أحكامها العامة أنها تدريجية الوجود ، مقيدة بالزمان والمكان ، فالروح التي للانسان ليست بمادية جسمانية ، وإن كان لها تعلق بها .
وهناك آيات تكشف عن كيفية هذا التعلق ، فقد قال تعالى : « مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ » طه ـ ٥٥ ، وقال تعالى : « خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ » الرحمن ـ ١٤ وقال تعالى « وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ » السجدة ـ ٨ ، ثم قال : سبحانه وتعالى « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ » المؤمنون ـ ١٤ ، فأفاد أن الإنسان لم يكن إلا جسماً طبيعياً يتوارد عليه صور مختلفة متبدلة ، ثم أنشأ الله هذا الذي هو جسم جامد خامد خلقاً آخر ذا شعور وإرادة ، يفعل أفعالاً : من الشعور والإرادة والفكر والتصرف في الأكوان ، والتدبير في امور العالم بالنقل والتبديل والتحويل إلى غير ذلك مما لا يصدر عن الأجسام والجسمانيات ، فلا هي جسمانية ، ولا موضوعها الفاعل لها .
فالنفس بالنسبة إلى الجسم الذي ينتهي أمره إلى إنشائها ـ وهو البدن الذي تنشأ منه النفس ـ بمنزلة الثمرة من الشجرة والضوء من الدهن بوجه بعيد ، وبهذا يتضح كيفية تعلقها بالبدن ابتداعاً ، ثم بالموت تنقطع العلقة ، وتبطل المسكة ، فهي في أول وجودها عين البدن ، ثم تمتاز بالإنشاء منه ، ثم تستقل عنه بالكلية فهذا ما تفيده الايات الشريفة المذكورة بظهورها : وهناك آيات كثيرة تفيد هذه الحقيقة بالإيماء والتلويح ، يعثر عليها المتدبر البصير ، والله الهادي .
قوله
تعالى : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص
من الأموال والأنفس والثمرات ، لما أمرهم الله بالاستعانة بالصبر والصلوة ، ونهاهم عن القول بموت من
يقتل منهم في سبيل الله بل هم أحياءٌ بيَّن لهم السبب الذي من أجله خاطبهم بما خاطب ، وهو أنهم سيبتلون بما لا يتمهد لهم المعالي ولا يصفو لهم الأمر في الحيوة الشريفة
، والدين الحنيف إلا به ، وهو الحرب والقتال ، لا يدور رحى النصر والظفر على مرادهم إلا أن يتحصنوا بهذين الحصنين ويتأيدوا بهاتين القوتين ، وهما الصبر والظفر ،
ويضيفوا إلى ذلك ثالثاً وهو خصلة ما حفظها قوم إلا ظفروا بأقصى مرادهم وحازوا الغاية
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

