ولو علم كونه في مقام البيان من جهة وشكّ في كونه في مقام البيان من الجهة الاخرى أم لا؟ فالظاهر عدم استقرار لبناء العقلاء على كونه في مقام البيان من جميع الجهات ، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق في مثل ذلك.
وإنّما اعتبرنا كونه في مقام البيان ؛ لأنّه لو لم يكن في مقام البيان ـ بل في مقام التشريع مثلا ـ لا يمكن أن يقال : لو أراد قيدا لبيّنه ؛ لإمكان أن يكون قد أوكل بيان القيد إلى مقام تفصيل ذلك الحكم فلا يحرز عدم بيان المولى.
والسرّ في أنّه لو شكّ في كون المولى في مقام البيان أم لا ، فحينئذ نتمسّك بأنّه في مقام البيان ، وإذا أحرزنا أنّه في مقام البيان من بعض الجهات وشككنا في الجهات الأخر أنّه في مقام البيان منها أم لا؟ لا نتمسّك بكونه في مقام البيان هو أنّه في الصورة الاولى نشكّ في أنّه في مقام بيان مراده أم لا وقد جرى بناء العقلاء أنّه متى أرادوا بيان شيء من مراداتهم عوّلوا في بيانها على الألفاظ ، فمن تلفّظ بلفظ وأراد إجمال مراده يحتاج إلى قرينة على إرادة الإجمال أو الإهمال لئلّا يخالف الطريقة التي استقرّت سيرة العقلاء عليها في إفهام مراداتهم ، فما لم تكن قرينة يحمل على تلك السيرة المألوفة. وهذا بخلاف ما إذا أحرزنا كونه في مقام البيان من جهة وشككنا في الجهة الاخرى ، فإنّ هذا الشكّ يرجع إلى الشكّ في أنّ مراده بيان هذه الجهة فقط أو بيان كلا الجهتين ، وفي مثله لم يستقرّ من العقلاء بناء على شيء.
ثمّ إنّ «البيان» ليس المراد به البيان في الجملة فهذا موجود حتّى فيما ورد في أصل التشريع ، فإنّ قول الطبيب للمريض : «إنّك تحتاج دواء» فيه بيان في الجملة ، كما أنّه ليس المراد به بيان الحكم الواقعي ليكون وجدان المقيّد بعد ذلك كاشفا عن عدم كونه في مقام البيان ؛ وذلك لأنّ جميع المطلقات هي في مقام البيان وإن عثر على مخصّصات لها ، فوجود المخصّص لا يكشف عن كونه في مقام الإهمال. بل المراد بالبيان هو بيان ما يدلّ اللفظ عليه وإن كان اللفظ من الألفاظ المذكورة لضرب القانون والقاعدة ويكون ورود المقيّد كاشفا عن عدم كون الإطلاق مرادا جدّيا
![غاية المأمول من علم الأصول [ ج ١ ] غاية المأمول من علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4433_ghayat-almamul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
