والثاني : أنّه مبتدأ ، قال الزمخشري (١) : والوجه النّصب على نفي الجنس ، والرّفع على الابتداء ليكون كلاما برأسه ، وفي العطف على محلّ (مِثْقالِ ذَرَّةٍ) ، أو على لفظ (مِثْقالِ ذَرَّةٍ) فتحا في موضع الجرّ ؛ لامتناع الصّرف إشكال ؛ لأنّ قولك : «لا يعزب عنه شيء إلّا في كتاب» مشكل ؛ لأنّه يلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجا عن علم الله ، ويصير التقدير : إلا في كتاب مبين فيعزب ، وهو باطل ، وهذان الوجهان اختيار الزّجّاج.
وقد يزول هذا الإشكال بما ذكره أبو البقاء : وهو أن يكون (إِلَّا فِي كِتابٍ) استثناء منقطعا ، قال : «إلّا في كتاب ؛ أي : إلّا هو في كتاب ، والاستثناء منقطع».
قال ابن الخطيب (٢) : «أجاب بعض المحقّقين من وجهين :
أحدهما : أن الاستثناء منقطع.
والاخر : أن العزوب عبارة عن مطلق البعد ، والمخلوقات قسمان :
أحدهما : قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة ، كالملائكة ، والسموات ، والأرض.
وقسم أوجده بواسطة القسم الأوّل ، مثل الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد ، وهذا قد يتباعد في سلسلة العلّية والمعلوليّة عن مرتبة وجود واجب الوجود ، فالمعنى : لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرّة في الأرض ، ولا في السماء ، إلا وهو في كتاب مبين ، كتبه الله ، وأثبت فيه صور تلك المعلومات».
قال شهاب الدين : «فقد آل الأمر إلى أنّه جعله استثناء مفرّغا ، وهو حال من «أصغر» و «أكبر» ، وهو في قوّة الاستثناء المتّصل ، ولا يقال في هذا : إنّه متّصل ولا منقطع إذ المفرّغ لا يقال فيه ذلك.
وقال الجرجانيّ : «إلّا» بمعنى : «الواو» ، والتقدير : «وما يعزب عن ربّك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السّماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر» وههنا تمّ الكلام وانقطع ، ثم ابتدأ بقوله : (إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) أي : وهو في كتاب مبين ، والعرب تضع «إلّا» موضع واو النّسق ؛ كقوله : (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) [النساء : ١٤٨] (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) [البقرة : ١٥٠]. وهذا الذي قاله الجرجانيّ ضعيف جدا ، وقد تقدّم الكلام في هذه المسألة في البقرة ، وأنّه شيء قال به الأخفش ، ولم يثبت ذلك بدليل صحيح.
وقال أبو شامة : ويزيل الإشكال أن تقدّر قبل قوله : (إِلَّا فِي كِتابٍ) «ليس شيء من ذلك إلّا في كتاب» وكذا تقدر في آية الأنعام [الأنعام ٥٩].
ولم يقرأ في سبأ إلا بالرفع ، وهو يقوي قول من يقول : إنّه معطوف على «مثقال» ،
__________________
(١) ينظر : الكشاف ٢ / ٣٥٥.
(٢) ينظر : الفخر الرازي ١٧ / ١٠٠.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٠ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3102_allubab-fi-ulum-alkitab-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
