والإيتاء الإعطاء. والمراد إعطاء المال ، قال تعالى : (قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ) [سورة النمل : ٧٦] ، وقال : (وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ) [سورة البقرة: ١٧٧].
ونهى الله عن الفحشاء والمنكر والبغي وهي أصول المفاسد.
فأما الفحشاء : فاسم جامع لكل عمل أو قول تستفظعه النفوس لفساده من الآثام التي تفسد نفس المرء : من اعتقاد باطل أو عمل مفسد للخلق ، والتي تضرّ بأفراد الناس بحيث تلقي فيهم الفساد من قتل أو سرقة أو قذف أو غصب مال ، أو تضرّ بحال المجتمع وتدخل عليه الاضطراب من حرابة أو زنا أو تقامر أو شرب خمر. فدخل في الفحشاء كل ما يوجب اختلال المناسب الضروري ، وقد سمّاها الله الفواحش. وتقدم ذكر الفحشاء عند قوله تعالى : (إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ) في سورة البقرة [١٦٩] ، وقوله : (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ) في سورة الأعراف [٣٣] وهي مكية.
وأما المنكر فهو ما تستنكره النفوس المعتدلة وتكرهه الشريعة من فعل أو قول ، قال تعالى : (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً) [سورة المجادلة : ٢] ، وقال : (وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) [سورة العنكبوت : ٢٩]. والاستنكار مراتب ، منها مرتبة الحرام ، ومنها مرتبة المكروه فإنه منهيّ عنه. وشمل المنكر كل ما يفضي إلى الإخلال بالمناسب الحاجي ، وكذلك ما يعطّل المناسب التحسيني بدون ما يفضي منه إلى ضرّ.
وخصّ الله بالذّكر نوعا من الفحشاء والمنكر ، وهو البغي اهتماما بالنّهي عنه وسدّا لذريعة وقوعه ، لأن النفوس تنساق إليه بدافع الغضب وتغفل عما يشمله من النهي من عموم الفحشاء بسبب فشوّه بين الناس ؛ وذلك أن العرب كانوا أهل بأس وشجاعة وإباء ، فكانوا يكثر فيهم البغي على الغير إذا لقي المعجب بنفسه من أحد شيئا يكرهه أو معاملة يعدّها هضيمة وتقصيرا في تعظيمه. وبذلك كان يختلط على مريد البغي حسن الذبّ عما يسمّيه الشرف وقبح مجاوزة حدّ الجزاء.
فالبغي هو الاعتداء في المعاملة ، إما بدون مقابلة ذنب كالغارة التي كانت وسيلة كسب في الجاهلية ، وإما بمجاوزة الحدّ في مقابلة الذنب كالإفراط في المؤاخذة ، ولذا قال تعالى : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ) [سورة البقرة : ١٩٤]. وقال : (ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ) [سورة الحج : ٦٠]. وقد تقدم عند قوله تعالى : (وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِ) في سورة
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ١٣ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2917_altahrir-wal-tanwir-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
