بأن النّعم كلّها من الله ، ومضمون الجملة المعطوفة أبعد في النظر من مضمون المعطوف عليها.
والمقصود : تقرير أن الله تعالى هو مدبّر أسباب ما بهم من خير وشرّ ، وأنه لا إله يخلق إلا هو ، وأنهم لا يلتجئون إلا إليه إذا أصابهم ضرّ ، وهو ضد النّعمة.
ومسّ الضرّ : حلوله. استعير المسّ للحصول الخفيف للإشارة إلى ضيق صبر الإنسان بحيث إنه يجأر إلى الله بحصول أدنى شيء من الضرّ له. وتقدم استعمال المسّ في الإصابة الخفيفة في قوله تعالى (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) في سورة الأنعام [١٧].
و (تَجْئَرُونَ) تصرخون بالتضرّع. والمصدر : الجؤار ، بصيغة أسماء الأصوات.
وأتبع هذه بنعمة أخرى وهي نعمة كاشف الضرّ عن الناس بقوله تعالى : (ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ) الآية.
و (ثُمَ) للترتيب الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل. وجيء بحرف (ثُمَ) لأنّ مضمون الجملة المعطوفة أبعد في النّظر من مضمون المعطوف عليها فإن الإعراض عن المنعم بكشف الضرّ وإشراك غيره به في العبادة أعجب حالا وأبعد حصولا من اللجأ إليه عند الشدّة.
والمقصود تسجيل كفران المشركين ، وإظهار رأفة الله بالخلق بكشف الضرّ عنهم عند التجائهم إليه مع علمه بأن من أولئك من يشرك به ويستمرّ على شركه بعد كشف الضرّ عنه.
و (إِذا) الأولى مضمنة معنى الشرط ، وهي ظرف. و (إِذا) الثانية فجائية. والإتيان بحرف المفاجأة للدّلالة على إسراع هذا الفريق بالرجوع إلى الشرك وأنه لا يتريث إلى أن يبعد العهد بنعمة كشف الضرّ عنه بحيث يفجئون بالكفر دفعة دون أن يترقّبه منهم مترقّب ، فكان الفريق المعني في قوله تعالى : (إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ) فريق المشركين.
(لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥))
لام التعليل متعلّقة بفعل (يُشْرِكُونَ) [سورة النحل : ٥٤] الذي هو من جواب قوله تعالى : (إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ) [سورة النحل : ٥٤]. والكفر هنا كفر النّعمة ، ولذلك
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ١٣ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2917_altahrir-wal-tanwir-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
