[١١٧ ـ ١١٩] (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩))
قصة خلق آدم وسجود الملائكة له وإباء الشيطان من السجود تقدمت في سورة البقرة وسورة الأعراف ، فلنقتصر على بيان ما اختصت به هاته السورة من الأفانين والتراكيب.
فقوله (إِنَّ هذا) إشارة إلى الشيطان إشارة مرادا منها التحقير ، كما حكى الله في سورة الأنبياء [٣٦] من قول المشركين (أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) ، وفي سورة الأعراف [٢٢] (إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ) عبر عنه باسمه.
وقوله (عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) هو كقوله في الأعراف [٢٢] : (وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ). فذكرت عداوته لهما جملة هنالك وذكرت تفصيلا هنا ، فابتدئ في ذكر متعلّق عداوته بآدم لأنّ آدم هو منشأ عداوة الشيطان لحسده ، ثم اتّبع بذكر زوجه لأنّ عداوته إياها تبع لعداوته آدم زوجها ، وكانت عداوته متعلّقة بكليهما لاتحاد علّة العداوة ، وهي حسده إياهما على ما وهبهما الله من علم الأسماء الذي هو عنوان الفكر الموصل إلى الهدى وعنوان التعبير عن الضمير الموصل للإرشاد ، وكل ذلك مما يبطل عمل الشيطان ويشق عليه في استهوائهما واستهواء ذريتهما ، ولأنّ الشيطان رأى نفسه أجدر بالتفضيل على آدم فحنق لما أمر بالسجود لآدم.
(فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) (١١٩)
قوله (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ) تفريع على الإخبار بعداوة إبليس له ولزوجه : بأن نهيا نهي تحذير عن أن يتسبب إبليس في خروجهما من الجنة ، لأنّ العدوّ لا يروقه صلاح حال عدوه. ووقع النهي في صورة نهي عن عمل هو من أعمال الشيطان لا من أعمال آدم كناية عن نهي آدم عن التأثر بوسائل إخراجهما من الجنّة ، كما يقال : لا أعرفنّك تفعل كذا ، كناية عن : لا تفعل ، أي لا تفعل كذا حتى أعرفه منك ، وليس المراد النهي عن أن يبلغ إلى المتكلّم خبر فعل المخاطب.
وأسند ترتب الشقاء إلى آدم خاصة دون زوجه إيجازا ، لأنّ في شقاء أحد الزوجين
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ١٦ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2920_altahrir-wal-tanwir-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
