وفوقه خفّ من البرغالي (١١٢) ، وهو جلد الفرس مبطن بجلد ذيب ، وكنت أتوضأ بالماء الحارّ بمقربة من النار فما تقطر من الماء قطرة إلّا جمدت لحينها! وإذا غسلت وجهي يصل الماء إلى لحيتي فيجمد ، فأحرّكها فيسقط منها شبه الثلج ، والماء الذي ينزل من الأنف يجمد على الشارب ، وكنت لا أستطيع الركوب لكثرة ما عليّ من الثياب حتى يركبني أصحابي! ثم (١١٣) وصلت إلى مدينة الحاجّ ترخان حيث فارقنا السلطان أوزبك فوجدناه قد رحل واستقرّ بحضرة ملكه ، فسافرنا على نها إتل وما يليه من المياه ثلاثا وهي جامدة ، وكنّا إذا احتجنا الماء قطعنا قطعا من الجليد وجعلنا في القدر حتى يصير ماء فنشرب منه ونطبخ به!!
ووصلنا إلى مدينة السّرا ، وضبط اسمها بسين مهمل وراء مفتوحين وألف وتعرف بسرا بركة(١١٤) ، وهي حضرة السلطان أوزبك ، ودخلنا على السّلطان فسألنا عن كيفيّة سفرنا وعن ملك الروم ، ومدينته فأعلمناه ، وأمر بإجراء النفقة علينا وأنزلنا.
ومدينة السّرا من أحسن المدن متناهية الكبر في بسيط من الأرض تغصّ بأهلها كثرة ، حسنة الأسواق ، متّسعة الشوارع ، وركبنا يوما مع بعض كبرائها وغرضنا التطوّف عليها ومعرفة مقدارها ، وكان منزلنا في طرف منها فركبنا منه غدوة فما وصلنا لآخرها إلّا بعد الزوال فصلّينا الظهر ، وأكلنا طعاما فما وصلنا إلى المنزل إلا عند المغرب ، ومشينا يوما عرضها ذاهبين وراجعين في نصف يوم ، وذلك في عمارة متّصلة الدور لا خراب فيها ولا بساتين وفيها ثلاثة عشر مسجدا لإقامة الجمعة : أحدها للشافعية ، وأمّا المساجد سوى ذلك فكثير جدا وفيها طوائف من الناس منهم المغل ، وهم أهل البلاد ، والسلاطين ، وبعضهم مسلمون ، ومنهم الآص (١١٥) وهم مسلمون، ومنهم القفجق ، والجركس والرّوس ، والروم ، وهم
__________________
(١١٢) كلمة البرغالي تحريف كلمة" البلغاري" : يعني جلد بلغاري ولعلها خطا من الذي كان يحكي له أو من الناسخ.
(١١٣) " ولقد كنت أخرج من الحمام فإذا دخلت إلى البيت نظرت إلى لحيتي وهي قطعة واحدة من الثلج حتى كنت أدنيها إلى النار" هكذا قال ابن فضلان عام ٣٠٩ ٩٢١ وحكى عن الثياب الكثيرة كذلك. ويحكي ماركوبّولو في معرض الحديث عن البرد الرهيب في روسيا قصة أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة عن امرأة أقعت للتبوّل فتجمد زغب عانتها والتصق بالعشب وأقبل زوجها ليفكّها فلما نفخ تجمّدت لحيته والتصقت بزغب عانتها الأمر الذي لم يخلص الاثنين إلّا تدخل شخص ثالث كسر الثلج!!
Le Divesement du monde II ـ ١٩٩١ IIp ٢٣٥
(١١٤) كانت عاصمة أزبك خان ، قبل هذه الحركة بقليل تمتد من السّرا (القديمة) وتقع قريبا من القرية الجديدة سيليترينّوSelitrennoe ، ٧٤ ميلا فوق اصطرخان ، أقول تمتد من هناك إلى مدينة شيدت على ما يبدو من لدن بركة خان (١٢٥٥ ـ ٦٧) وتسمّى اليوم السرا الجديدة في موقع مدينة تساريف (TSAREV) ٢٢٥ ميلا فوق اصطراخان.SPULER.B Die Goledene Horde Leipzig ٣٤٩١.
(١١٥) آلاص : OSSETES شعب هندي أوربي ورد من آسيا ، يسمّيه المغول (ASUT) وفي القرن الخامس عشر ذابوا في المغوليين باستثناء من بقي منهم في القوقاز وهم الذين يعرفون باسم (OSSETES) ويكونون القسم الشمالي (داخل جمهورية روسيا) والجنوبي (داخل جمهورية جورجيا). لغتهم إيرانية وبعضهم مسلمون ... راجع التعليق رقم ١٠.
![رحلة ابن بطوطة [ ج ٢ ] رحلة ابن بطوطة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2358_rihlat-ibn-battuta-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
