المرحلة الثالثة : في أنّه هل يستفاد من القضيّتين نفي الثالث وأنّه لا دخل في وجوب القصر غير خفاء الأذان وخفاء الجدران أم لا؟ والتحقيق التفصيل بين الطرق المذكورة ، وإن استفدنا العلّية المنحصرة من طريق الوضع ، فبعد تعارض وتساقط أصالة الحقيقة فيهما يكون مفاد أحد الدليلين أنّ خفاء الأذان علّة تامّة لوجوب القصر ، ومفاد الآخر أنّ خفاء الجدران علّة تامّة لوجوب القصر ، وهو لا ينافي تحقّق علّة تامّة ثالثة له.
وهكذا إن استفدناها من طريق الانصراف فبعد التعارض وتساقط الانصرافين يثبت بالدليلين علّية تامّة لهما ، ولا ينافي تحقّق علّة تامّة ثالثة.
وإن استفدناها من طريق الإطلاق ، فبعد التوجّه إلى أنّ تقييد دليل المطلق بالنسبة إلى فرد من أفراده الإطلاقي لا يوجب قدح الإطلاق بالنسبة إلى سائر الأفراد ـ مثلا تقييد إطلاق الرقبة من حيث الإيمان والكفر لا يوجب قدح إطلاقها من حيث السواد والبياض ، والعلم والجهل وأمثال ذلك ـ فيتعارض ويتساقط الإطلاقان بالنسبة إلى جهة المعارضة فقط ، ويقول أحد الدليلين : إنّه إذا خفي الأذان فقصّر ، سواء خفي الجدران أم لا ، والآخر يقول : إنّه إذا خفي الجدران فقصّر ، سواء خفي الأذان أم لا ، فيكون تساقط الإطلاق محدودا في مفاد الدليلين ويبقى الإطلاق بقوّته بالنسبة إلى الأمر الثالث ، سواء كان هو جزء العلّة أو علّة تامّة بوحدته.
التنبيه الثالث : في تداخل المسبّبات وعدمه :
معلوم أنّ في الفقه عدّة موارد يتحقّق الدليل فيها للتداخل كالوضوء والغسل ، سواء كانت أسبابهما المتعدّدة من نوع واحد أو من أنواع مختلفة ، وموارد يتحقّق الدليل فيها لعدم التداخل مثل باب الكفّارات ، وهذا النزاع
![دراسات في الأصول [ ج ٢ ] دراسات في الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3692_dirasat-fi-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
