المصادفة ، فيكون غير ملائم أو في ملاءمته خلل ، قال النّابغة :
|
فريع قلبي وكانت نظرة عرضت |
|
يوما وتوفيق أقدار لأقدار |
أي موافقة ما كنت أرغبه.
فقوله (ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى) يفيد أنّ ما حصل لموسى من الأحوال كان مقدّرا من الله تقديرا مناسبا متدرجا ، بحيث تكون أعماله وأحواله قد قدّرها الله وحددها تحديدا منظما لأجل اصطفائه وما أراد الله من إرساله ، فالقدر هنا كناية عن العناية بتدبير إجراء أحواله على ما يسفر عن عاقبة الخير.
فهذا تقدير خاص ، وهو العناية بتدرج أحواله إلى أن بلغ الموضع الذي كلّمه الله منه.
وليس المراد القدر العام الذي قدّره الله لتكوين جميع الكائنات ، فإن ذلك لا يشعر بمزية لموسى ـ عليهالسلام ـ. وقد انتبه إلى هذا المعنى جرير بذوقه السليم فقال في مدح عمر بن عبد العزيز :
|
أتى الخلافة إذ كانت له قدرا |
|
كما أتى ربّه موسى على قدر |
ومن هنا ختم الامتنان بما هو الفذلكة ، وذلك جملة (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) الذي هو بمنزلة ردّ العجز على الصدر على قوله (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ) الآية ، وهو تخلص بديع إلى الغرض المقصود وهو الخطاب بأعمال الرسالة المبتدأ من قوله : (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى) [طه : ١٣] ومن قوله : (اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى) [طه : ٢٤].
والاصطناع : صنع الشيء باعتناء. واللام للأجل ، أي لأجل نفسي. والكلام تمثيل لهيئة الاصطفاء لتبليغ الشريعة بهيئة من يصطنع شيئا لفائدة نفسه فيصرف فيه غاية إتقان صنعه.
(اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢))
رجوع إلى المقصد بعد المحاورة ، فالجملة بيان لجملة : (اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى) ، أو هي استئناف بياني لأن قوله : (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه : ٤١] يؤذن بأنه اختاره وأعدّه لأمر عظيم ، لأنّ الحكيم لا يتّخذ شيئا لنفسه إلّا مريدا جعله مظهرا لحكمته ، فيترقب المخاطب تعيينها ، وقد أمره هنا بالذهاب إلى فرعون وأن يذهب أخوه معه. ومعنى
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ١٦ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2920_altahrir-wal-tanwir-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
