائي في حجرات الملكة فإنّ التغذية بالمضغ ومقدمات الهضم تستمر عندهن ، وهؤلاء اللائي يعاملن هذه المعاملة الخاصة يتطورن إلى ملكات نحل ، وهن وحدهن اللائي ينتجن بيضاً مخصباً ، وعملية تكرار الإنتاج هذه

٢١٤
 &

تتضمن حجرات خاصة وبيضاً خاصاً ، كما تتضمن الأثر العجيب الذي لتغيير الغذاء. وهذا يتطلب الانتظار والتمييز وتطبيق اكتشاف أثر الغذاء » (١).

ويقول كريسي موريسون عن النحلة في موضع آخر من كتابه :

« والنحلة تجد خليتها مهما طمست الريح في هبوبها على الأعشاب والأشجار كل ذلك دليل يرى ، وحاسة العودة إلى الوطن هذه هي ضعيفة في الإنسان ، ولكنه يكمل عتاده القليل منها [ ويصل إلى مقصده ] بأدوات الملاحة » (٢).

ومن المعلوم أنّ هذه الأعمال المقصودة الدقيقة التي تقوم بها حشرة النحل دون أن تخطىء أو تضل عن طريقها لو كانت بدافع الغريزة ، وتحت تأثير الجبلة والخلقة لما حسن أن يقول الله : ( وَأَوْحَىٰ ) ، والوحي كما نعلم نوع من التوجيه المباشر الإلهي للمخلوق الحي ، ونوع من الخطاب الصادر من جانب الله إلى الموحى إليه.

ويدل على ما قلناه توجيه الخطاب إلى النحل بقوله : اتخذي ، وكلي ، واسلكي.

إنّ ما تفعله هذه الحشرة الذكية وكلّ الحشرات المثيلة لها كالنمل ـ مثلاً ـ خير دليل على وجود هاد لها ، يوحي إليها ما يوحي ، ويهديها إلى سبل حياتها.

فها هو القرآن الكريم يتحدث لنا عن النمل في قصة مواجهتها لعرش سليمان بما يكشف لنا عن فطنة هذه الحشرة ، الكاشفة هي بدورها عن « الهداية العليا » التي تحيط هذه الحشرة بالعناية والرعاية.

__________________

١ و ٢. العلم يدعو للإيمان : ١١٤ ـ ١١٨.

٢١٥
 &

فالقرآن يخبرنا أنّ نملة لما شاهدت جنود سليمان وأدركت الخطر نبهت بني جنسها بذلك :

( قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ ) (١).

وهي قصة تكشف عن أنّ النملة تدرك بفعل الإلهام الإلهي ما يحيق بها من أخطار فتتحذر منها وتحذر بني نوعها.

ولنلقي نظرة على ما يقوله كريسي موريسون في كتابه المذكور عن النمل :

« والنحل والنمل يبدو أنّها تدرك كيف تنظم وتحكم نفسها ، فلها جنودها وعمالها وعبيدها ويعاسيبها.

إنّ هناك أنواعاً من النمل تدفعها الغريزة أو التفكير إلى زرع أعشاش للطعام.

والنمل يأسر طوائف من الدود ويسترقها.

وبعض النمل حين يصنع أعشاشه يقطع الأوراق مطابقة للحجم المطلوب.

كيف يتاح لهذه الحشرة أن تقوم بهذه العمليات المعقدة ؟!

لا شك أنّ هناك خالقاً أرشدها إلى كل ذلك (٢).

ترى في أية مدرسة وأي معهد تلقّت النمل وغيرها من الحشرات هذه

__________________

١. النمل : ١٨.

٢. العلم يدعو للإيمان : ١٣٠ ـ ١٣٢.

٢١٦
 &

المعلومات.

ومن أي شخص تعلّمت كيف تعرف الخطر وتشخص البلايا وتحذر منها أبناء نوعها.

أم بماذا يمكن تفسير هذا التمييز والقصد والاختيار الذي تتصف بها تصرفات النمل والنحل وما سواهما من الحشرات ؟

هل ذلك إلّا بوحي من خالقها وإلهام من بارئها وصانعها ؟

ولكي نقف على المزيد من هذه النماذج التي تدل على وجود الهداية الإلهية والإرشاد الرباني في عالم الحيوانات نقرأ معاً ما يقوله العلّامة موريسون حول بعض الحيوانات.

فمثلاً يقول موريسون عن سمك « السلمون » :

« إنّ سمكة السلمون التي تسبح في النهر صعداً إذا نقلت إلى نهر آخر ، أدركت تواً أنّه ليس جدولها ، فهي تشق طريقها خلال النهر ، ثم تحيد ضد التيار قاصدة إلى مصيرها.

فما الذي يجعل السمك يرجع إلى مكان مولده بهذا التحديد ؟ » (١).

ويكتب حول بعض الحيوانات التي تسارع إلى تعويض ما فقدته من الأعضاء فيقول :

« وكثير من الحيوانات هي مثل سرطان البحر الذي إذا فقد مخلباً ، عرف أنّ جزءاً من جسمه قد ضاع وسارع إلى تعويضه بإعادة تنشيط الخلايا وعوامل

__________________

١. المصدر نفسه : ١٢٠.

٢١٧
 &

الوراثة ، ومتى تم ذلك كفت الخلايا عن العمل لأنَّها تعرف بطريقة ما أنّ وقت الراحة قد حان ». (١)

ويشير موريسون إلى صفة انطباق الحيوانات مع المحيط والبيئة ، فيقول عن هذه الصفة في مجال الخلايا :

« وقد يمكن السؤال عما إذا كان للخلايا فهم وإدراك أم لا.

وسواء اعتقدنا أنّ الطبيعة قد زودت الخلايا بالغريزة ـ مهما تكن هذه ـ أو بقوة التفكير ، أم لم نعتقد ذلك ، فلا مناص لنا من الاعتراف بأنّ الخلايا ترغم على تغيير شكلها وطبيعتها كلها ، لكي تتمشى مع احتياجات الكائن الذي هي جزء منه ، وكل خلية تنتج في أي مخلوق حي يجب أن تكيف نفسها لتكون جزءاً من اللحم ، أو أن تضحي نفسها كجزء من الجلد الذي لا يلبث حتى يبلى ، وعليها أن تضع ميناء الأسنان وأن تنتج السائل الشفاف في العين أو أن تدخل في تكوين الأنف أو الآذان.

ثم على كل خلية أن تكيف نفسها من حيث الشكل وكل خاصية أُخرى لازمة لتأدية مهمتها.

ومن العسير أن نتصور أنّ خلية ما هي ذات يد يمنى أو يسرى ، ولكن إحدى الخلايا تصبح جزءاً من الإذن اليمنى ، بينما الأُخرى تصبح جزءاً من الأُذن اليسرى » (٢).

أليس كل هذا يكشف عن وجود القصد والتمييز في هذه الموجودات

__________________

١. المصدر السابق : ١٢٤.

٢. المصدر السابق : ١٠٣.

٢١٨
 &

الحية ؟

وهل هذا إلّا تفسير قول النبي موسى عليه‌السلام ، إذ قال :

( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) ؟

يبقى أن نعرف أنّنا نستطيع استنتاج وجود مثل هذا الإلهام والوحي والتوجيه الإلهي الموجّه إلى الحيوانات من قول موسى عليه‌السلام ، إذ يذكر في كلامه أوّلاً ما يتعلّق بالجانب الخلقي الغريزي في الحيوانات بقوله :

( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ).

ثم أشار إلى ذلك الإلهام والوحي الإلهي بقوله :

( ثُمَّ هَدَىٰ ).

بتقريب أنّ في الفصل بين الجملتين ( أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ) و ( هَدَىٰ ) بـ ( ثُمَّ ) التي هي للعطف المتراخى المتأخّر ، دلالة أدبية على أنّ هذه الهداية لم تخلق مع الحيوانات والحشرات بنحو فطري وجبلي ، بل هي هداية تصل إلى الحشرات عندما تحتاج إلى مثل هذه الهداية وعندما تواجه ما يضطرها إلى مثل هذا التوجيه والإرشاد الربانيّين ، فحينئذ تأتيها هذه الهداية وينزل إليها ذلك الوحي والإلهام.

إنّنا نستطيع أن نكتشف آثار هذه الهداية وهذا الالهام في عالم الحشرات بجلاء ووضوح ، إذا قايسناها بوليد الإنسان الذي لا يعرف شيئاً عندما يولد ، ولا يمكنه أن يقوم بأي عمل إلّا بعد مدة من التربية والرشد ، وإلّا بعد فترة من التعلم والدراسة ، وتلقّي المعلومات والمعارف في المدارس والمعاهد ، وإلّا بعد سلسلة طويلة من التجارب والأخطاء والهفوات.

٢١٩
 &

وخلاصة القول : إنّنا نلاحظ في فعاليات هذه الحشرات عدة أُمور :

أ. أنّ هذه الحشرات تعرف احتياجاتها وطريق رفعها ، بدون معلم مشهود ومنظور.

ب. أنّ هذه الأحياء تعرف ـ على وجه الدقة ـ أُصول تقسيم أعمالها ، وانتخاب وظائفها وطرق تنفيذها على أحسن وجه وبصورة جماعية.

ج. أنّ هذه الأحياء تسعى دوماً إلى تطبيق نفسها مع الأوضاع المحيطية المتغيرة ، بل وتحدث هي بعض التغييرات في جسمها وأعضائها.

وأمام هذه الظاهرة العجيبة ، لنا أن نختار إحدى طرق ثلاث :

١. أمّا أن نحتمل بأنّ هذه الأحياء تملك بنفسها من العقل والإدارك والفهم ما لم يكتشف الإنسان إلّا جزءاً ضئيلاً يساوي واحداً بالمائة منها.

غير أنّ هذا الاحتمال لا يمكن أن يركن إليه ، لأنّ الخلايا النباتية والحيوانية لا تملك العقل والفهم لتعالج مشاكلها على ضوئهما.

ومن هنا يتضح سبب عدم إدخالنا للإنسان في أمثلة هذا الفصل ، واقتصارنا على الحشرات كالنحل والنمل وما شابههما ، لأنّ الإنسان إنّما يقوم بأعماله على ضوء ما أُوتي من عقل وفكر ، بمعنى أنّ بيولجيته وخلاياه ودماغه الكبير والمفكّر هي التي تضيء له سبيل حياته دون حاجة إلى إلهام من العالم الأعلى ووحي من خارج.

هذا أمر أدركه البشر ذاته ، وهي بالتالي فكرة واردة في شأن الإنسان.

أمّا بالنسبة إلى هذه الحيوانات والحشرات فلا يمكن أن يخطر ببال أحد أنّها تملك عقلاً وفكراً ، أو لا يمكن أن يخطر لأحد بأنّ الخلايا النباتية والحيوانية تملك ـ

٢٢٠