كمال الانسان حقيقة أو تخيلا ، ومن جهة بعضها غير مصداق لكماله الحقيقي أو التخيلي كما أن الخبز بالنسبة الى زيد الجائع كذلك فإنه مشبع رافع لجوعه ويمكن أن يكون مال الغير ويمكن أن يكون مسموماً ويمكن أن يكون قذراً يتنفر عنه الطبع ، وهكذا والانسان انما يتروى فيما يتروى لترجيح أحد هذه العناوين في انطباقه على الخبز مثلا ، فإذا تعين أحد العناوين وسقطت بقيّتها وصار مصداقاً لكمال الفاعل لم يلبث الفاعل في فعله أصلاً ، والقسم الاول : نسمّيه فعلا إضطرارياً كالتأثيرات الطبيعية . والقسم الثاني : نسميه فعلاً إرادياً كالمشي والتكلم .
والفعل
الارادي : الصادر عن علم وارادة ينقسم ثانياً الى
قسمين : فإن ترجيح احد جانبي الفعل والترك إما مستند الى نفس الفاعل من غير أن يتأثر عن آخر كالجائع الذي
يتروى في أكل خبز موجود عنده حتى رجّح أن يبقيه ولا يأكله لأنه كان مال الغير من غير إذن منه في التصرف فانتخب الحفظ واختاره أو رجح الأكل فأكله إختياراً ، وإما أن يكون الترجيح والتعيين مستنداً الى تأثير الغير كمن يجبره جبار على فعل
بتهديده بقتل أو نحوه ففعله إجباراً من غير أن يكون متعيناً بانتخابه واختياره والقسم الأول
. يسمى فعلاً اختيارياً ، والثاني فعلا اجبارياً هذا ، وانت تجد بجودة التأمل أن
الفعل الإجباري وإن أسندناه إلى إجبار المجبر وأنه هو الذي يجعل أحد الطرفين محالاً وممتنعاً
بواسطة الاجبار فلا يبقى للفاعل إلا طرف واحد ، لكن الفعل الإجباري أيضاً كالإختياري لا يقع إلا بعد ترجيح الفاعل المجبور جانب الفعل على الترك وإن كان الذي يجبره هو المتسبب الى الفعل بوجه ، لكن الفعل ما لم يترجح بنظر الفاعل وإن كان نظره مستنداً
بوجه الى اجبار المجبر وتهديده لم يقع ، والوجدان الصحيح شاهد على ذلك ، ومن هنا يظهر أن تقسيم الأفعال الارادية إلى إختيارية وجبرية ليس تقسيماً حقيقياً ينوّع
المقسم إلى نوعين مختلفين بحسب الذات والآثار ، فإن الفعل الارادي انما يحتاج إلى تعيين
وترجيح علمي يعين للفاعل مجرى فعله ، وهو في الفعل الاختياري والجبري على حد سواء ، وأما أن ترجيح الفاعل في أحدهما مستند الى رسله وفي آخر الى آخر فلا يوجب إختلافاً نوعياً يؤدي الى اختلاف الآثار . ألا ترى أن المستظل تحت حائط إذا شاهد أن الحائط يريد أن ينقضّ ، فخرج خائفاً عدَّ فعله هذا إختيارياً ؟ وأما إذا هدده جبار
بأنه لو لم يقم لهدم الحائط عليه ، فخرج خائفاً عدَّ فعله هذا اجبارياً من غير فرق
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

