(فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) ٣٤.
عمل السوء سيئة ، وأثره بطبيعة الحال سيئة ، في الدنيا وفي الآخرة ، وهنا (فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) علها هي الأعمال نفسها ، حيث ظهرت بشيء من حقائقها يوم الدنيا عذابا يمثل الأخرى ، وقد عبّر عنه ب (سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) دون ما عملوا ، فان للأعمال الخاطئة نشآت ثلاث ، يوم الدنيا حيث تظهر بشيء من حقائقها كما تناسب الدنيا وليست هي دار جزاء ، ثم تظهر بشيء أوفر في البرزخ ، ثم في الاخرى يجزاه الجزاء الأوفى : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى) (٥٣ : ٤).
فلان السيئة وجاه الكبيرة هي القليلة وجاه الكثيرة ، ف (سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) هي قليلة من كثيرة ، فان (ما عَمِلُوا) كبائر ما أكبرها ، وما أصابهم ليس إلّا شطر قليل من حقائقها الجهنمية.
ولان (ما عَمِلُوا) ليست إلّا خطايا ، ف (سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) ليست اضافة تقتسم ما عملوا الى سيئات وسواها ، ولا اضافة الصفة الى موصوفها ، إذ تشمل كل خطاياهم وما أصابهم إلا سيئاتها هنا ، بل هي اضافة الجزء الى الكل ، فلم يصبهم كل ما عملوا لأنه مؤجل الى الآجلة ، وانما بعض مما عملوا قليل ، فانه للعاجلة ، كما البرزخ بينهما للبرزخ بينهما ، هذا ، مهما كان هناك (سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) الظهور التام لاعمالهم يوم القيامة ، اضافة الصفة الى موصوفها ، حينما تقوم قرينة : (وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (٣٩ : ٤٨) فانها بعد ذكرى من سوء العذاب يوم القيامة ، واما هنا فهو يوم الدنيا.
(وَحاقَ بِهِمْ) حيطة مزمجرة مدمّرة هنا (ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) من عذاب الاستئصال ، وكما كانوا ينظرون (أَمْرُ رَبِّكَ) نظرة الهزء ، المتعنتة.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٦ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3033_alfurqan-fi-tafsir-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
