أليس أوّل من صلى لقبلتكم
والأظهر عندي أن تكون القبلة اسم مفعول على وزن فعل كالذّبح والطّحن وتأنيثه باعتبار الجهة كما قالوا : ما له في هذا الأمر قبلة ولا دبرة أي وجهة.
وإضافة القبلة إلى ضمير المسلمين للدلالة على مزيد اختصاصها بهم إذ لم يستقبلها غيرهم من الأمم لأن المشركين لم يكونوا من المصلين وأهل الكتاب لم يكونوا يستقبلون في صلاتهم ، وهذا مما يعضد حمل «السفهاء» على المشركين إذ لو أريد بهم اليهود لقيل عن قبلتنا إذ لا يرضون أن يضيفوا تلك القبلة إلى المسلمين ، ومن فسر «السفهاء» باليهود ونسب إليهم استقبال بيت المقدس حمل الإضافة على أدنى ملابسة لأن المسلمين استقبلوا تلك القبلة مدة سنة وأشهر فصارت قبلة لهم.
وضمير الجمع في قوله : (ما وَلَّاهُمْ) عائد إلى معلوم من المقام غير مذكور اللفظ حكاية لقول السفهاء وهم يريدون بالضمير أو بمساويه في كلامهم عوده على المسلمين.
وقوله : (الَّتِي كانُوا عَلَيْها) أي كانوا ملازمين لها فعلى هنا للتمكن المجازي وهو شدة الملازمة مثل وقوله : (أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) [البقرة : ٥] ، وفيه زيادة توجيه للإنكار والاستغراب أي كيف عدلوا عنها بعد أن لاوموها ولم يكن استقبالهم إياها مجرد صدفة فإنهم استقبلوا الكعبة ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة.
واعلم أن اليهود يستقبلون بيت المقدس وليس هذا الاستقبال من أصل دينهم لأن بيت المقدس إنما بني بعد موسى عليهالسلام بناه سليمان عليهالسلام ، فلا تجد في أسفار «التوراة» الخمسة ذكرا لاستقبال جهة معينة في عبادة الله تعالى والصلاة والدعاء ، ولكن سليمانعليهالسلام هو الذي سنّ استقبال بيت المقدس ففي سفر الملوك الأول أن سليمان لما أتم بناء بيت المقدس جمع شيوخ إسرائيل وجمهورهم ووقف أمام المذبح في بيت المقدس وبسط يديه ودعا الله دعاء جاء فيه : «إذا انكسر شعب إسرائيل أمام العدو ثم رجعوا واعترفوا وصلوا نحو هذا البيت فأرجعهم إلى الأرض التي أعطيت لآبائهم وإذا خرج الشعب لمحاربة العدو وصلّوا إلى الرب نحو المدينة التي اخترتها والبيت الذي بنيته لاسمك فاسمع صلاتهم وتضرعهم» إلخ ، وذكر بعد ذلك أن الله تجلّى لسليمان وقال له «قد سمعت صلاتك وتضرعك الذي تضرعت به أمامي» ، وهذا لا يدل على أن استقبال بيت المقدس شرط في الصلاة في دين اليهود وقصاراه الدلالة على أن التوجه نحو بيت المقدس بالصلاة والدعاء هيئة فاضلة ، فلعل بني إسرائيل التزموه لا سيما بعد خروجهم من
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٢ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2906_altahrir-wal-tanwir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
