أراد سخرني إليك ، وفي الحديث : «اللهم اهد دوسا وأت بها» أي اهدها وقربها للإسلام ويستعمل في القدرة على الشيء وفي العلم به كما في قوله تعالى : (إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ) [لقمان : ١٦].
وتجيء أقوال في تفسير (أَيْنَما تَكُونُوا) على حسب الأقوال في تفسير (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ) بأن يكون المعنى تقبل الله أعمالكم في استباق الخيرات فإنه المهم ، لا استقبال الجهات أو المعنى إنكم إنما تستقبلون ما يذكّركم بالله فاسعوا في مرضاته بالخيرات يعلم الله ذلك من كل مكان ، أو هو ترهيب أي في أيّة جهة يأت الله بكم فيثيب ويعاقب ، أو هو تحريض على المبادرة بالعمل الصالح أي فأنتم صائرون إلى الله من كل مكان فبادروا بالطاعة قبل الفوت بالموت ، إلى غير ذلك من الوجوه.
وقوله : (إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) تذييل يناسب جميع المعاني المذكورة.
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠))
عطف قوله : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) على قوله : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) [البقرة : ١٤٤] عطف حكم على حكم من جنسه للإعلام بأن استقبال الكعبة في الصلاة المفروضة لا تهاون في القيام به ولو في حالة العذر كالسفر ، فالمراد من (حَيْثُ خَرَجْتَ) من كل مكان خرجت مسافرا لأن السفر مظنة المشقة في الاهتداء لجهة الكعبة فربما يتوهم متوهم سقوط الاستقبال عنه ، وفي معظم هاته الآية مع قوله : (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) زيادة اهتمام بأمر القبلة يؤكد قوله في الآية السابقة : (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) [البقرة : ١٤٧].
وقوله : (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) زيادة تحذير من التساهل في أمر القبلة.
وقوله بعده : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) عطف على الجملة التي قبله ، وأعيد لفظ الجملة السالفة ليبنى عليه التعليل بقوله : (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ).
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٢ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2906_altahrir-wal-tanwir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
